في مبنى عمليات النظام العسكرية بضاحية الأسد في حلب، فتح أحد مقاتلي المقاومة السورية المقتحمين للمبنى مجموعة أدراج لمكتب بجانب سرير، فرأى ما لم يخطر له على بال.. وثائق إثباتات شخصية (جوازات وبطاقات) تعود لأشخاص من جنسيات مختلفة، بينها بطاقات وجوازات لأشخاص موظفين في الأمم المتحدة، وبطاقة صادرة عن "وزارة الخارجية الإسرائيلية".
"زمان الوصل" تسلمت هذه الوثائق وغيرها، وشرعت في عملية تدقيقها والتأكد من مصداقيتها، محاولة بعد ذلك البحث عن تفسيرات "معقولة"، تسوغ وجود مثل هذه المستندات في غرفة عمليات عسكرية.
**قواسم مشتركة
يقول المقاتل الذي وجد الجوازات والبطاقات لـ"زمان الوصل"، إنه لا يستطيع الجزم بهوية الشخص الذي كان يشغل الغرفة ضمن مبنى العمليات العسكرية، لكن شكل المكتب يوحي بأنه تابع لضباط كبير، مؤكدا أنه وجد من ضمن ما وجد خمورا بينها خمور روسية، وملابس داخلية نسائية أيضا.
ويفيد المقاتل بأن وجود الجوازات والبطاقات الأجنبية، لفت نظره من بين مختلف الوثائق التي كانت في المكتب لحظة اقتحامه.
وبنظرة أولية على الجوازات تبين أن أحدها نيوزيلندي، سيتضح لاحقا أن صاحبه موظف في الأمم المتحدة، وآخر صادر عن الأمم المتحدة (أزرق اللون)، لموظف بوسني الأصل، فضلا عن بطاقة أممية عائدة لنفس الموظف النيوزيلندي، وأخرى موقعة من مدير المراسم في "الخارجية الإسرائيلية"، وعليها صورة امرأة.

وبعد مزيد من التفحص، اتضحت لـ"زمان الوصل" عدة نقاط مشتركة بين الوثائق، أولها أن جميعها قديم ومنتهي الصلاحية، مثل الجواز الأممي الذي تم وسمه بعبارة "cancelled" (ملغى)، تم حفرها تثقيبا على كل صفحات الجواز، أما بالنسبة لبطاقة النيوزيلندي الأممية وجوازه، فقد انتهت صلاحياتهما منذ سنوات (البطاقة انتهت صلاحيتها منذ 16 سنة، والجواز منذ 4 سنوات)، أما البطاقة الموقعة في القدس من قبل مدير مراسم "الخارجية الإسرائيلية" فيعود تاريخ إصدارها إلى عام 1989، أي إلى ما قبل ربع قرن ونيف (27 عاما).

ثاني النقاط المشتركة أن جميع هذه الوثائق مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر، بعمل وصلاحيات وزارات الخارجية، أي إنها غير عسكرية بالدرجة الأولى، ما يثير مزيدا من علامات الاستفهام حول الجهة التي فرطت فيها، ومسوغات وجود وثائق كهذه في غرفة عمليات حربية.
ثالث النقاط المشتركة، لاسيما بين صاحبي الجوازين الأممي والنيوزيلدي، أن كليهما كان في موظفا في قوات فض الاشتباك بالجولان (تدعى اختصارا أندوف)، وهي القوات التي وافق حافظ الأسد منذ عام 1974 على انتشارها على خط الجولان للفصل بين "الجيش العربي السوري" وجيش الاحتلال.
وحددت مهمة "أندوف" بموجب اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا و"إسرائيل"، وكان مما تضمنته هذه الاتفاقية، "وقف إطلاق نار تام وشامل ودائم بين سوريا وإسرائيل، والامتناع عن القيام بأية أعمال عسكرية من قبل الدولتين".
وتم إرفاق الاتفاقية بملاحق وخرائط مفصّلة، تحدد مساحة المنطقة العازلة بين الطرفين، ونوع وعدد القوى والأسلحة على جانبي المنطقة العازلة.
**عن "جوبلين" و"هودجيتش"
وفي سبيل بناء تصور أشمل، كان لابد من الحصول على تفاصيل أدق نستقيها من مصادر موثوقة، لإلقاء الضوء على سيرة وصفة صاحبي الجوازين النيوزيلندي والأممي، فاتضح أن الأول يدعى "روي جوبلين" من مواليد 1967 هاملتون في نيوزيلندا، ويعمل حاليا مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (تعرف اختصارا باسم يونيفل).
وتقول المعلومات إن "جوبلين" بدأ مشوار حياته المهنية مع الأمم المتحدة منذ عام 1993، عندما عمل ضمن بعثتها في لبنان كخبير اتصال، وفي 1995 انتقل إلى العراق، مع بعثة الأمم المتحدة الخاصة (يونسكيوم) بوصفه رئيسا لقسم الاتصال، وبعد عدة سنوات من خدمته في العراق، عيّن في قاعدة الإمداد في برينديزي (إيطاليا) رئيسا للاتصال والمعلومات، ثم عمل عضوا في فريق التخطيط والمسح التقني ضمن إدارة حفظ السلام الأممية، وقضى سنتين (2002-2003) مع بعثة الأمم المتحدة الخاصة (يوناما) في أفغانستان كرئيس لقسم الاتصالات.
وانتقل لاحقا للعمل ضمن بعثة الأمم المتحدة الخاصة بقبرص، وفي 2006 انضم "جوبلين" إلى طاقم "أندوف" ترافقه زوجته "دافني" التي تشغل أيضا منصب موظفة في قسم الخدمات العامة في نفس القوة، ومعهما ابنتيها "ليلي" (3 سنوات حينها) و"سوفي" (سنة واحدة حينها، أي في 2006)، بينما بقي ابنهما "سكوت" في نيوزيلندا لمتابعة دراسته.
وفي 2011 كان "جوبلين" يتولى القائم بأعمال وحدة الدعم ضم قوات "أندوف"، ثم انتقل لاحقا إلى "يونفيل" في لبنان بصفة الضابط المسؤول عن قطاع الاتصال والمعلومات، وهو الآن يمارس مهام الضابط المسؤول عن وحدة الدعم. (هنا يظهر في الفيديو ابتداء من الثانية 55.

وبمقاطعة المعلومات الموثقة مع بطاقة "جوبلين" الأممية، يتضح أنها سرقت أو فقدت أثناء انخراطه في اللجنة الأممية الخاصة بالعراق (يونيسكوم)، حيث كان يعمل معها ابتداء من 1995.
وفيما يخص "بنيامين هودجيتش" تقول المعلومات إنه مواطن بوسني من مواليد 1976، وقد بدأ عمله مع الأمم المتحدة عام 1998 بصفة موظف تقني ضمن بعثتها الخاصة في البوسنة والهرسك، وفي 2004 انتقل للعمل ضمن البعثة الأممية الخاصة بأفغانستان (يوناما) بصفة الضابط المسؤول عن قطاع الاتصالات، وبعدها بسنة عملا خبيرا تقنيا ضمن الحكمة الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة (محكمة لاهاي).
في 2006 عيّن "هودجيتش" ضمن طاقم قوات فض الاشتباك في الجولان (أندوف) كخبير تقني، وتمت ترقيته لاحقا إلى رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات ضمن البعثة.
"هودجيتش" متزوج من "أديفيجا"، ولديه ابن يدعى "تيمور".
*عبرية لكنها لامرأة غير إسرائيلية
من خلال استعراض محطات عمل "جوبلين" و"تيمور" يتبين أن الرجلين مختصان في نفس المجال (قطاع الاتصال والمعلومات)، وعملا في بعثة أفغانستان (يوناما)، حيث جاء "هودجيتش" في السنة التي تلت مغادرة "جوبلين".

وفي 2006 التحق الرجلان معا ببعثة "أندوف"، وكان "هودجيتش" يعمل حينها تحت إمرة "جوبلين"، حتى انتقل الأخير إلى بعثة "يونفيل" في لبنان أواخر 2011، فحل "هودجيتش" مكانه في رئاسة قطاع الاتصالات ضمن "أندوف".
ويحمل جواز "هودجيتش" عدة تأشيرات "إقامة مجاملة" منحته إياها وزارة الخارجية التابعة للنظام (إدارة المراسم)، مدة كل تأشيرة منها 6 أشهر.
أما البطاقة المدونة بالأحرف العبرية، فهي تخص امرأة آيسلندية (على الأرجح) تدعى "ماريا سايموندسون"، وقد أصدرتها "وزارة الخارجية الإسرائيلية" عام 1998، ووقع عليها رئيس دائرة المراسم.
وعادة ما تمنح "الخارجية الإسرائيلية" مثل هذه البطاقات للعاملين في "المنظمات الدولية" (تم ذكر ذلك ضمن البطاقة)، وتهدف لتسهيل عبورهم حواجز ونقاط التفتيش المقامة بين الضفة الغربية وغزة، وكذلك بينهما وبين مناطق "الخط الأخضر".
والنقطة الأهم التي لابد من التأكيد عليها هنا، إن البطاقة لا تعود لشخصية تحمل الجنسية "الإسرائيلية" -لمجرد أنها مطبوعة باللغة العبرية-، ولكنها صادرة عن "الخارجية الإسرائيلية".
وكحال أي وثيقة رسمية، فقد دونت على البطاقة عبارة ترجو من يجدها –حال فقدانها- أن يسلمها لأقرب نقطة شرطة، لكن النظام اختار الاحتفاظ بهذه البطاقة وغيرها من الوثائق الأممية لغايات، يبقى باب الاحتمالات فيها مفتوحا.
**احتمالات
ورغم أن الانطباع الأول يوحي بفقدان هذه الوثائق أهميتها كونها منتهية الصلاحية، فإن احتفاظ النظام بها يعطي انطباعا عكسيا، كما إن وضعها في إحدى نقاط العسكرية بالغة الحساسية، يحمل مؤشرات عدة، قد يكون من أولها نيته استخدام بعض هذه الوثائق ببياناتها وصورها لصالح عناصره وجواسيسه، ليتمكنوا من العبور إلى مناطق المعارضة، أو اختراقها.
وقد عرف عن نظام الأسد بتاريخه "العريق" في التدليس والتلاعب بالوثائق، ومنها قضية "الخديعة الكبرى" التي سبق لـ"زمان الوصل" أن نشرتها مدعمة بالمستندات، ووثقت قيام النظام بطباعة أكثر من 63 ألف بطاقة "قوى أمن داخلي" وتوزيعها (أواخر 2011) على ضباط وعناصر جيشه ومخابراته، للتمويه على بعثة "المراقبين العرب" وخداعها، وتقديم هؤلاء على أنهم من عناصر "قوى الأمن الداخلي" و"حفظ النظام". (للاستزادة اضغط هنا.
)
وفضلا عن احتمال استخدامها من قبل عناصره وعملائه، فإن هناك احتمالا آخر، يتعلق بإعداد وإخراج "سيناريو" مصور يتم فيه الادعاء بوجود خبراء "إسرائيليين" وأجانب يقاتلون في صفوف المعارضة ويساندونها، وأمثلة هذه السيناريوهات كثيرة إلى درجة تجعل إحصاءها متعذرا، وتجعل تعدادها ضربا من إضاعة الوقت، عطفا على فشل إخراج هذه التمثيليات، التي درج النظام عليها منذ الأيام الأولى للثورة ومازال مصرا عليها.
وهناك احتمال ثالث قد يفسر احتفاظ ضابط من صفوف النظام أو مرتزقته بالوثائق، أملا في أن يجد لها "زبونا" دسما يدفع فيها رزمة من الدولارات، لاسيما أن تجارة الوثائق وتزييفها، باتت من النشاطات المربحة والمتفشية في عدة مناطق من سوريا، تحت سمع وبصر النظام ومخابراته، بل وغالبا بمشاركتهم.
وبغض النظر عن أي احتمال يمكن أن ينشأ عن وجود هذه الوثائق في غرفة حربية للنظام ومرتزقته، فإن الذي لايقبل الاحتمال هو إدانة النظام لسماحه بتداول هذه الوثائق أو تساهله في شأنها، دون أن يعبأ بالواجب القانوني الذي يحتم عليه تسليم المستندات للجهات التي أصدرتها، أو على الأقل للأشخاص الذين تعود لهم، باعتباره –أي النظام- "سلطة شرعية" ما تزال الأمم المتحدة تعترف بها، وترفض التصديق أنها "عصابة"، رغم شهادة ملايين السوريين بذلك، ورغم وجود عشرات وربما مئات الوقائع التي تحيل إلى هذا الأمر وتؤكده، ولعل أحدثها واقعة وجود مستندات أممية في غرفة العمليات الحربية بضاحية الأسد وسط حلب.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية