على مدى الأشهر الماضية لم تكن تثيرني الفضائح المتداولة حول الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، ولكن بما أن العميد مصطفى الشيخ أظهر من موسكو تحولا كبيرا في موقفه من الثورة ومن الاحتلال الروسي لبلده، فهو أحد احتمالين، إما أنه يقول هذا الكلام تحت تأثير جرعة زائدة من الفودكا، أو أن الروس صوروا له فيلما إباحيا على غرار ترامب، وهم الآن يبتزونه به.. !! وعلى هذه السحبة، فإننا قد نفقد الكثير من المعارضين المتواجدين حاليا في موسكو، وإلى أن يحين موعد مؤتمر الأستانة في 23 الجاري .. !!
يبدو جليا أن موسكو تسابق الزمن على رسم خريطة للحل في سوريا، قبل تولي ترامب لمهامه يوم الجمعة القادم، والاحتكاك المباشر بالملفات الساخنة ذات الخلاف بين البلدين، والتي قد لا تكون سوريا أبرزها أو حتى إحداها.. ! إلا أن روسيا تدرك أن المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، واقعة لا محالة، رغم كل ما يشاع عن وجود علاقة طيبة بين ترامب وبوتين، غير أن ترامب الذي أعلن مؤخرا أنه لن يقوم مباشرة بإلغاء العقوبات الأمريكية على موسكو، والتي فرضها سلفه أوباما، وضع موسكو من جديد في حالة من عدم التيقن بما سيكون عليه موقف الإدارة الأمريكية الجديدة حيالها .. لذلك تجد روسيا نفسها مضطرة للتخلص من الملف السوري وأعبائه بأسرع ما يمكن وتثبيت أقدامها داخل سوريا، وكأنها تطرح نفسها كبديل عن الولايات المتحدة كـ "حام" لأمن إسرائيل في المنطقة.
كان لافتا في حديث العميد مصطفى الشيخ من موسكو، التي فتحت له البث لأكثر من ساعة ليقول ما يريد، اتهامه لأمريكا وتركيا بأنهما هما من أدخلا الإرهابيين إلى سوريا، فيما بدا هذا الكلام ردا على تصريحات ترامب الأخيرة التي طالب بها الروس بالانضمام للتحالف الذي تقوده أمريكا لمحاربة تنظيم الدولة في العراق وسوريا، كشرط لتحسين العلاقات بين البلدين .. ولعل الشيخ في هذا التصريح كاد أن يقول إنه يخبئ الكثير من المعلومات عن هذا الملف والتي أصبحت الآن بحوزة روسيا بدون شك ..!!
موسكو كأنها تصدق أنها ذات تأثير خاص في المشهد الأمريكي الجديد الذي أدى لانتخاب ترامب رئيسا، وتستبعد الاحتمال الآخر بأن أمريكا هي من سمحت لها لعب هذا الدور "الإعلامي"، وذلك من أجل تبرير انتخاب الشعبوي والهمجي ترامب، وبالتالي إخلاء المسؤولية عن كل ما سيصدر عنه من سلوكيات مدمرة في المرحلة القادمة وتحميلها للروس ... !! لذلك فإن روسيا تحاول الاستثمار في هذا الموضوع، بكل ما يقع تحت يديها، حتى لو كان العميد مصطفى الشيخ الذي لا يمثل أي شيء اليوم.
يجب أن لا ننسى أن ترامب لايزال خارج الحلبة، وفي مشهد له يتم تدواله في إحدى حلبات المصارعة، يقوم (أي ترامب) بالهجوم على منافسه كالثور الهائج ويحطمه بضربة واحدة، وهي مشهدية رمزية تشير إلى ما سيكون عليه عهد الإدراة الأمريكية الجديدة.
كل ذلك يقودنا إلى استنتاج بأن روسيا، كما أوروبا، متخوفة من مرحلة الرئيس الأمريكي ترامب.
ويكفي أن نطلع على الصحف البريطانية الصادرة أمس الأحد، لنعرف أن الدولة الأقرب لأمريكا ترى بأن يوم 20 يناير/كانون الثاني وهو موعد تسلم ترامب لمهامه في البيت الأبيض، بأنه لحظة قلق وفزع ونذير شؤم، بحسب افتتاحية صحيفة "أوبزرفر" الشهيرة.
أما صحيفة "صنداي تايمز" فقد رأت في افتتاحيتها أن ترامب أظهر قبل تسلمه للسلطة أنه سيكون رئيسا غير عادي ... وذلك بالاستناد إلى تغريدته البسيطة التي أدت في لحظات إلى تحولات في أسواق المال لصالح أمريكا، بالإضافة إلى مؤتمره الصحفي الأخير والذي قلل فيه بأن يكون لروسيا دور استخباراتي في انتخابه..
أما روسيا، فلا يزال عدم التعليق، هو استراتيجيتها في التعامل مع الإدارة الأمريكية، بعدما قام باراك أوباما بطرد الدبلوماسيين الروس، فهي تنتظر ترامب شخصيا وهو داخل البيت الأبيض أن يقول ما هي شكل العلاقة التي يخطط لها مع موسكو ... لكنها بنفس الوقت تجد أن هناك متسعا كبيرا من الوقت إلى أن يستطيع الرئيس الجديد امتلاك زمام الأمور في البيت الأبيض، وهو ما يعطيها فرصة أكبر لأن تنفرد بالساحة لوحدها وتحاول أن تمتلك الكثير من الأوراق ونقاط القوة عندما تحين المواجهة الفعلية مع ترامب، وهي مواجهة تخشاها موسكو وتتحضر لها، لأنها تعلم أن ما قامت به استخباراتيا في الفترة السابقة، سوف يكون رد الإدراة الأمريكية عليه اقتصاديا بحتا، وهنا مقتل الروس الفعلي.
لهذا صار بدها ترامب ... !!
* من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية