ما يعنيني من لقاء بشار مع الصحفية الروسية، ليس التفاصيل "الجنسية" التي كشفت عنها تلك الصحفية قبيل اللقاء، والتي اعتبرها البعض بأنها دليل إضافي على مدى استهتار الروس به.. فهو أمر، بات موثقا في أكثر من موقعة.. وشخصيا لا أستبعد أن يظهر بشار في المرحلة القادمة على أغلفة مجلات "البورنو" الروسية ، كأكبر شاذ بالعالم بعد أن سمح لكل من هب ودب أن يلعب بمؤخرته..
الروس منذ البداية رسموا حدود علاقتهم مع بشار، عندما أطلقوا عليه لقب "ذنب الكلب"، في إشارة واضحة إلى أنهم لا يعتبرونه حليفا، وإنما يريدونه تابعا ذليلا، شأنه شأن كل حلفائهم من الجمهوريات السوفيتية السابقة.. وقد تجلت مظاهر هذه الصورة في الكثير من المواقف، منذ استدعائه إلى موسكو بداية التدخل الروسي في سوريا، إلى لقائه بقائد الأركان الروسي في اللاذقية، عندما تفاجأ أن يكون الروس قد أرسلوا له مسؤولا كبيرا وعلى هذا المستوى.. !!
إذا، هذا يعني أن بشار عندما قرر التوجه إلى روسيا، كان يدرك سلفا المكانة التي سيغدو عليها بالنسبة لهم، وهذا بحد ذاته يطرح تساؤلا كبيرا: ما الذي دفع بشار إلى هذا الأمر..؟! هل هو اليأس من إخماد الثورة رغم المساعدة الكبيرة من "أشقائه" الإيرانيين وحلفائهم من الميليشيات الطائفية..؟ أم أن الأمر كان خارجا عن إرادته، وروسيا هي من فرضت نفسها على الواقع السوري رغم أنف الجميع بما فيها إيران..؟!
بصراحة أميل للاحتمال الأول بأن بشار هو من طلب مساعدة الروس، بوحي من سلوك والده في السبعينيات من القرن الماضي عندما طلب مساعدة الاتحاد السوفييتي السابق لحماية عرشه مع أخيه رفعت.. ولا بد أنه أوصاه قبل مماته وربما قال له: "يا ابني، إذا ضاقت عليك البلد وتهدد ملكك وشعرت أنه مهدد بالزوال، عليك بالروس.. فهم صحيح قد لا يحترمونك وقد يدعسون عليك، ولكنهم سيحرقون أعداءك"..
ولا بد أن حافظ أسد أيضا، أطلعه على الثمن الذي يجب أن يدفعه للروس ..فهو سر لم يكن يعرفه سواه، وكان مترددا كثيرا في دفعه، أو أنه على الأقل، كان على استعداد لدفع هذا الثمن ولكن على أقساط ومقابل امتيازات، وهو ما لم يعجب الروس.. الذي حصل مع بشار الأسد أنه قام وقدم الثمن دفعة واحدة للروس ودون أي مقابل، لهذا كان تدخلهم سريعا وقويا ومباشرا..
فما هو هذا الثمن الذي دفعه بشار للروس..؟!
حتى لا أطيل عليكم، الكثير يظن بأن هذا الثمن، هو عبارة عن مجموعة قواعد عسكرية روسية على الأراضي السورية أو في المياه الدافئة، للتشويش على السياسة الأمريكية في المنطقة، في محاولة لابتزازهم في ملفات أخرى، في الجمهوريات السوفييتية السابقة وفي منطقة القرم تحديدا حيث أنابيب الغاز وناقلات النفط التي تغذي أوروبا..
وأنا أظن أن الثمن الذي يريده الروس أكبر من ذلك بكثير.. وهو الخليج العربي برمته وثروته النفطية.. ويظهر ذلك جليا من خلال أنهم باتوا يعلنوها صراحة بأن وجودهم في سوريا هو قوة احتلال مباشر للبلد، وهذا الموقع يتيح لهم عزل منطقة الخليج ومحاصرتها بالكامل، والتي أزعجتهم كثيرا في الفترات السابقة من خلال التحكم بأسعار النفط وحرمان روسيا من موارد مالية كبيرة، وهذا أيضا يسمح لهم بالضغط على أوروبا وأمريكا وتهديد مصالحهم الاقتصادية في المنطقة..
وتتجلى مظاهر هذا الحصار أيضا، في الموقف المصري الذي تبدل كليا بين ليلة وضحاها، اتجاه السعودية تحديدا التي دعمته وأوصلته للسلطة..!! فـ"السيسي" لم يتنازل عن "رز" الخليج، كرمى لعيون روسيا.. فلا بد أنه اطلع على ما تخطط له روسيا، واقتنع بأن الفائدة من تحالفه مع الروس تفوق بكثير ما ستقدمه له السعودية والخليج من "رز"... لذلك مع تبدل الموقف المصري يكون الخليج العربي قد حوصر تماما من قبل روسيا.
لا أستطيع أن أجزم بأن هذه القراءة نهائية، وربما تكون مستعجلة، لما يجري على الأراضي السورية وفي المنطقة.. لكني كما أرى المشهد، هو أكبر بكثير من الصراع من أجل سوريا .. فلا أحد يتصارع من أجل اقتناء قطعة أرض مدمرة في النهاية ... لكن كل المعطيات تشير إلى أن حافظ أسد لطالما استطاع أن يبتز دول الخليج العربي من خلال استخدام الفزاعة السوفيتية بداية، ومن ثم الإيرانية في المرحلة التالية بعد تهلهل هيبة الاتحاد السوفييتي.. وهو كان يعرف أن جلب السوفييت إلى بلده يعني دعسه، لهذا ظل يستخدمها كورقة ضغط لا أكثر ... أما بشار وبعد أن أحس بأن الثورة سوف تطيح به عاجلا أو آجلا، فعلى ما يبدو أنه وصل إلى مرحلة يريد للجميع أن يموتوا معه وبالذات ممن دعموا الثورة... لهذا كان يعي ما يفعل تماما وقابل به عن طيب خاطر..
بقي أن أشير إلى نقطة أخيرة: يطلق على آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد، اسم "مروان الحمار" ... فهو على الرغم من أنه دافع عن عرشه بكل ما أوتي من قوة وحارب يمينا وشمالا كما يفعل بشار اليوم، إلا أنه لم يستطع الحفاظ على ملك بني أمية، وسقطت الدولة الأموية بيد العباسيين في النهاية، لهذا أطلق عليه لقب "مروان الحمار" بحسب إحدى الروايات... فهل سينصف التاريخ ، بشار مستقبلا ويطلق عليه اسم "بشار الحمار"..؟!
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية