أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من هنا يبدأ "الشغل الصح"..!!... فؤاد غبدالعزيز

من جرابلس ولم تخلع حجابها بعد تحرير مدينتها من تنظيم الدولة - الأناضول

في المرة الأولى والوحيدة التي اعتقلت فيها من قبل مخابرات النظام ولعدة ساعات فقط، وكان ذلك في بداية الثورة، قلت لكل من سألني عن أكثر شيء لفت انتباهي خلال هذه التجربة، قلت لهم لم يلفت انتباهي سوى شيء واحد وهو أنه لا بد أن يكون لديهم شاعر يكتب لهم الكلمات التي يسبون بها الذات الإلهية..!! فإذا ما أراد أحدهم أن يطلب من زميله سيكارة أو كأس ماء فإنه يسبقها بـ"كفرية" مصاغة بعناية لا يمكن أن تكون من تأليف هؤلاء "البجم"..!! 

تذكرت عندما كنا نرسل شبابنا للخدمة العسكرية، أنه كانت تحصل لهم الكثير من التغيرات بعد انقضاء عدة أشهر على غيابهم.. كان يعود أغلبهم وقد استسهل لسانه سب الذات الإلهية وكأن ذلك من لوازم هذه الخدمة. 

للأسف الكثير من أبناء الطائفة السنية، كان يعتقد أن مفتاح التقرب من أبناء النظام وبالذات من الطائفة العلوية، يبدأ من إنكار القيم الدينية، ثم يتطور إلى الحديث عن جلسات السكر وشرب العرق، وأخيرا المشاركة فيها. 

وأذكر في بداية عملي الصحفي ما بعد منتصف التسعينيات من القرن الماضي، أنني قلت للقمان ديركي الذي كان يحاول أن يدخلني في الجو .. قلت له: يا لقمان أريد أن أصبح صحفيا وليس سكرجيا، فكان يرد مازحا: "نفس الشي"، لكي تصبح أي شيء في هذا البلد، البداية يجب أن تكون سكرجيا ومن ثم أنت تقرر ما تريد أن تكون..! 

ببساطة كنا نعتقد، أننا نعيش في بلدنا واقعا شبيها بما نعيشه في الدول الأوروبية، أي كنا بحاجة لدورات اندماج لكي نستطيع الاستمرار في أعمالنا وحياتنا دون أن نتعرض للتخوين وبأننا "إخونجية" أو "دواعش"..!

واسمحوا لي أن أروي هذه الحادثة البسيطة التي حصلت مع ابنتي في فرنسا وهي لم تتجاوز الرابعة عشرة من العمر.. بينما كانت تبحث في "يوتيوب" عن فيلم وثائقي لكي تشاهده وكما عودتها، دخلت بالغلط إلى فيلم يتحدث عن أسامة بن لادن والقاعدة، وهي صدقا لا تعرف حتى الآن من يكون..؟ هل تصدقون أنه قامت الدنيا ولم تقعد، ووصل الأمر إلى حد اضطهاد البنت ووصفها بأنها داعشية..؟! فيما لم أنج أنا من المساءلة..!!

باعتقادي أن المظلومية السنية باتت أمرا واقعا، ولا بد من التأكيد أننا ساهمنا كثيرا بهذا الأمر، سواء عن دراية أو بدون قصد، ولست مع الذين يحملون الاستعمار القديم المسؤولية عن وصول الأقليات إلى مواقع السلطة ودعمهم.. كذلك لا أستطيع أن أحمل الأقليات التي استلمت السلطة المسؤولية باضطهاد الأكثرية.. لقد بدأ الغلط عندما أردنا أن نتلون لكي نصبح مثلهم بدافع الرضا عنا.. والمصيبة أننا لم نتلون "تقية"، بل عن قناعة، وأصبحنا شديدي الشبه بهم ومع ذلك لم يقبلوا بنا. 
الحل برأيي يكون بإعادة بناء الخصوصية الثقافية والاجتماعية على أسس سليمة، تدفع الآخرين لاحترامها رغما عنهم.. لقد شاهدت اليهود في أوروبا كيف أنهم يحظون باحترام الجميع على الرغم من أنهم يصرون على خصوصيتهم، والتي غالبا تتناقض مع مفهوم الأوروبي، المسيحي والملحد، للحياة.. وأرجوكم لا أحد يقل لي إن الإسلام دين مستهدف من الغرب ويريدون القضاء عليه.. المستهدف هم أولئك المسلمون الذين يصرون على تقديم صورة خاطئة عن الإسلام. 

الغرب لديه الاستعداد أن يحترم خصوصيتنا كمسلمين، لكننا نحن من نقلل من أهميتنا بالنسبة لهم، وفي أحد المرات دعتني سيدة فرنسية على العشاء وكانت شديدة الحرج ولا تستطيع أن تأكل لأنها احترمت خصوصيتي ولم تضع زجاجة الخمر على الطاولة مع الأكل، لو كان يهوديا لأصر على الأمر، ولكن بما أني مسلم ومن ثقافة مهزومة، قلت لها لا بأس أن تمارس حريتها في منزلها ... وشعرت بالفخر بعدها.. !!

من منكم يتذكر عندما زار الرئيس الإيراني إيطاليا وكيف أنه أصر على تغطية التماثيل العارية، وكان له ما أراد .. أو عندما ألغى زيارته لفرنسا لأنه رفض أن يوضع الخمر على طاولات الطعام.. ؟!
من هنا يبدأ الصح برأيي.. 

*من كتاب "زمان الوصل"
(217)    هل أعجبتك المقالة (225)

مواطن

2016-10-29

أتفق معك كثيرًا وسعيد بقراءة كلماتك. كنا طلابا في فرنسا وكنا نكتسب الاحترام بالعمل الجاد والخلق الحسن حتى مع المسيئين... تريد أن يحترمك الناس كن قدوة في كل شيءـ لا أقل من ذلك.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي