ذكرت قبل هذه المرة، أنني اعتقلت في بداية الثورة لبضعة ساعات لدى المخابرات الجوية، وهي للحقيقة لا تزال الساعات الأشد ظلمة في حياتي، رغم ما مر علي بعدها من أحداث تشيب لها رؤوس الأغنام.
يومها أدخلوني على شخص ضئيل الحجم، يجلس على مكتب كبير في غرفة طويلة عريضة، فسألني على الفور إن كنت أعرف أين انا أم لا.. فقلت له: لا أعرف .. ثم سألني بشكل مباشر: هل تسمع بـ"جميل حسن" ..؟ فقلت له أيضا لا، فصرخ بي صوتا، أحسست بعدها أنني أجلس على شيء أملس.. !!
قال لي يومها: "ولك أنا رب المخابرات".. "ولك أنا الإله تبع المخابرات".. ثم بعد لحظات حضر شخص عريض المنكبين، كبير الشفتين، فقال له جميل حسن: "خذوه وشربوه قهوة أو شاي ودعوه يدخن".. فعرفت أنها شيفرة التعذيب الخاصة بالمخابرات.. لذلك عندما اقترب مني هذا الشخص ليأخذني، كنت وقتها بحاجة لأحدهم يلملمني بـ"مقشة" وليس لشخص يقودني مشيا على قدمي.
المفاجأة كانت عندما انتقل بي هذا الشخص إلى مكتب آخر وسألني ماذا أشرب ..؟ فقلت له على الفور: دخان وقهوة .. وبالفعل أحضر لي دخانا وقهوة .. !! فقلت بيني وبين نفسي لا بد أن من سيضربني لديه شخص آخر يضربه ودوري لم يحن بعد.
مرت ساعات كثيرة وأنا جالس في مكاني، عشتها بالثواني وبأجزاء منها، وكان كلما دخل علي شخص اعتقدت أنه هو المكلف بضربي..
كان الضرب وعلامات التعذيب قد بدأت تعتبر من معاني الكرامة والحرية، وحقيقة ساءني كثيرا فكرة أنني قد لا أتعرض لأي منهما.. ورحت أسأل نفسي، كيف سوف يصدقني الناس الآن بأنني كنت معتقلا في أكثر الأفرع الأمنية إجراما ولم يضربني أو يعذبني أحد... كيف سيعرفون أنني تعذبت نفسيا أضعاف أي عذاب جسدي ... لا بد أنهم سيعتقدون أن المخابرات اشتروني وجندوني عميلا لهم..
تمنيت وقتها لو أنهم يضربونني ويعذبونني، لكي أوفر على نفسي مواجهة العيون المشككة ... لكن للأسف أي شيء من هذا لم يتحقق، وبالفعل لم أتعرض للضرب..
في حدود الساعة الواحدة ليلا، وكان قد مر على اعتقالي أكثر من 12 ساعة، جاءني شخص ناعم، لو رأيته في الشارع لاعتقدت أنه "مخنث" ، وأخبرني بأن جميل حسن يريد أن يراني مرة أخرى، ونصحني أن أعترف له بكل شيء ... فقلت له: "يا جماعة والله ما في داعي لكل مسلسل الرعب هذا .. جربوني وأنا سأعترف بكل شيء .. لدي الاستعداد أن أسلمكم والدي إن أردتم.."
كانت فكرة الاعتقال كلها تدور حول أنه كان لدي جهاز "ثريا" كنت أتواصل به مع أحد المعارضين في الخارج، وكان هذا المعارض، وهو معروف ومشهور لكني لن أذكر اسمه، كان لا يزال يتعامل مع المخابرات، فقام بالإبلاغ عني، وهم لا يطلبون مني سوى تسليم جهاز "الثريا" وسيطلقون سراحي بعدها، على أن لا أكرر الأمر مرة أخرى، لأن ذلك سوف يعرضني للفرم على ماكينة اللحمة بحسب وصف جميل حسن..
بعد أن اتفقنا على تسليم الجهاز، جاءت الجلسة الحاسمة، والتي أراد جميل حسن أن يوصل رسائله عبرها، على اعتبار أنني صحفي، وسوف أقوم بكل تأكيد بنقل كل ما مر معي وكل ما سمعته، أمام كل من سيزورني..
بدأ كلامه بالحديث عن العلويين وما قاسوه خلال العقود الماضية من ظلم وتهميش وتحقير بحسب قوله، ثم تغيرت الأحوال بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا، وبدؤوا يظهرون للعلن ويتبوؤون المناصب إلى أن أصبحت كل مقاليد البلد بيدهم.. فسألني: هل تعتقد بعد كل ما قاسيناه أننا سوف نتنازل عما وصلنا إليه بسهولة..؟ وتابع: أخبر جماعتك أنه لدينا الاستعداد لقتل نصف الشعب السوري على أن نتخلى عن السلطة..!!
ثم تطرق إلى حماة وما حصل فيها، واعترف أنهم أبادوا آلافا من السكان.. ومن وجهة نظره، لولا أنهم فعلوا ذلك لامتد التمرد إلى باقي المحافظات وانهار النظام..
وتابع: "عندما بدأت الثورة السورية اقترحت على بشار، أن يتم معالجة الأمر على الطريقة الحموية، وأن يتم إبادة مدينة درعا بالطائرات.."، ووجه اللوم إلى بشار كونه لم يقبل بهذا الحل، وقال إنه سوف يندم لأنه لم يستخدمه.
في الحقيقة، تحدث حرفيا بكل ما تم تدوله مؤخرا في حواره مع أحد وسائل الإعلام الروسية.. وهو ما يعني أن الرجل بعد أكثر من خمس سنوات من القتل والإجرام، لا يزال يعتقد أنه مقصر في الإجرام.. !
تم الإفراج عني في ذلك اليوم بحدود الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وأنا أكثر رعبا عما كنت عليه رهن الاعتقال.. شعرت أنني انتقلت من معتقل صغير إلى معتقل أكبر..
لذلك، كانت الحرية بالنسبة لي، ليست بالخروج من المعتقل، بل بالخروج من البلد بأكملها.
فؤاد عبدالعزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية