فاجأنا الوسط الفيسبكوي السوري، برفض البعض موت بشار الأسد بيد غير السوريين أو ميتة طبيعية، وذلك في أعقاب الشائعات التي انتشرت عن مقتله، وإنما يريدونه أن يبقى حيا من أجل أن يحاكموه وينال عقابه على أيديهم.
ومن يقرأ ويستمع لتأسفاتهم في حال صدق خبر موته، يعتقد بأنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من الإمساك به، لكن في اللحظات الاخيرة جاء من خطف منهم فرحة الانتصار بمحاكمته.
ما هذا الترف يا جماعة..؟! كنا نظن أنه بعد ست سنوات من القتل والتهجير والعذاب، أن السوريين يريدون التخلص من بشار بأي طريقة، حتى لو على يد ابن عم زوج خالته، لكنه اتضح أخيرا بأن مقارعة الديكتاتور أصبح جزءا من كيان السوريين، وهم يخشون إن مات، أن يجدوا أنفسهم بلا قضية.
لكن دعونا نتخيل شائعة خبر مقتل بشار الأسد بأنها حقيقة، أو أنه مصاب إصابة بالغة ولن يعود إلى الحكم ثانية، فما هي هوية المرحلة التالية..؟
أول ما سيخطر على بال السوريين، أن إيران وروسيا هما من ستتحكمان بهذه المرحلة، وسوف تقومان برسم ملامحها وتعيين شخوصها بالكامل، وهو تصور بديهي، بناء على الوقائع وسير الأحداث، لكن هل يمكن أن ننتقل بتفكيرنا إلى ما هو أبعد من ذلك..؟ كأن نتخيل مثلا بأن تتحول سوريا إلى مناطق نفوذ دولي، تتبع كل بقعة فيها لسيطرة دولة معينة، دون ان يكون هناك شكل لدولة وطنية؟!
أليس الوقائع على الأرض تشير إلى هذا النوع من النهايات، وهو يمثل أيضا تعبيرا حقيقيا عن مصلحة الدول المتدخلة في سوريا والتي بذلت كل ما بوسعها من أجل بسط نفوذها على النظام، هل تعتقدون أن هذه الدول يمكن أن تتخلى بسهولة عن كل ما قدمته، وتدعم مرحلة جديدة في سوريا، قد لا تأتي وفق مصالحها، وهي بكل تأكيد لن تكون بمستوى إذعان بشار الأسد مهما كان شكلها..؟!
هذا يحيلنا إلى فكرة المناطق الآمنة التي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإقامتها في شمال سوريا وجنوبها، فهي تعني بدون شك أنها ستكون مناطق نفوذ أمريكي، أما المنطقة الساحلية فقد اتضح أنها منطقة آمنة تحت النفوذ الروسي، وكذلك تركيا تسعى لإقامة منطقتها الآمنة التي ستكون تحت نفوذها، أما إيران، فعينها على عاصمة الأمويين دمشق وما حولها، فهي تسعى الأخرى لأن تكون هذه المنطقة تحت نفوذها.
وفق هذه الخارطة المفروضة على السوريين غصبا، ما قيمة الحديث عن الطريقة التي سيرحل بها بشار..؟
مما لا شك فيه أن مصير بشار الأسد بات واضحا أكثر من أي وقت مضى، إذ إن تسويات المرحلة النهائية تتطلب التخلص منه بأي طريقة أو الإبقاء عليه شكلا، إلى أن يحقق كل طرف ما يسعى إليه، وعندما تبسط هذه الدول سيطرتها على مناطق نفوذها على غرار ما تفعل تركيا في جرابلس وروسيا في حلب، عندها لن يكون مهما طبيعة الأشخاص الذين سيقودون المرحلة التالية، لأن هذه الدول لن تسمح إلا بأشخاص يقبلون الأمر الواقع الذي سيفرضونه على الأرض، أو أن يبقى الحل في سوريا معطلا إلى ما لا نهاية، ويستمرون هم بتسيير أمور البلد، كل في منطقة نفوذه وسيطرته.
الكثيرون قد يتساءلون ما هو الحل إذا كان هذا هو المخطط المرسوم لسوريا؟
الحل من وجهة نظر شخصية، هو التوجه إلى أوروبا الغربية، فعلى المعارضة أن تستفيد من تضارب المصالح بين الدول المتدخلة حاليا في سوريا وبين الدول الأوروبية الخاسر الأكبر من هذا الصراع، وهذا يتطلب مجموعة عمل خلاقة من المعارضة، تعرف كيف تقود اللعبة الدولية وتعرف كيف تغزل على مشاعر المصالح الأوروبية .. وأما موضوع المقاومة الشعبية، فهو يجب أن يستمر وبكافة الأشكال، لكن دعونا نعترف، فهو لوحده لا يكفي ... وخصوصا أن الدول التي دعمت أطراف الصراع في سوريا ومدتهم بأسباب القوة هي اليوم من اتفقت على تقاسم النفوذ على الأرض، فهل تتوقعون أن تدعم أحد هذه الدول فريقا لمقاومة الدولة الأخرى؟!
*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية