أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حصاد الآستانة المر.. الخديعة الكبرى

سوريون يواجهون كل أشكال الموت (الصور أدناه)- جيتي

مقدمة: إعلان وقف إطلاق النار.. العنب المسموم
قامت القوات الجوية الروسية خلال عام 2016 بتكثيف هجماتها التي  يمكن وصفها  بالوحشية المفرطة متبعة أسلوب التحطيم الشامل لكل مقومات الحياة والصمود عند الطرف الآخر، وذلك باستهداف مركّز ومنقطع النظير للمراكز الطبية ومنشآت الرعاية والمراكز المدنية الخدمية في مدينة حلب بشكل رئيس وفي أطراف إدلب وريف حماة الشمالي، هذه العمليات العسكرية الروسية لم تكن تهدف إلى تحقيق إنجازات عسكرية بقدر ما كانت تهدف إلى تغيير في نمط سلوك جماعات المعارضة المسلحة وهي ما يمكن أن نسميه عملية "كي الوعي ".

لقد نجحت روسيا بتحقيق هذا الهدف وذلك بنشوء وعي بديل لدى فصائل المعارضة والسكان على حد سواء وهو عدم إمكانية مجابهة هذه القوى المفرطة والجبارة المتمثلة بالقصف المركز والمنهجي باستخدام طاقة تدميرية كبيرة بشكل مواظب ومن دون أن يرف لها جفن وبالتالي بدأت الأصوات تنادي بضرورة الحديث مع الروس لوقف هذا الجنون في نفس الوقت الذي  تصاعدت فيه الأصوات الدولية المنادية بضرورة محاسبة روسيا على جرائم الحرب التي ترتكبها في سورية ولا سيما باستهدافها للمنشآت الطبية وقوافل الإغاثة وهو الأمر الذي سارعت روسيا لتداركه عبر انسحابها من ميثاق روما المؤسس لمحكمة الجنايات الدولية وفق المرسوم الذي وقعه الرئيس بوتين في 16112016 وذلك  لتبقى بعيدة عن إمكانية إحالة جرائمها في حلب إلى هذه المحكمة.


بعد إدراك روسيا أن عمليات القصف الجوي قد أنتجت آثارها على المستوى النفسي للفصائل وضمن تفاهم مع تركيا المندفعة لتحصين أمنها القومي بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، قدمت روسيا عرض النجاة للفصائل المقاتلة في حلب وريفها وتكفّلت تركيا بإقناعها بقبول هذا العرض عبر اجتماعات رعتها في أنقرة بينها وبين  الروس الذين تحولوا من مجرم حرب وحامي للنظام إلى قوة لابد من الحديث معها . 

هنا يجب ان نتلمس التغيير الهائل في معطيات الصراع، فالفصائل المسلحة حملت السلاح في بداية الثورة تحت شعار حماية المدنيين من عنف ووحشية النظام، ثم طوّرت هدفها بعد الدخول إلى حلب في عام 2012 إلى شعار إسقاط النظام عسكريا، والعرض الروسي بوقف تدمير الفصائل هو نقلة جديدة في الأهداف بحيث بات السعي عند الجميع ليس في حماية المدنيين أو إسقاط النظام  بل في حماية الفصائل نفسها أي أن روسيا استطاعت أن تحول البندقية من وسيلة حماية للمدنيين أو وسيلة لإسقاط النظام إلى عبء على حامل البندقية نفسه بحيث تحول جل اهتمامه لحمايتها وليس لأي شيء آخر وانسحب هذا الأمر على السياسيين الذين باتوا يتحدثون بشكل كثيف عن توفير وسائل الحماية للفصائل وليس العكس. 

لقد كان وقف إطلاق النار الذي يشكل ضرورة ملحة لحماية المدنيين يحمل في طياته جانبا آخر يتعلق بتغيير جذري لنهج الفصائل ولأهدافها وشعاراتها وهو ما سنفصله في وقت لاحق. 

ثانيا: مدلول التباين في قراءة وقف إطلاق النار
تم الإعلان عن وقف إطلاق النار في سورية يوم 29122016 على أن يدخل حيز التنفيذ في اليوم التالي، وهو الامر الذي تم الالتزام به حيث بدأ سريان وقف إطلاق النار يوم 30 من شهر كانون أول الماضي، ورغم احترام وقف إطلاق النار من قبل الأطراف بشكل عام مع وجود انتهاكات كبيرة من قبل النظام في ريف دمشق ومحافظة درعا على وجه الخصوص إلا أن الغريب في الأمر أن الأطراف الضامنة أو المنخرطة في وقف إطلاق النار لا تملك تصورا أو وثيقة مشتركة لوقف إطلاق النار، وهو حالة فريدة من نوعها على مستوى اتفاقيات وقف إطلاق النار التي رأيناها في أكثر من مكان، واحتفظ كل طرف بتصوره الخاص لواقعة واحدة هي وجود وقف إطلاق نار وذلك وفق التفصيل التالي: 

1-روسيا: في البيان المرسل من قبل المندوب الروسي إلى مجلس الأمن بتاريخ 29122016 والمحفوظ لدى مجلس الأمن تحت الوثيقة رقم s20161133 ، يقول البيان الروسي:

" سعيا إلى تهيئة الظروف اللازمة لإقامة حوار سياسي مباشر بين جميع الأطراف المتنازعة في الجمهورية العربية السورية، والحد من العنف، ومنع سقوط ضحايا في صفوف المدنيين، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، يقترح الاتحاد الروسي على ضوء أحكام قرار مجلس الأمن 2254(2015)، إرساء نظام لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية (باستثناء مناطق العمليات القتالية ضد الجماعتين الإرهابيتين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة ) اعتبارا من الساعة الصفر من يوم 30 كانون أول ديسمبر 2016 (بتوقيت دمشق). 

فإن كافة الجماعات المسلحة للأطراف المتقابلة والقوات التي تدعمها مدعوة اعتبارا من التوقيت المشار إليه أعلاه إلى التعهد بالالتزامات التالية...." 

ويحدد الإعلان الروسي التزامات وقف إطلاق النار بالنقاط التالية: وقف الهجمات مهما كانت الأسلحة التي تستخدم فيها، بما في ذلك الصواريخ وقذائف الهاون والقذائف الموجهة المضادة للدبابات ووقف استخدام القوات الجوية القتالية –الكف عن الاستيلاء على الأراضي أو السعي إلى الاستيلاء على الأراضي التي يسيطر عليها الأطراف الأخرى في وقف إطلاق النار –استخدام قوة الرد بشكل متناسب (بحيث لا يكون ذلك إلا بالقدر اللازم للحماية من تهديد مباشر) ولأغراض الدفاع عن النفس. 


بعد قراءة النص السابق يمكن استنتاج الملاحظات التالية: 
-إن الهدف الروسي من وقف إطلاق النار هو تهيئة الظروف المناسبة لإقامة حوار سياسي مباشر بين الأطراف المتنازعة في سورية. 
-إن وقف إطلاق النار هو إعلان اقترحته روسيا وطالبت الأطراف المتنازعة بالالتزام به، وبالتالي روسيا لا تتحدث عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف بل مجرد إعلان صدر عن روسيا والتزمت الأطراف به. 
-تحدد روسيا شروط وقف إطلاق وذلك وفق ما ذكرناه سابقا. 
هذه القراءة الروسية لوقف إطلاق النار تتباين مع القراءة التركية لوقف إطلاق النار على ما سنراه بتحليل الرسالة التركية لمجلس الأمن. 
2-تركيا: يقول البيان التركي المرسل إلى مجلس الأمن بتاريخ 29122016 والمحفوظ تحت رقم الوثيقة s20161133  ما يلي: 
"ونتيجة للجهود التي بذلناها، توصلت الأطراف المتحاربة في سورية إلى تفاهم بشأن وقف إطلاق النار على صعيد البلد برمته يدخل حيز النفاذ في تمام الساعة الصفر من يوم 30 كانون الأول ديسمبر 2016 ونحن نرحب بهذا الاتفاق، وتركيا والاتحاد الروسي تدعمان هذا التفاهم باعتبارهما الدولتين الضامنتين ..." 

ويضيف البيان التركي: "تلتزم الأطراف بموجب هذا التفاهم بوقف جميع الهجمات المسلحة بما في ذلك الهجمات الجوية وبالكف عن توسيع مساحات الأراضي التي تسيطر عليها بعضها على حساب بعض". 
ويضيف البيان التركي في معرض حديثه عن التزامات الطرفين وتعهداتهم "باحترام وقف إطلاق النار من أجل تحقيق انتقال سياسي حقيقي على أساس بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254 (2015)، هناك أمل في ان يجتمع النظام والمعارضة في وقت قريب في أستانا بحضور البلدين الضامنين لاتخاذ خطوات ملموسة نحو إحياء العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة وستواصل تركيا دون توقف بذل جهودها لبلوغ هذه الغاية " 


بقراءة البيان التركي يمكن أن نلاحظ النتائج التالية: 
-البيان التركي يتحدث عن تفاهم بين الأطراف المتحاربة "النظام والمعارضة" تم التوصل إليه ويقضي بوقف إطلاق النار. 
-البيان التركي يتحدث عن أن روسيا وتركيا تدعمان هذا التفاهم باعتبارهما الدولتين الضامنتين. 
-البيان التركي يحدد أن الهدف من هذا التفاهم تحقيق انتقال سياسي على أساس بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2254. 
-البيان التركي يعتبر وقف إطلاق النار خطوة أولى لاجتماع المعارضة والنظام في الآستانا لإحياء العملية السياسية بحضور الدولتين الضامنتين. 

بعد مقارنة النصين التركي والروسي يمكن تحديد التباينات التالية: 
-روسيا لا تتحدث عن وجود تفاهم بين الأطراف لوقف إطلاق النار، بل عن إعلان روسي طالبت الطرفين بالالتزام به، بينما تركيا تقول إن هناك تفاهما بين الأطراف على وقف إطلاق النار. 
-البيان الروسي يخلو من أي ذكر لتركيا وهو لا يتحدث عن تفاهم لوقف إطلاق النار تضمنه الدولتان، بينما البيان التركي يتحدث عن روسيا باعتبارها الدولة الضامنة الثانية. 
-البيان الروسي يخلو تماما من ذكر الآستانا ويعتبر الهدف من عملية وقف إطلاق النار هو إقامة حوار سوري بين جميع الأطراف المتنازعة في سورية من دون تحديد مكان هذا الحوار أو توقيته، بينما البيان التركي يحدد أن الهدف هو الاجتماع المباشر بين النظام والمعارضة في الآستانا لإحياء العملية السياسية. 
-البيان الروسي يخلو تماما من ذكر بيان جنيف أو عملية الانتقال السياسي ويكتفي بالإشارة لوقف إطلاق النار باعتباره تم استنادا للقرار 2254، بينما البيان التركي يذكر بيان جنيف والقرار 2254 ويتحدث عن عملية انتقال سياسي بالاستناد إليهما. 

هذه التباينات الكبيرة تضعنا أمام مأزق حقيقي في محاولة تحديد هل هناك اتفاق لوقف إطلاق النار أم لا، وهل ما حدث هو مجرد إعلان قدمته روسيا وطالبت الأطراف بالالتزام به وبالتالي نحن أمام عملية تمسك بها روسيا بكل تفاصيلها وتحدد شروطها، هذه الحقيقة نجد صداها في الوثيقتين الموقعتين من النظام والمعارضة لأن هاتين الوثيقتين هما فقط من يحدد التزامات الطرفين المتقابلة والتي وافق الطرفان على الامتثال لها، في هاتين الوثيقتين لا يوجد أي حديث عن وقف إطلاق النار إلا بشكل عابر باعتباره إعلانا لوقف إطلاق النار أعلنه النظام وأيدته الفصائل المسلحة، أما باقي الوثيقتين فهما تتحدثان عن تشكيل وفود للبدء بعمل مشترك من أجل التوصل لخارطة حل سياسي. 

هذه الحقائق تدفعنا للسؤال الكبير، لماذا كانت الآستانا، وما الهدف منها، وما هي النتائج المتربة عليها، هذه الأسئلة يمكن أن نجد إجابات لها في البيان الختامي الصادر عن اجتماع آستانا. 

ثالثا: الآستانا الخديعة الكبرى: 
إن الوثيقة الأساسية الموقعة من قبل روسيا وتركيا والتي يمكن اعتبارها اتفاقا جاءت تحت عنوان " اتفاق آلية تسجيل انتهاكات نظام وقف إطلاق النار الذي أعلن في سورية ويدخل حيز النفاذ في 30 كانون الأول ديسمبر 2016 وبشأن نظام تطبيق الجزاءات على المنتهكين " هذه الوثيقة تم إرسالها إلى مجلس الأمن واطلع عليها مجلس الأمن بحسب ما جاء في القرار 2336. 

في هذه الوثيقة ورد ما يلي: "إن الاتحاد الروسي وجمهورية تركيا باعتبارهما الدولتين الضامنتين (كل في الجزء المعين له) لوقف إطلاق النار في سورية الذي يدخل حيز النفاذ في 30 كانون أول 2016 وإذ يأخذان في الاعتبار أن جماعات المعارضة المسلحة السورية (المشار إيلها فيما يلي باسم المعارضة) والحكومة السورية توافقان على صياغة واعتماد وثيقة منفصلة بشأن اتفاق آلية تسجيل انتهاكات نظام وقف إطلاق النار الذي أعلن في سورية ...... " 

هذه الوثيقة تتحدث بوضوح عن دولتين ضامنتين لإعلان وقف إطلاق النار وهما تركيا وروسيا وأيضا تتحدث عن موافقة النظام والفصائل المسلحة على صياغة وثيقة منفصلة بشأن آلية تسجيل انتهاكات وقف إطلاق النار ... 

وعلى هذا الأساس تم تبرير حضور الفصائل المسلحة لمؤتمر آستانا بتصوير أن الهدف من هذا الاجتماع هو مجرد بحث آليات تثبيت وقف إطلاق النار أي عمليا صياغة الوثيقة التي تحدث عنها الاتفاق الروسي التركي السالف الذكر.

لكن الحقيقة للأسف تدل على أن ما أسفر عنه مؤتمر آستانا يختلف وبشكل جوهري عن الأهداف المعلنة بحيث يمكن القول بأن الفصائل التي ذهبت وقعت في خديعة كبرى ناتجة عن تفكير رغبوي لديها وعن نوع من وهم الذات بأنها قادرة على الدخول بلعبة سياسية لا تجيد أدواتها ، وبغض النظر عن النوايا الطيبة للذاهبين إلى الآستانا ونبل أهدافهم إلا أنه يجب الاعتراف بأن قلة الخبرة السياسية والقانونية لديهم فضلا عن غياب التحضير الجيد للاستانا وعدم وضوح الرؤية لديهم أدى إلى وقوع الوفد الذاهب في الفخ الذي نصبته الديبلوماسية الروسية بعناية. 

فمؤتمر آستانا لم يسفر عن أي اتفاق أو وثيقة تتحدث عن وقف إطلاق النار أو تحدد آلية لمراقبة وقف إطلاق النار ورصد الانتهاكات وتحديد الجزاءات، ومشروع الاتفاق الذي قدمه وفد الفصائل لم يناقش ولم يحظ بموافقة الطرف الآخر حتى يتحول إلى اتفاق بين طرفين وبالتالي لم يتحقق أي شيء من مؤتمر آستانا على صعيد وقف إطلاق النار أو تثبيته أو تحديد آليات مراقبته. 


لقد أسفر هذا الاجتماع عن ثلاث نتائج أساسية هي: 
-تحول إيران من دولة معتدية على سورية عبر إرسالها للمليشيات الطائفية لقتال السوريين إلى دولة راعية للحل السياسي وضامنة لوقف إطلاق النار حيث أكد البيان الختامي على أن الدول الثلاث قررت إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة وضمان الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار. 

-تغير مسار الحل في سورية من عملية انتقال سياسي وفق بيان جنيف والقرار 2254 إلى عملية حوار سياسي بين السوريين يتمحور حول وضع دستور جديد للبلاد بعد وقف العنف وهذا هو مسار الآستانا. 
-خلق ممثل جديد للمعارضة السورية تحت اسم الوفد العسكري للمعارضة. 

-دخول إيران كجزء من التحالف الدولي في محاربة الإرهاب جنبا إلى جنب مع الفصائل المسلحة التي حضرت الآستانا حيث نص البيان الختامي على " تعيد الوفود تأكيد إصرار الجميع على القتال ضد تنظيم داعش والنصرة " وهذا يعطي الغطاء الشرعي لوجود الميليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله في سورية ويسمح لإيران لاحقا بزيادة أعداد قواتها لتزيد مساهمتها بمحاربة داعش والنصرة. 

لقد كان واضحا للجميع الهدف الروسي من عقد مؤتمر آستانا وهو تحويل مجرى الصراع في سورية من ثورة شعبية على نظام حكم وحرب بين معارضة تسعى لتغيير الواقع السياسي إلى مجرد نزاع أهلي يتعلق بشكل الدولة السورية ولذلك كانت كل نقاشات الروس مع وفد الفصائل تتعلق بوضع دستور جديد للبلاد قدم الروس مشروعا له لوفد الفصائل وأيضا عملية التعاون في محاربة الإرهاب، ويمكن أن نتلمس هذه النتائج في البيان الختامي الذي صدر عن اجتماع آستانا والذي حدد ما يشبه خارطة طريق للعملية السياسية الجديدة بعد تغيير أحد أطرافها وهو المعارضة. 

رابعا: آثار مؤتمر آستانا على العملية السياسية: 
في قراءة البيان الختامي لاجتماع الآستانا يمكن التركيز على النقاط الجوهرية التي ذكرها البيان والتي تعتبر هي الهدف الرئيس من وراء عقد هذا الاجتماع هذه النقاط يمكن إجمالها بما يلي: 

1-تثبيت فكرة أن سورية دولة متعددة الإثنيات متعددة الأديان، على المستوى القانوني هناك فارق كبير بين دولة ينتمي شعبها إلى أعراق وديانات مختلفة وهذا طبيعي وموجود في كل دول العالم تقريبا وبين دولة يتم تعريفها بأنها متعددة الإثنيات والأديان لأن هذا التعريف الأخير سيقود إلى تثبيت حقوق هذه الإثنيات باعتبارها تشكيلات مجتمعية متمايزة وهذا يعني إنتاج دولة تعيش ضمن مفهوم تعايش هذه الإثنيات مع بعضها على قواعد تحديد حصص ونفوذ ومساهمة كل مجموعة إثنية أو دينية بالفعل السياسي وهذا تأسيس أولي لفرض موضوع الفيدرالية في حال اتفقت هذه الإثنيات والأديان على التعايش أو الذهاب إلى التقسيم في حال تعذر اتفاقها، هذا معطى أولي ينتج عن اعتبار الدولة السورية متعددة الإثنيات والأديان، وللأسف تمرير هذا الأمر في البيان الختامي من دون اعتراض الفصائل أو تحفظها على هذه الفقرة يعني رضاها بهذا التوصيف الجديد لسورية، وهو أمر غريب ويدل على قلة خبرة وعن غياب الدعم القانوني الحقيقي لهذه الفصائل بسبب ضعف المستشارين القانونيين الذين رافقوا الوفد وعدم تخصصهم في هذه المجالات القانونية المحددة فضلا عن حالة الفوضى التي سادت في أوساط الوفد. 
2-اعتبار مسار الآستانا أنه منصة فعالة لحوار مباشر بين الحكومة والمعارضة وفق متطلبات القرار 2254 لعام 2015 وهو القرار الذي تتم العملية السياسية في جنيف استنادا له. 
للأسف هذه النقطة الجوهرية لم ينتبه لها وفد الفصائل ولا المستشارين المرافقين له وهي بسبب خطورتها سنشرحها بالتفصيل لبيان آثارها القانونية على مجمل العملية السياسية. 


خامسا: المعنى القانوني لاعتبار اجتماع الآستانا جاء وفقا لمتطلبات القرار 2254:     
الإطار القانوني الناظم للعملية السياسية في سورية هما القراران 2118 لعام 2013 والذي تبنى بيان جنيف بالكامل وأعطاه القوة القانونية والقرار 2254 لعام 2015. 

نقطة الإشكال الرئيسة في بيان جنيف هي في الفقرة 9 منها والتي تحدثت عن إنشاء هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية ويتم تشكيلها بالتوافق بين النظام والمعارضة، النقطة الإشكالية هنا أننا إزاء عملية يفترض أن تتم بين طرفين أحدهما طرف محدد ومعرف بالذات وهو النظام "الحكومة حسب تعريف الوثيقة" والطرف الثاني معرف بالصفة وليس بالذات وهو المعارضة، هذه الإشكالية في بيان جنيف سمحت للنظام ولروسيا بالتملص عمليا من تنفيذ بيان جنيف تحت مسمى من هم الأشخاص أو الكيانات التي تمثل المعارضة الطرف الثاني الذي سيتم تشكيل هيئة الحكم الانتقالي معه، وهذا الأمر أدى لتعدد منصات المعارضة من ناحية وأدى إلى تنازع بين هذه المنصات حول التمثيل. 

في عام 2013 صدر قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 26267 وفي المادة 26 من هذا القرار اعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الائتلاف الوطني هو الشريك اللازم والضروري للبدء بالعملية السياسية أي تنفيذ بيان جنيف، وعلى هذا الأساس قام الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون بتوجيه الدعوة للائتلاف الوطني بتاريخ 612014 وجاء في هذه الدعوة الموجهة لرئيس الائتلاف الوطني ما يلي : " ومن دواعي سروري أن أدعو وفدا يمثل المعارضة السورية للمشاركة في هذا المؤتمر " وبناء على هذا تم تثبيت فكرة أن الائتلاف الوطني هو الذي يمثل المعارضة وبالتالي تنصرف كلمة المعارضة الواردة في بيان جنيف إليه حصرا . 

بعد فشل عملية جنيف 2014 صدر القرار 2254 لعام 2015 وطبقا لنظرية " الأثر القانوني التراكمي المشترك " للقرارات الدولية في القانون الدولي ،  فإن القرار رقم 2254 يعتبر معدلا لبيان جنيف في كثير من النقاط ، لكن ما يهم في هذا المقام هو نقطة البداية لمسار الحل ، ولعل أهم فارق بين بيان جنيف وبين ما نص عليه هذا القرار " مسار فيينا " هو هذه النقطة بالضبط ، فبيان جنيف يفترض أن نقطة البداية في مسار الحل السياسي هو إنشاء هيئة الحكم الانتقالي كاملة السلطات التنفيذية ، بينما يرى القرار 2254 أن نقطة البداية هو في إنشاء حكم ذو مصداقية وشامل ولا يقوم على الطائفية ، إن الفارق بين الحالتين كبير جدا ومؤثر على مستوى جوهر العملية السياسية ، فمن وجهة نظر بيان جنيف كانت العملية السياسية تقوم بين النظام والمعارضة ويتم تشكيل هيئة الحكم بالموافقة المتبادلة. 

بينما نرى في "مسار فيينا" أن إنشاء الحكم ذي المصداقية لا يتم بالموافقة المتبادلة بين النظام والمعارضة بل يتم من خلال عملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة، وهذا يعني في الفهم القانوني والسياسي عملية حوار سياسي سوري سوري تؤدي في وقت لاحق إلى الاتفاق على آليات لعملية انتقال سياسي للسلطة " أي دستور جديد وقانون انتخابات يمكن من الاستفتاء على الدستور وإقامة انتخابات نيابية ورئاسية لاحقة".

من هنا كانت أهمية وجود الهيئة العليا للمفاوضات باعتبارها الطرف الذي يمثل المعارضة للدخول في مفاوضات حول عملية الانتقال السياسي كما حددها القرار 2254، ولقد استطاعت الهيئة تجاوز كل المحاولات التي بذلها المبعوث الدولي وروسيا الاتحادية في تمييع تمثيل المعارضة عبر الحديث عن منصات أخرى ودعوتها إلى جنيف 2016. 

ومن هنا يمكن أن نفسر ذلك الإصرار الروسي في وثائق أنقرة بوصف وفد الفصائل بأنه "المعارضة" من دون إضافة أي وصف آخر. 

والعبارة التي وردت في البيان الختامي والتي تقول "دعم الرغبة التي تبديها المجموعات المسلحة للمشاركة في الجولة التالية من المحادثات التي ستعقد بين الحكومة والمعارضة برعاية الأمم المتحدة في جنيف في 8 فبراير شباط 6017 تعني عمليا نسف كل الجهود التي بذلتها الهيئة العليا للمفاوضات خلال عام كامل لتثبيت فكرة أساسية أن عملية الانتقال السياسي تتم بين الهيئة العليا باعتبارها الممثل للمعارضة وبين النظام، إن تحديد الطرف الذي يمثل المعارضة ليست مسألة إجرائية وإنما مسألة موضوعية تترك أثرها على مخرجات الحل وشكله. 

فالثوابت التي تمسكت بها الهيئة استنادا لبيان الرياض الموقع بين الأطراف المشاركة في الهيئة يجعل من الصعب على الأطراف الدولية تغيير مسار الصراع وشكل الحل المنشود في سورية ولذلك قام المبعوث الدولي بدعوة منصات المعارضة الأخرى "القاهرة -موسكو- حميميم" بصفتهم مستشارين له وليسوا مفاوضين على الرغم من مطالبة روسيا المستمرة باعتبار أن هؤلاء جميعا يمثلون المعارضة لكن الديبلوماسية الروسية لم تستطع خلال عام 2016 تحقيق اختراق في هذا المجال. 

وللأسف النتيجة التي تحققت من مؤتمر الآستانا والمتمثلة بخلق منصة جديدة ودعوتها للمشاركة في المفاوضات في جنيف يعتبر اختراقا مهما للديبلوماسية الروسية يحقق لها ما عجزت عن تحقيقه في العام الماضي، ولذلك سيكون اجتماع جنيف القادم مختلفا عن الاجتماعات السابقة في حال قررت فصائل الآستانا الذهاب لأننا سنكون أمام جهتين مفاوضتين يمثلان المعارضة هما الهيئة العليا والوفد العسكري وهذا يعني عمليا نهاية شرعية تمثيل الهيئة العليا للمعارضة في مفاوضات الحل السياسي وتحول الحل في سورية إلى عملية حوار سياسي على وضع دستور جديد للبلاد يحدد شكل الدولة بدلا من عملية انتقال سياسي يتم الحفاظ فيه على الدولة السورية كمفهوم قانوني.  

سادسا: الرؤية الروسية للحل ومدى استعداد الفصائل للانخراط به: 
تنطلق الرؤية الروسية للحل في سورية من افتراضين الأول هو أن المشكلة الحقيقية في سورية هي مشكلة التنظيمات الإرهابية، والافتراض الثاني هو أن ما يحدث في سورية عبارة عن حرب أهلية بين مكونات مجتمعية عرقية ودينية. 

بالنسبة للافتراض الأول ترى روسيا أن الحل يكمن في تعاون جميع الأطراف "النظام والمعارضة" في محاربة الإرهاب أما بالنسبة للافتراض الثاني فإنها ترى أن الحل للخروج من الحرب الأهلية يكمن في تشكيل مجلس شيوخ "مماثل للويا جيرغا الأفغانية"، ويكون مجلس الشيوخ ممثلا للأعراق والأديان والطوائف، ويقوم هذا المجلس بوضع دستور جديد للبلاد يتم تبنيه عبر قرار من مجلس الأمن ويعقبه انتخابات تشريعية ورئاسية. 

ولذلك حرصت روسيا على تسليم وفد الفصائل نسخة من مشروع الدستور الذي أعدته لسوريا في العام الماضي وكانت تأمل أن يتم تبنيه عبر مجلس الأمن في شهر أيلول الماضي، وللأسف قبول الفصائل باستلام نسخة المشروع الروسي للدستور بغض النظر عن مناقشته أم لا يعتبر كسرا للحاجز النفسي وتغييرا لقواعد اللعبة، فالنقاش الأساسي في جنيف القادم سيكون موضوع الدستور وهو ما يعني نهاية كاملة لمفهوم الصراع في سورية القائم على أساس الثورة الشعبية أو على أساس رفض نظام الحكم والتحول لمفهوم جديد قائم على إعادة تشكيل الدولة السورية نفسها وبحث عملية اتفاق جديدة بين السوريين تحقق اجتماعهم السياسي شكلا ومضمونا. 

لقد كان جنيف1 عملية انتقال سياسي من نظام حكم إلى نظام آخر مع ثبات مفهوم الدولة وإطارها القانوني بينما كانت عملية آستانا هي انتقال من دولة إلى دولة أخرى، إنه العبور للدولة الجديدة التي لا نعرف ملامحها ولا حدودها ولا شكلها حتى اللحظة ولكنه هذه المرة محمولا على أكتاف الفصائل وليس على أكتاف المعارضين الذين خلقتهم موسكو في السابق.

قدمها باحث سياسي طلب عدم ذكر اسمه - زمان الوصل - خاص
(214)    هل أعجبتك المقالة (207)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي