رغم أن فحواه معروفة لمعظم السوريين، فإن الكتاب رقم 25618، دمغ بعبارة "سري للغاية"، ومثل هذه العبارة لا توضع عادة إلا على الوثائق بالغة الحساسية، التي تتناول موضوعا يمس الأمن القومي لبلد ما مثلا.
ففي تاريخ 29/9/2009، وجه فرع المخابرات العسكرية في إدلب (الفرع 271) كتابا جوابيا إلى الفرع 291 (الفرع الإداري الرئيس في المخابرات العسكرية) يعمله فيه بأسماء الموظفين العسكريين والمدنيين ممن يمارسون "نشاطات دينية"، ضمن قطاع عمل الفرع 271.
وتضمن الكتاب لائحة بـ8 أسماء كلهم موظفون في مؤسسة الإسكان العسكري بمهنة "عامل"، وجميعهم يخضعون لـ"مراقبة محلية".
ووصف الكتاب "حالة" كل هؤلاء بعبارة واحدة هي: "لايؤدي الصلاة في وحدته" أي في مكان عمله، بينما جاء في حقل "التعميم" عبارة متشابهة هي: "متدين عادي ملتحي (ملتح)".
ويبدو من العبارة الأولى أن المقصود بجملة "نشاطات دينية" هو تحديدا أداء الصلاة، وأن الصلاة في مكان العمل أمر خطير ومحظور، وإلا لما كان هناك داع للنص عليه بالحرف في حقل "الحالة".
أما العبارة الأخرى الواردة في حقل "التعميم" فهي تدل أيضا بلا شك على أن إعفاء اللحية بأي شكل، كاف للشك بالشخص ووضعه في دائرة المراقبة والاتهام.
ورغم أن كل الدساتير السورية الخمسة، ابتداء من دستور 1920 في ظل الملكية، وانتهاء بدستور 2012، ودستور 1973 الأسديين سيئي الصيت.. رغم أن كل هذه الدساتير تنص على أن دين رئيس البلاد هو الإسلام، وتتكرر فيها مفردة "الإسلام" أكثر من مرة، فإن الصلاة التي هي عماد الإسلام وركنه الثاني، تعد "ممارسة" محرمة بموجب التعميمات والأوامر الأسدية، الكتابية منها والشفهية، وما الكتاب رقم 25618 لعام 2009، سوى وثيقة ضمن مجلد ضخم من الوثائق التي تدور حول "الصلاة" و"اللحية"، وكأنهما الخط الأحمر والخطر الأول والمحدق بأمن البلاد و"الموهن لنفسية الأمة"، حسب تعبير الأحكام التي كانت تصدر بحق أي معارض للنظام.
"هوس" نظام الأسد بمحاربة الصلاة ومراقبة المصلين والملتحين، عكس خلال ما يقارب 45 سنة تناقضا و"سوريالية" لم يكن ليقوى على فهمها سوى السوريون، فمن ناحية كان الأسد -إلى حد ما- متسامحا مع بناء المساجد بل وحتى مع نشر دور تحفيظ القرآن التي سماها "معاهد الأسد"، ومن ناحية أخرى كان يحارب الصلاة التي تبنى المساجد لأجلها، والتي تكرر ذكرها –أي الصلاة ومشتقاتها- في القرآن الكريم قرابة 100 مرة.
وحتى تكتمل لوحة التناقض كان السوريون الذين يتم استدعاؤهم للتحقيق معهم على خلفية ركعات صلوها، هم نفس السوريين الذي يتابعون على الشاشات ساعات مطولة حضور "السيد الرئيس" للصلاة في عدة "مناسبات"، ومنها: صلاة العيدين، ليلة النصف من شعبان، الإسراء والمعراج.. ويتابعون بدهشة أكبر استقباله لـمن كان يسميهم "أرباب الشعائر الدينية" من المسلمين واحتفاءه بهم، وقراءته الخطابات على مسامعهم، ومنها خطابه بتاريخ 10/4/1991، الذي كرر فيه لفظة الإسلام ومشتقاتها 25 مرة، إلى أن وصل للدفاع عن "الأصولية" التي تعد الصلاة "أصلا" فيها، قائلا بالحرف الواحد: "إن الأصولية هي التمسك بالإسلام، والإسلام هو الخير والسلام والمحبة".
وأخيرا.. صحيح أنها وثيقة صغيرة بحجمها، لكنها كبيرة بمضمونها وملابساتها التي تلخص جزءا من معاناة السوريين مع النفاق والدجل المستشري في نظام حكمهم طويلا، وصبروا عليه طويلا قبل أن تفيض الكأس.

زمان الوصل-خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية