في المؤتمر الصحفي الذي عقده بشار الجعفري في جنيف، في أعقاب التفجيرين "المحمودين" اللذين طالا أهم معقلين لصناعة القتل في حمص، كان يتغنج بلفظ كلمة المعارضات والمنصات، فتتحرك ذقنه كل مرة في اتجاه، في مشهد يذكرنا باجترار التيوس لطعامها.
وقوفه بين جمهوره من إعلاميي "الممانعة وهن راغبات"، جعله يتحدث، عن المعارضة، وكأنها غزو خارجي، جاءت لتفاوضه، بضغط دولي، على حق نظامه الأبدي في السلطة، بينما لم يجد من يقفز في وجهه في ذلك المؤتمر ويشبعه بصاقا..وهو سلوك لا يقدره ويفهم معناه إلا من خبر التعامل مع التيوس، فهي على الرغم من أنها تعتبر رمزا للرجولة عند العرب من أبناء البوادي، بسبب "السكسوكة" فقط، إلا أنها معروفة عندهم كذلك بأنها رمز للنذالة والحيونة والخسة.
إلا أن الجعفري استطاع الحصول على ما يريد، واستفرد بالمشهد لوحده، مستفيدا من غياب الجيش الجرار من المستشارين الإعلاميين الذين اصطحبتهم المعارضة معها إلى جنيف، فلم نر منهم واحدا، على الأقل، في المؤتمر الصحفي، ليرد عليه بنفس الطريقة التي تحدث بها.. وبدل ذلك، أخذت المحطات الفضائية تتصيد المعارضين من منتسبي المنصات، وهم لازالوا في البيجاما، وتطلب منهم الرد على الجعفري فيما يتعلق بطلبه إدانة العمليتين "الإرهابيتن" في حمص، فتورط بعضهم بمواقف، أثبتت صدق تصريحات الجعفري بوصفها بالمعارضات والمنصات..!!
نستغرب أحيانا، أنه بعد ست سنوات من الثورة، لم تستطع المعارضة أن تصوغ خطابا إعلاميا واضحا وثابتا ومحددا، وهو أبسط أدبيات العمل السياسي، كما أنها لم تستطع أن تمنع هؤلاء الذين يخرجون على القنوات الفضائية، ليتحدثوا باسمها، من الظهور، وخصوصا أن كل منهم يتحدث بحسب ما يستجد معه من أفكار وهو على الهواء مباشرة.!! فهل سمعتم مثلا عن معارض رفض الخروج على القنوات، في الأحداث التي تستوجب موقفا يمثل الثورة، وطلب من هذه القنوات أن تستعين بالناطق الإعلامي لتياره على الأقل، أو استمهلها لأن تياره لم يصغ موقفا اتجاه الحدث..؟!
لقد استفاد النظام كثيرا من "صبيانية" المعارضة، ليقول لجمهوره وللعالم: بربكم، هل هؤلاء من تعولون عليهم كي يكونوا بديلا عنا..؟!
بينما المعارضة لاتزال تحتج، تارة بضعف الخبرة السياسية، رغم مضي ست سنوات على عملها، وتارة أخرى بمستوى إجرام النظام الذي أفقدها صوابها.
بكل الأحوال، يحاول النظام أن يستخدم التفجيرين الأخيرين في حمص، لنزع الشرعية عن المعارضة، على أنها غير مؤهلة للحل السياسي معه..ولهذا استغلهما للمطالبة بأن تكون الأولوية في المفاوضات، ليس لبحث عملية الانتقال السياسي، كما تنص عليه وثيقة جنيف، وإنما لمحاربة الإرهاب.. لذلك طلب الجعفري من الوفود المعارضة التي يفاوضها أن تدين هاتين العمليتين قبل الاستمرار بالمحادثات.. وفي هذه الحالة، إذا ما استنكرت المعارضة أعمال جبهة النصرة وأدانت التفجيرين، فإن النظام سوف يتساءل في الخطوة التالية عن قيمة الحل السياسي أو قيمة التفاوض مع هذه المعارضة، إذا كانت لا تسيطر على الأرض وتتحكم بها ..؟ وعندها لن يكون أمام المعارضة سوى أن تعلن عن استعدادها لمحاربة الإرهاب إلى جانب النظام كي تستحق الشراكة معه..!
هل فهمتم أين تكمن اللعبة الآن..؟ إنها تكمن في أن النظام لايزال يراهن على غباء المعارضة وتشتتها، واختلاف أمزجة أفرادها، لهذا يجد سهولة في نصب الشباك لها وإيقاعها بأفخاخه..
إذا ما الحل..؟
الحل برأيي، هو أن تبارك المعارضة كل إرهاب يستهدف إرهاب النظام، تماما مثلما هو يفعل عندما يبرر تدخل حزب الله والميلشيات الشيعية إلى جانبه ومن هذا الجانب.. لأن الأفرع الأمنية ليست منظمات لحقوق الإنسان، وهي ليست مهنة شريفة في سوريا، بل هي الجامعات التي يخرج منها النظام ممتهني القتل والتعذيب.. وكل من يسعى للانتساب إلى هذه المؤسسات التي تتفوق في إرهابها على إرهاب تنظيم "الدولة" و"النصرة"، يعرف تماما وهو بكامل قواه العقيلة، أن مهنته ستكون قتل أبناء شعبه.. فهل هؤلاء يستحقون التنديد بمن تسبب بنفوقهم..؟!
* من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية