خرج الكلام على ألسنة الموالين حول قضية "التعفيش" كما لم يخرج إلى العلن من قبل، متسببا بموجة من الجدل والنزاعات بين جهات مختلفة تقاتل في صف نظام بشار الأسد.
فبعد الأحاديث التي تداولها إعلاميون محسوبون على النظام بطريقة التلميح، والتي لم تجد نفعا في إيقاف "التعفيش" داخل أحياء حلب الخاضعة للنظام، عمد أحد الصحافيين المنتمين للطائفة الشيعية (رضا الباشا) إلى وضع أوراق "التعفيش" فوق الطاولة وكشفها للجميع (سيرى القارئ لاحقا مغزى إشارتنا إلى الانتماء الطائفي للإعلامي المذكور).
*"تشليح"
أدرج "الباشا" على صفحته الرسمية عدة منشورات تتحدث عن "التعفيش" في حلب، إلى أن استضافته إحدى الإذاعات المملوكة لرامي مخلوف، وفيها تكلم الصحافي المتحدر من قرية "نبل" بريف حلب عن مشاهدات حية، واصفا ما حصل من تعفيش في حلب بأنه "تجاوز كل الحدود"، حتى وصل حد القتل من أجل السرقة، متهما "اللجان الشعبية" بالاسم، وقائلا إن أعضاء من هذه اللجان سرقوا المعامل في المنطقة الصناعية بالراموسة، وقتلوا بعض حراس المصانع.
وأكد "الباشا" أن اللجان الشعبية كانت "تستغل" حالة الحرب ونزوح الأهالي، وقامت بسرقة بيوت في الحمدانية و3 آلاف شقة و1070 شقة وغيرها، معتبرا السرقة بأنها "موصوفة وممنهجة" وتتعدى الحالات الفردية، فهي "منظمة" وتقوم بها مافيات تلقى دعما وحماية ورعاية، إلى درجة أن "محافظة حلب وشرطتها وحتى الأفرع الأمنية تقف عاجزة أمام كبحها"؛ ما يعني -حسب "الباشا"- أن هذه المافيات تحظى برعاية خاصة، ولا يمكن لأحد أن يقف في وجهها.
وسمى "الباشا" بعض التشكيلات المتورطة في عمليات التعفيش في حلب، ومنها مليشيا "صقور الصحراء" التي يقودها "محمد جابر"، ومليشيا "درع الأمن العسكري" ومليشيا "العشائر"، معقبا: "هؤلاء هم الذين سرقوا حلب الجديدة ومنيان وجمعية منيان بشكل كامل، وما زالوا حتى اليوم يسرقونها".
وأبان "الباشا" أن بعض المسروقات نقلت إلى منازل خاصة في حي الحمدانية، أو إلى خارج مدينة حلب، مشيرا إلى أن مرتزقة النظام لم يكتفوا بسرقة البيوت التي هجرها أهلها، بل إنهم كانوا يقتحمون البيوت المسكونة ويخرجون أصحابها، ثم يسرقونها أمام أعين أصحاب البيوت.
واتهم "الباشا" شخصا يدعى "علي الشلي" بالتورط في عمليات التعفيش في حلب، وقد عرف عن نفسه للأهالي في الحمدانية ومشروع الرواد بأنه تابع لقوات "سهيل حسن" المعروف بلقب "النمر"، ولا أحد يعرف حقيقة هذا الأمر أو لمن يتبع "الشلي" بالفعل، حسب قول الإعلامي الموالي.
وأفاد الباشا أن "الشلي" يعرف عن نفسه بوصفه قياديا تتبع له مجموعة مكونة من ألفي عنصر.
وأعرب "الباشا" عن أسفه لاستشراء ظاهرة التعفيش في حلب دون أن يتم كبحها، متحدثا عن حقيقة حرق البيوت في ضاحية الأسد بحلب، حيث يتم طلي الأرض والجدران بالبنزين أو بمادة حارقة تمهيدا لتمدد السيراميك الذي يغطي الأرضيات والجدران بما يضمن فصله عنهما، بحيث يبدو السيراميك بعد ذلك، كما لو أنه خرجت للتو من المعمل، ليتم بيعه على أنه جديد.
وقال "الباشا" إن هذه العمليات ليست سرقة عادية، وإنما عمليات "تشليح" بحيث يتم "تشليح" البيوت حتى من كسوتها.
*إيراني!
وعبّر "الباشا" عن حسرته لتجاهل الجهات المعنية دعوى تقدم بها للحديث حول "التعفيش" في حلب، كاشفا أن صحافيين كثرا رفضوا الحديث، وهو يعذرهم لأن من حق الجميع أن يخشى على روحه.
ولفت "الباشا" إلى أنه تلقى شخصيا تهديدات كثيرة ولا يعرف متى تنفذ.
وكرر "الباشا" تأكيده العجز التام في حلب تجاه هذه الظاهرة، بما في ذلك عجز المحافظة والأجهزة الأمنية الأربعة (العسكرية، الجوية، أمن الدولة، السياسية)؛ ما زاد من مخاوف كل من يريد الحديث عن التعفيش.
تصريحات "الباشا" التي لا يعلم أحد سبب نشرها في هذه التوقيت، رغم قدم ظاهرة التعفيش ووضوحها.. هذه التصريحات جرّت عليه سيلا من الانتقادات والتهديدات من جهات مختلفة، حتى وصلت حد انتقاده من "أبناء الكار" الذين يفترض أنهم يشاركونه "نقل الحدث".
فقد علق الإعلامي الموالي للنظام "إياد الحسين" على كلام "الباشا"، واصفا إياه بـ"الإيراني" وبأنه –أي الباشا- استغل حوادث التعفيش لـ"الإساءة لجهات ترفض الولاء لمشغليه"، وهي إشارة واضحة من "الحسين" إلى الإيرانيين ومليشيا "حزب الله" بالتحديد.
ويبدو أن "شيعية" رضا الباشا كانت كافية في نظر "الحسين" (المحسوب على مليشيا صقور الصحراء) لنعت زميله بأنه "إيراني"، مطمئنا إلى أن تهمة "الطائفية" لن تصيبه، فالعلوي مسموح له في النهاية أن يتحدث بكل مفردات الطائفية دون أن يخضع للانتقاد أو المساءلة، ودون خشية الاتهام بـ"إثارة النعرات".
وقد جاء تعليق "الحسين" في معرض حملة أطلقها البعض على مواقع التواصل للشد من أزر "الباشا" والتعبير عن "التضامن" معه في وجه ما يلقاه من أخطار وما يتلقاه من تهديدات من عصابات السرقة والقتل التابعة للنظام، وليس من "الإرهابيين" و"المسلحين"، حسب قاموس "الباشا" والنظام الذي يدافع عنه.
واللافت أن هجوم "الحسين" على زميله "الباشا" ووصفه بـ"الإيراني"، استدعى تدخل أحد قيادات مليشيا "حزب الله" ليرد على "الحسين" بلهجة ساخرة، قائلا: "بعد ناقص تقول صفوي مجوسي لتدافع عن بعض الجبناء الذين يختفون في المعركة ويعفشون بعد الانتصار".
*حتى الأمن العسكري يخشونه
رغم أن اتجاه "الباشا" واضح ومعروف في معاداته للثورة، فإن ما قاله عن "علي الشلي" له نصيب كبير من الحقيقة؛ نظرا لما يسنده من شهادات متواترة، ومن وثائق لدى "زمان الوصل" إحداها، وهي وثيقة حديثة لم يمض عليها سوى بضعة أشهر.
ففي تقرير مرفوع على رئيس اللجنة الأمنية في حماة بتاريخ 26-7-2016، ورد اسم "علي الشلي" في حادثة الهجوم على مفرزة الأمن العسكري في محردة، وإطلاق النار عليها وعلى حاجز الأمن العسكري قرب قرية "خطاب".
التقرير الأمني الذي يسرد وقائع تحقيق ميداني وكشف حسي باشرته الشرطة العسكرية في حماة، استفاض في وصف حالة مبنى مفرزة الأمن العسكري في محردة وما أصابه من طلقات، وكذلك ما حلّ بحاجز الأمن العسكري عند خطاب وشاحنتي قمح توقفتا أمامه.
وإذا كان "الباشا" قد سكت عن كشف التبعية الحقيقية لـ"الشلي"، خوفا أو جهلا بها، فإن الوثيقة التي بين يدي "زمان الوصل" تقول بما لا يدع مجالا للشك، أن لص حلب "علي الشلي"، هو أحد رجال "سهيل حسن" الملقب بـ"النمر".
حيث يرد في الصفحة الأولى من التحقيق وحسب إفادة رئيس مفرزة محردة أن "علي الشلي" هو "متعاقد مع المخابرات الجوية"، وهذا الوصف يدل قطعيا على تبعيته لـ"سهيل حسن" باعتبار الأخير القائد والرئيس الفعلي لجميع المرتزقة الذين "تعاقدت" معهم المخابرات الجوية في حماة.
واتهم التقرير -وعلى لسان رئيس مفرزة محردة- "الشلي" بالتورط في تهريب شحنة أسلحة وذخيرة غطاها بأكياس قمح للتمويه، كما ورد في الإفادة إقرار بتحاشي الأمن العسكري مواجهة "الشلي" في منطقة محردة نظرا "لوجود أعداد كبيرة من العناصر التابعين له"، وهو ما يوافق أقوال "الشلي" نفسه، حيث يقول إن عناصره يعدون قرابة ألفي شخص.
ومضى التقرير الأمني بعد ذلك ليصف كيف أطلق عناصر "الشلي" النار على حاجز الأمن العسكري قرب بلدة خطاب، قبل أن تأتي مجموعات من عناصر "الشلي" تقدر بالمئات مستقلة عشرات السيارات ومدججة برشاشات ثقيلة ومتوسطة، لتقتحم "محردة" ثم تحاصر مفرزة الأمن العسكري وتخوض اشتباكات مع عناصرها قرابة ساعتين، انتهت بعملية تفاوض بين مرتزقة "الجوية" بزعامة "حيدر النعسان" قائدهم في قمحانة، والرائد المخابراتي "محمد المصري" من الفرع 219.
وانتهت عملية التفاوض بانسحاب مرتزقة "الجوية" التابعين فعليا لـ"سهيل حسن"، مخلفين وراءهم ساحة حرب وخراب، أطلق خلالها آلاف المقذوفات (استهلك الأمن العسكري 5 آلاف طلقة في تلك الاشتباكات).
ويوثق التقرير الأمني مدى سطوة "الشلي" وقدرته على مقاومة -بل مهاجمة- أعتى أجهزة مخابرات الأسد (المخابرات العسكرية)، فكيف بمن هم أدنى منها بدرجات؟!
ويعطي التقرير الأمني إثباتا رسميا لايقبل التشكيك، بأن النظام الذي سلح و"سمّن" مرتزقته، لا يستطيع اليوم، أو لايريد بالأحرى أن يواجههم، لعدة أسباب أولها أنه بحاجة ماسة لخدماتهم الإجرامية في قمع الثورة، وثانيا لأنهم "الممسحة" التي يمكن للنظام ولكبار ضباطه أن "يمسحوا" بها انتهاكاتهم، والوسيلة التي يواصلون عبرها سرقة ما تبقى من أملاك وقوت السوريين، معارضين وموالين، حيث لا يسمح مقام "الكبار" لهم بالسرقة المباشرة.


يتبع..
زمان الوصل-خاص –الجزء الأول
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية