منذ لغة النبي الكريم "لغة محمد" الذي مُنع بدمشق وكفره البعض على إثره، ومن ثم روايته "يوميات يهودي بدمشق" و"ابراهيم الجبين" يبحث عن الاختلاف والطرح الخاص، وكأنه يعلن ثورته عبر قلم وبوح، على كل ما هو مسكوت عنه.
واليوم، يرمى بوجه صمتنا وتقنّعنا بالدبلوماسية الزائفة والزائدة، روايته الثانية "عين الشرق" ليتابع بمسيرته ساعياً لقول ما لا يقال.
"زمان الوصل" التقت الروائي "ابراهيم الجبين"، علنا نكشف ما لم يقله علانية بروايته، ونعرف ما ناله إثرها من اتهامات قال على هامش الحوار، إنها وصلت لاتهامه بالتطرف و"العرعورية".

* قلما يستطيع الروائي الابتعاد عن شخوصه، لكننا لم نرَ ابراهيم الجبين في "عين الشرق"، هل تعمدت اللعب من وراء شخوصك أم قصدت التوثيق والحياد؟
** أعتقد أنك تقصد قصدية إظهار الراوي، قليل التدخل في الحدث. هذا صحيح. لكن هذا لا يعني احتجاباً، بل هو إفساح لأكبر قدر من المساحة للشخصيات كي تتصرف هي، وتظهر للقارئ طبائعها وميولها وأمزجتها ويومياتها. تتحرك وسط الوثائق. وتقرّب الواقع لوعي الناس. ربما يكون الحياد خياراً. لكنه ليس حياداً فكرياً بل ملامسة للحدث، دون توجيه وسلطة.
* رواية في زمن الأخبار السريعة والتبدلات الكارثية اللحظية!، هل تتوقع أن هناك جمهوراً وقارئاً للرواية الآن، وبخاصة لكما أنت و"عين الشرق" التي تؤرخ الفعل وربما النوايا والثارات، من خلال شخوص من مناطق سورية وتكوينات سورية؟
** بصراحة، أتوقع، وقد برهن السوريون على ذلك من خلال أقل من شهر مرّ على خبر صدور روايتي "عين الشرق" باستقبالهم لها استقبالاً مذهلاً. لا يدل فقط على وجود قارئ للرواية. بل يدل أكثر على تقصير الكتاب مع هذا القارئ، وعدم احترامهم لوجوده، وتصوراتهم المسبقة عنه، بأنه جاهل وأنه استهلاكي وأنه لا يثيره سوى الجنس والرياضة والأزياء وفي أحسن الأحوال الأخبار. بصدق أشعر بسعادة غامرة لوجود هذا الكم من القراء السوريين الآن. وهذا يعني أن رهاني على المجتمع السوري لم يخب. لأنه هو النبع الحقيقي للهوية المتميزة والثقافة الرفيعة التي نعتز بها عادة. هذا منجزه وليس منجزنا نحن الكتاب والمثقفين.
* هل ثمة ترميز أو تنبؤ يختبئ خلف تسمية روايتك التي تتناول السوريين بمعظم مكوناتهم بـ"عين الشرق"؟ وكأنك تريد أن تقول من يريد دراسة الشرق فليأت للعين، أو ما يجري بدمشق اليوم هو اختزال لما يحدث أو تنبؤ ربما سيطاول الشرق؟
** ليس سراً أن دمشق، عين الشرق الدامية الآن، والتي تواجه المخرز وحدها، دون أن يتدخل العالم لمنعه من جرحها كل يوم، كانت وستبقى صاحبة التأثير الأكبر والأوسع على كل ما حولها من حواضر ومجتمعات. لم يسبق أن حدث أي تطور في المشرق العربي دون أن تكون بدايته من دمشق. ولم يسبق أن تم احتلال المشرق دون أن تكون دمشق أول أهداف المحتل. لكن العرب لا يدركون هذا اليوم، ومعهم شعوب الشرق الأخرى، فيتركون الشعب السوري يواجه وحده ما كان يجب أن يتلقوه هم في صدورهم من رصاص. أظن أنه من الصعب على كثيرين استيعاب أن التغيير الحضاري تصنعه فقط دمشق، لأن مكانتها التاريخية والمعرفية الكبرى تسمح لها بهذا. بينما تعجز عواصم أخرى عن القيام بهذا الدور. لذلك ترى الشلل الآن والقصور عن حسم المعركة في بؤر المشرق المشتعلة. لكنها ستتمكن من تخليص ذاتها بذاتها، ولن تبقى تنتظر إلى الأبد. هي "عين الشرق" التي ترى كل شيء، تراقب الجميع في الشرق ولا تنسى شيئاً.
*أصدر سوريون دواوين شعرية وروايات وأفلاما قصيرة ووثائقية خلال الثورة، كيف رأيت تلك المنتجات؟ وهل الأفضل الكتابة أثناء الثورة رغم ما يقال عن احتمال الجنوح نحو التوثيق أكثر منه للأدب والإبداع؟
** سؤال هام. وأهميته لا تكمن فقط في شكله، بل فيما يتضمنه من تفكير في التقنيات. صحيح ما تقوله إن التوثيق أخذ يلعب دوراً مورطاً للكتاب، بعد أن شاهدوا مع الوقت أن أي مواطن يمكن أن يلعب دور الصحفي عبر جهاز بث فضائي وكاميرا موبايل. منذ تلك اللحظة تحول الجميع إلى موثقين، كاتبة تزور جمعية إغاثية في سوريا فتخرج من زيارتها تلك برواية. شاعرة تلتقي في طريقها بشباب عادوا من مظاهرة، فتكتب ديوان شاعر توثق فيه بطولاتها مع الثوار. لا بأس لا اعتراض. لكن هذا ليس ما أفكر فيه. بالنسبة إلى الأفلام القصيرة والوثائقية أمر آخر. هنا الصورة تصبح سيداً. وفي الصورة لا توجد ادعاءات. بينما مع اللغة والكتابة تضيع الحدود. ما أريد قوله إن المنتجات الثقافية في زمن الثورات لا تكون مجرد ملصقات نعوات أو نشرات إخبارية تعدد ما حدث وتذكر أسماء الشهداء وعدد المجازر. هذا ليس دور الأدب والفن برأيي في مثل هذه الظروف.
*ما هو دورهما إذاً برأيك؟
** دور الأدب والفن في ظروف الثورات هو خلق الأفكار وفتح أبواب التحليل وتحريك الوعي من جديد كل مرة، أي تثوير الوعي، لا استدرار الدموع ولا استعراض البطولات الفردية للكاتب. الأدب والثقافة والفن مفاتيح التغيير الحقيقية، لا يؤمن كثيرون بهذا. وخصوصاً السياسيين ورجال الأعمال والقادة العسكريين. لكن الحقيقة أن هؤلاء جميعاً بلا أعين ولا أدمغة من دون الأدب والفكر والفن. وما سينتج إذا ما غيب الأدب والثقافة والفن عن ساحات الثورة والمعارك، هو ما نراه الآن. طيور الظلام من كل شكل ولون وصنف وملة.
* بمعنى هل يمكن أن تجذب توثيقاتك الأقرب للسردية القارئ، وهو المتاح أمامه جميع وسائل التواصل والإعلام ويصل ببحث إلى أضعاف ما قلته في روايتك.
** نعم. وجداً. حين تتيح له فرصة المشاركة في التحليل. كثير ممن قرؤوا روايتي "عين الشرق" قالوا إنهم توقفوا قليلاً أثناء القراءة، وعادوا إلى مراجع وكتب ومصادر للتأكد من بعض التفاصيل. وأضافوا أن أسئلة كثيرة خطرت لهم وهم يتابعون جريان الحدث مع الكثير من المعلومات السياسية والتاريخية والثقافية المواكبة له عبر صفحات الرواية. هذه العملية رائعة وهي تشارك عظيم بين الكاتب والقارئ لا يقدر بثمن.
* لماذا رمزت لأسماء من مناطق ومهن محددة في حين صرحت عن غيرها؟ ولعل التركيز كان على منطقة أو طائفة من خلال "رموزها" الثقافية والإعلامية والسياسية، هل أردت أن تقول شيئاً أكثر مما قرأناه عن تلك "الطائفة".
** لماذا لا تكون صريحاً حتى أعرف كيف أجيبك بصراحة؟ أنت تقصد الطائفة العلوية. وتقصد بقولك "رموزها" كلاً من أدونيس وحافظ الأسد؟ هل هؤلاء برأيك رموز العلويين في سوريا؟ إن كان الأمر كذلك فهي مصيبة كبرى حلت عليهم. أولاً حلت على أدونيس باعتبار أنه تم اختصاره فقط كـ"رمز علوي" وهذا مضحك جداً وكاريكاتيري. ولكنه ليس بعيداً تماماً عن الواقع. أما الثاني، وهو حافظ الأسد، فحين تقول إنه "رمز علوي" فأنت تختصر العلويين كلهم في شخص مجرم مستبد. وهذا أيضاً تقزيم لهم ويجب عليهم رفضه، مع أنه أيضاً ليس بعيداً تماماً عن الواقع. أما قولك إني رمزت في هذا الجانب، فليس صحيحاً، لأني لم أتجنب الحديث المباشر والصريح عن إشكالات هذه الطائفة، كما عن رجال فيها جمعتني بهم مواقف وصداقات طويلة وعميقة ومستمرة. ربما كان الرقيب الذاتي في داخلك هو ما أشعرك بأن هناك ترميزاً ما حول حديث حساس كهذا.
* هل تحوطت توثيقياً وقضائيا على الأقل، فيما لو قاضاك من ذكرتهم بروايتك، من قبيل أدونيس وسنان مصمم ساحة العباسيين وسور التلفزيون و الملك تاجر السلاح والمخدرات راعي عبدالله أوجلان؟
**لا يوجد ما يمكن اعتباره افتراءً على هؤلاء. خاصة حين تكون أنت شاهداً على ما ترويه في كتابك. أي أنه ليس نقلاً عن فلان ولا قيلاً عن قال. هذه حوارات وحوادث مباشرة حدثت معي. وأتحمل مسؤوليتها كاملة وأعرف كيف أدافع عنها.
* مما تطرقت له، وبطريقة أقرب للتعاطف، الياهو كوهين ووثائق اليوسفي حوله، هل أنت متعاطف مع "جاسوس" أم تريد فضخ من آواه وتستر عليه من خلال طريقة وصياغة ولعبة أدبية؟
**صراحة. لا أخفيك أني متعاطف معه. كما أتعاطف مع كل ضحايانا من العرب المسلمين واليهود والمسيحيين الذين سقطوا ويسقطون في سبيل حروب الآخرين. وما عرفته من حياته وتفاصيل عمله ومغامرته والإيقاع به وتفاصيل محاكمته يجعلني أتعاطف معه أكثر. لكن دعنا نفكر هكذا، وبدءاً من كلام كثيرين من شخوص ذلك الزمن، وعلى رأسهم أكرم الحوراني والقاضي صلاح الضللي وغيرهما، السؤال: هل كان كوهين جاسوساً حقاً؟ وماهي تلك المعلومات الحساسة التي قدمها لجهاز المخابرات الذي يشغله أي الموساد؟ الكل أجمع على أنها معلومات تافهة للغاية، وهذا ما وجدته في أوراق الصديق المرحوم هائل اليوسفي.
وما بنيت أنا عليه لاحقاً، كانت لدى كوهين مهمتان أساسيتان ذكرتهما في الرواية. وحين أخفق في الأولى ونجح في الثانية، تم التخلص منه. لا لشيء، سوى لأنه يهودي عربي شرقي لا قيمة له عند الموساد الذي يديره اليهود البيض القادمون من آخر الدنيا للعيش بيننا.
*يرى البعض أن السياسة هي أساس ما يجري بشرقنا ودمشقنا اليوم، بل البعض ينسب للنكوصية الفارسية التي تجتاح العالم العربي على حوامل روحية شيعية، جل مشاكل وعذابات الشرق، لكنك في "عين دمشق" لم تسهب مباشرة بالحديث عن السياسة ودور أطراف الصراع على نحو مباشر؟
**حسب قناعاتي، السياسة هي ما تحدثنا عنه، هي الثقافة والحياة واليوميات والفكر والقاعدة العريضة من الشعب ومعها النخب الحريصة على أن تكون بالفعل ممثلة للناس لا خناجر في خواصرهم تغدر بهم في مراحل تاريخية خطيرة وحساسة. لكن ربما علينا، أنت وأنا، أن نسأل أنفسنا عن وظيفة الأدب. هل تتحمل رواية أو قصيدة أو فيلم سينمائي أو قطعة موسيقية كل هذا الثقل من المهمات؟ بالنسبة إلي أقول: نعم. لم لا؟ إذا كانت ثورة الشعب الفلسطيني كلها قد بدأت بمجلة ثقافية أدبية تطبع عدة مئات من النسخ بسبب عدم وجود التمويل. وتمكنت تلك الثورة لاحقاً من أن تحافظ على هوية ورمزية الكوفية الفلسطينية وعروبة الشعب الفلسطيني الذي لم يذب كما ذابت شعوب تحت الاحتلال، وبقي واستمر وتمكن من استرداد جزء من حقوقه، وهو ماضٍ نحو مستقبل له مكانه فيه شاء من شاء وأبى من أبى. هذا فعلته مجلة. فكيف بالمنتج الثقافي إن سار في سياق الثورة بالفعل؟
وإذا أنت مضيت أكثر في حوادث "عين الشرق" وحميميات شخصياتها، سترى السياسة حاضرة لدى الشخصيات الرئيسية، وحتى تلك التي يمكن أن نسميها بالكومبارس من بينها.
* ربما كنت في بعض صفحات روايتك حاكما وربما جائراً، فحمّلت النخب ربما ما لا تحتمل، وخاصة باتهامها بتهيئة مناخات متطرفة، إن لهنا أو لهناك، هل تعمدت ذلك أم تراه هفوة روائي انزلق قلمه للاتهامية وربما إطلاق الأحكام؟
** جيد. الفكرة أنني في الرواية لم أتهم أحداً، بل تركت الشخصيات تتحدث عن نفسها، دون أن أقول أنا عنها شيئاً، تصرفاتها وسلوكها هو ما يقول للقارئ إن كانت هكذا أو هكذا. لا نعرف. إذاً لا وجود لهفوة، بل هو نهج بالفعل، وهو من المفكر فيه مسبقاً، وهو قائم على موقف نقدي لا على تحامل، فعلى من يمكنك أن تتحامل هنا؟
على السجناء السياسيين السوريين الذي قدموا تضحياتهم الطويلة في المعتقلات؟ أكيد لا. على من؟ على الكتاب الذين يدعون أنهم ممثلو الشعب والثورة ويطوفون العالم بدعوات من المنظمات الدولية لشرح ما يعاني منه الشعب السوري أما الجمهور العالمي؟ نعم. هؤلاء لديهم وجهة نظر أخرى يا صديقي. لا يقولون عن الشعب ما يجب أن يقال. بل يروون للعالم الغربي بطولاتهم عن مواجهاتهم مع المجتمع السوري "الظلامي"، وليس مع الاستبداد. هذا لا يحتاج تحاملاً من أحد، مكشوف وواضح. وهي حالة لا تتوقف على النخب الثقافية بمعناها المباشر، بل أيضاً على من يسمون أنفسهم بالنخب السياسية. الكل يمارس هذا الترفع والتعالي على ملايين السوريين، ويتقاطع مع بشار الأسد في هذا الموقف، ويبرر له كل ما يفعل من إبادة. أليس هؤلاء هم ديوك الهولوكوست السوري التي تصيح يومياً فوق الجثث، وتمضي نهارها متباهية مدعية بأنها تمثل الضحية؟
ضربت مثلاً قبل يومين بصحفية سورية كتبت تقريراً لوكالة أنباء غربية، وكان من إدلب قبل سنوات، وقبل ظهور الفصائل الإسلامية، حينها قابلت بائع خضار إدلبي وسألته: هل تحلمون بعودة الخلافة وتطبيق الشريعة في سوريا؟ كان الرجل بسيطاً ولا علاقة له بكل هذه الأمور، فقط كان فرحاً بزوال حكم الأسد من منطقته. قال لها: نعم هذا أمر جيد. ليخرج التقرير مشيراً إلى أن الثوار السوريين يريدون تطبيق الشريعة ووووإلخ. هذا مثال على ما تفعله هذه النماذج التي هي في حقيقتها نخبوية، تنتمي إلى المثقفين، لا إلى بائعي الخضار. لكنها تصب نيرانها على بائعي الخضار البسطاء الشرفاء.
الأمر ذاته مع آخرين من مواقع أخرى، عملهم قائم على بيع المعلومات، عبر نشاطات مراكز أبحاث ودراسات ممولة، أصغر موقف من مواقفهم يعبر عن اتجاهها، ما هي الأبحاث التي يقدمها هؤلاء عن الشعب السوري لمموليهم الأجانب؟ هل تنصف الشعب أن تسمع الممول عزفاً يطربه؟ أليس هذا هو الدور الذي يفعله بشار الأسد وعصابته، ماذا يفعل؟ يقدم للروس صورة بشعة عن الشعب السوري، تبرر لهم إبادتهم بالطائرات والصواريخ.
* أتتوقع وأنت صاحب "عين الشرق"، أن تدفن ثورات الربيع في دمشق، نظرا للتضاد والصراع بين شخوص روايتك المنتمين على الأقل لجغرافيا واحدة، وكأنك تقول إن هذا ضمن مدينة، فما هو شكل الصراع بأقانيم وجغرافيا أكبر؟ وكأننا لم ننضج لنعيش الديمقراطية بعد؟
**على العكس تماماً. مدينة كدمشق هي ليست مجرد مدينة، وليس فقط سورية. هي المسرح الذي تجري عليه الأحداث الأولى دوماً، ومنه يبدأ التغيير كما أسلفنا. ومادامت طاقة التغيير قائمة في دمشق، فلن يتمكن أحد من دفن الربيع العربي. لا تنسَ أن ربيع العرب الأول كان قد بدأ من دمشق مع دولة معاوية، الدولة الأموية التي ازدهرت فيها المعارف والفنون والثقافات والتعددية وكان من بناتها دولة الأندلس وحضارة العرب فيها. ولا تنسَ أن ربيع العرب عاد من جديد حين أصبحت دمشق عاصمة لصلاح الدين الأيوبي. ثم عاد من جديد حين تحرك مثقفون من قلب دمشق بعد أن وضعوا ما عرف باسم "ميثاق دمشق" الذي طالب باستقلال العرب وحقهم في تقرير مصيرهم بداية القرن العشرين. ولا تنس أن مفاهيم كبيرة عاشت بها الشعوب العربية طيلة المئة سنة الماضية، كانت من إنتاج دمشق، ولا تنس "ربيع دمشق".. لا يمكن استثناء دمشق من أي لحظة تاريخية عاشها ويعيشها العرب والسوريون معهم.
* "يوميات يهودي من دمشق"، رواية الجبين الأولى، والآن اليهود ضمن شخوص روايتك "عين الشرق" رغم أنهم رحلوا من دمشق وربما لم يشاركوا ضمن إطار روايتك الزماني، بأفعال على الأرض أو دمشق، ...لماذا التركيز على اليهود؟
** لم ينته برأيي، موضوع يهود الشرق. فالحالة التي مروا بها، وما ترتب عليها لاحقاً، كانت هي المفجر الرئيس للكثير من تناقضات الفكر في المنطقة العربية. فهؤلاء عرب شرقيون عاشوا على أرضهم آلاف السنين، مؤثرين ومتأثرين، مشاركين في المجتمع والمكان والزمان. يقال لهم فجأة، أنتم لستم منا. اذهبوا إلى الأرض التي تدعون أنها أرض ميعادكم. وبدءاً من هذه اللحظة أنتم أعداء، فقط لأنكم يهود، ولأن الذي يحتل فلسطين يهودي. يمكنك تخيل التمزّق الهائل الذي عانته الهوية العربية والهوية الوطنية حينها، مع إعلان قيام إسرائيل في فلسطين. الأقوياء أتوا من البعيد. من أوروبا والعالم. والضعفاء جلبوهم قسراً وعنوة. وتم فرض مشاعر طائفية بالقوة على الطرفين. العرب المسلمين والمسيحيين من جهة، والعرب اليهود من جهة أخرى. وهذا الموضوع لم يتم إشباعه بحثاً وتحليلاً ونقاشاً بعد، كما أعتقد.
التجربة اليهودية أقرب التجارب العالم إلى تجربة الشعب السوري الذي شرد وقتل وعرض لمحرقة أكبر بكثير من محرقة اليهود النازية.."الهولوكوست السوري" هو العنوان. فكيف لا ننشئ مقاربة بين الحالتين؟
* اعتمد الجبين في "عين الشرق"، إثارة القارئ من خلال ما لم يقله عن سوريا، وربما عمن يعتبرون أبطال مراحل بها، فاستنطق في أحداث روايته حتى أزقة عاصمة الأمويين وحجارتها. هل تؤيد هكذا طرائق جذب عن الطرح الجمالي أو استثارة العواطف وحتى الغرائز بالرواية؟ أم أن خصوصية المحور الرئيس والخط الروائي تفرض أسلوب وربما أدوات الروائي؟
**أعتقد أن الخيارات كلها ممكنة. لكن هنا لا يمكنك أن تفكر في الجذب المبتذل الذي اتبعه ويتبعه بعض الكتاب حين يتحدثون عن دمشق وحلب والقاهرة، فتصبح أعمالهم روايات سياحية، مثل "باب الحارة" وغيره. بحيث يتم استنزاف المكان وزجه في كل الحكايات بصورة سطحية وسخيفة. لكن هنا، وفي "عين الشرق" الأحداث تجري في دمشق بالفعل. وهي جرت في الواقع هناك. والفكرة أصلاً قائمة على كيف كانت تصب الأمور كلها في دمشق، سيول البشر وسيول الفكر لينشأ الصراع هناك في قلب المدينة.
* أخيراً..قد يتهمك قارئ بالطائفية، فأنت المدافع عن ابن تيمية وتغمز بالآن نفسه من قناة بعض الطوائف. فكيف ترد وتدافع رغم رؤيتك منزهاً عن أي انتماء، ربما من حقوق القارئ عليك؟
**هذا الاتهام ليس جديدا علينا، أنت وأنا وكل من يحاول فعل شيء في سوريا وعنها، كلنا تلقينا كافة أشكال الاتهامات من قبل، الطائفية والعنصرية والعرعورية والعلمانية، ولم تبق جهة من الجهات المتسرعة لم توجه سهام الشك نحونا.
لكن الحقيقة أنك حين تفكر بحرية، ستجد من ينكر عليك هذا ويعتبر تفكيرك وبحثك موقفاً. وهو أمر عجيب. من يعيش في كوكب الاتهامات لم ينتبه إلى أن هناك مواقع وأبحاثا وشخصيات في سوريا، تعلن اليوم أن صلاح الدين الأيوبي كان مجرماً، وقام بتحويل حلب من المذهب الشيعي إلى المذهب السني قسراً، وأنه دمر الطوائف واضطهدها وأنه "فساد الدين" بدلاً من "صلاح الدين" وهكذا. وهذا ينطبق اليوم على كل من يخالف هؤلاء في الرأي ويقف ضد إجرامهم. لذلك لن أهتم إذا قيل عني أي اتهام سخيف. قد يتهمونني بمحاولة التطبيع مع العدو كما يسمونها، لأني تحدثت عن اليهود. وقد يتهمونني بالداعشية، لأني رفض الإبادة الجماعية في التعامل مع التكفيريين، وطالبت بالعدالة والمحكمة والقانون والمساءلة. قد يتهمونني بالانحياز للعرب لأني ركزت على هويات عربية في سوريا يحاول كثيرون طمسها اليوم. قد يتهمونني بالانحياز لابن تيمية، وهو الذي دافع عن دمشق وقاوم الغزاة وألصقت به التهم زوراً، سواء من قبل النخب أو من قبل العامة، وحتى المنافقين من شيوخ السنة أنفسهم. بينما واجه ابن تيمية في زمنه ما نواجه نحن اليوم، فحبس في سجن القلعة لأنه صاحب رأي، وليس لأنه متطرف دينياً. وما قمت به في الرواية هو محاورته ومجادلته، وحتى اتهامه. لأني أفكر بحرية ودون حواجز أو عقد.
عدنان عبد الرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية