*فرع فلسطين لوحده يصدر نحو 67 مذكرة في اليوم، فكم حجم المذكرات الصادرة عن كل الأجهزة؟!
*ليس محض صدفة أن يسند بشار الأسد مهمة ملاحقة الصحافيين واعتقالهم إلى أكثر أجهزته وحشية على الإطلاق.
وصفت وثيقة مخابراتية صادرة عن نظام الأسد صحافية غربية بأنها "جاسوسة"، معممة أوصافها وصورتها على الفروع المختلفة من أجل "إجراء اللازم"، وهو على ما يبدو أمر باعتقال أو تصفية هذه الصحافية، جريا على حالات مشابهة، واعتماد على معلومات تضمنها أرشيف الأسد المخابرات فيما يخص الصحافيين.

ففي 15 آب/أغسطس 2012، وجه فرع 235 (المعروف شعبيا باسم فرع فلسطين) كتابا إلى الفرع 290، يقول فيه "توفرت لدينا معلومات تفيد بأن جاسوسة بريطانية داخل القطر (مجهولة الاسم) تعمل كمرافقة مع الإرهابي الليبي مهدي الحارثي"، في إشارة إلى مهدي الحاراتي، أحد أبرز قياديي الثورة الليبية ضد القذافي.
وأدرج الكتاب مجموعة صفات جسمانية لـمن سماها "الجاسوسة"، مثل لون عينيها وشعرها، مطالبا بـ"إجراء اللازم وصولا للمذكورة"، وهي عبارة واضحة تطلب اعتقالها أو تصفيتها.
*كتاب آخر
بعد نحو 20 يوما، وجه فرع فلسطين كتابا آخر يشير في بدايته إلى الكتاب السابق وموضوعه، مضيفا: "نفيدكم بأن الجاسوسة المذكورة هي الصحفية البريطانية (Mary Fitzgerald)، تعمل مراسلة الشؤون الخارجية لصحيفة التايمز الإيرلندية وتتردد إلى الشرق الأوسط بكثرة".
وعبر قيام "زمان الوصل" بمراجعة سريعة لأرشيف "فيتزجيرلاد" الصحفي يتبين أن معظم معلومات مخابرات الأسد مبينة على تقارير كتبتها الصحافية نفسها، ومن أهمها تقرير نشرته "فورين بوليسي" بتاريخ 9 آب من عام 2012، تكلمت فيه باستفاضة عن قدوم الليبي (إيرلندي الجنسية) مهدي الحاراتي إلى سوريا.
وضمّنت "فيتزجيرلاد" ذلك التقرير بعض المعلومات عن "حاراتي"، ومنها أنه كان نائب رئيس المجلس العسكري طرابلس و آمر كتيبة ثوار طرابلس، التي لعبت دورا محوريا في السيطرة على العاصمة الليبية، وهي إشارة البداية لنهاية نظام القذافي.
وركزت "فيتزجيرلاد" على جهود "الحاراتي" في سوريا، التي أفضت –حينها- إلى تشكيل ما يسمى "لواء الأمة"، وقوامه 6 آلاف عنصر، ناقلة عنه أنه يريد نقل تجربة الثوار الليبيين إلى سوريا، وأن مساهمته هذه مؤقتة تنتهي بسقوط نظام بشار.

*ضوء أخضر
وبالعودة إلى الكتابين المخابراتيين حول "فيتزجيرلاد"، يبدو جليا أن وصف "جاسوسة" هو مقدمة وغطاء وضوء أخضر لمخابرات النظام وعملائه من أجل اختطاف أو تصفية هذه الصحافية، حيث لايختلف العرف الاجتماعي ولا القانوني لمعظم بلدان العالم حول عقوبة "الجاسوس".
ولنظام بشار سوابق في اختطاف واغتيال (أو محاولة اختطاف واغتيال) صحافيين وناشطين قدموا إلى سوريا بغرض تغطية الأحداث، ومن بينهم على سبيل المثال: إيف ديبي، ريمي أوشليك، ماري كولفن.. وهذه الأخيرة قال بشار الأسد في مقابلة تلفزيونية إنها هي المسؤولة عن موتها، وليس جيشه، أما "إيف ديبي" فقد ورد اسمه ضمن قوائم المطلوبين للاعتقال على يد مخابرات النظام، وهو ما يشير بوضوح إلى تورط النظام في استهدافه وقتله.
وتضم القوائم المخابراتية التي بحوزة "زمان الوصل" 197 مذكرة صادرة بحق صحافيين من مختلف أنحاء العالم، كل مذكرات الاعتقال فيها صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية.
ومن اللافت للنظر أن بشار الأسد أسند مهمة ملاحقة الصحافيين وإصدار مذكرات القبض بحقهم إلى جهاز المخابرات العسكرية، دون غيره من الأجهزة، وهو المعروف بشراسته وإجرامه وتورطه فيما لايحصى من جرائم التعذيب والقتل تحت التعذيب.
وسبق لـ"زمان الوصل" أن نشرت تقريرا مفصلا بالأرقام والإحصاءات، أثبت أن "المخابرات العسكرية" تشكل الجهاز الأنشط في البطش والاعتقال بين كل أجهزة المنظومة القمعية، فمن أصل 524 ألف مذكرة اعتقال يتضمنها الأرشيف المخابراتي، تستحوذ المخابرات العسكرية على 276 ألف مذكرة؛ أي أكثر من نصف إجمالي مذكرات الاعتقال (53% تقريبا) الصادرة عن مختلف أنواع الأجهزة القمعية، والبالغ عددها الإجمالي نحو 1.7 مليون مذكرة. ( للاستزادة اضغط هنا)
وعمليا، تمثل المخابرات العسكرية الجهاز الأكثر توحشا على الإطلاق، ففي معتقلاتها (لاسيما 215 و248 و235) قضى عشرات الآلاف من السوريين، الذين وثق جزءا منهم المصور العسكري المنشق "قيصر"، حين سرب نحو 55 ألف لقطة لقرابة 11 ألف من ضحايا التعذيب في تلك المعتقلات.
وتبقى هناك ملحوظة بسيطة ولكنها مهمة جدا، تكشف عن النشاط الاستثنائي والمحموم لأجهزة المخابرات الأسدية، لاسيما خلال الثورة، حيث تظهر مقارنة الرقم التسلسلي للكتابين الخاصين بـ"ماري فيتزجيرلاد" أن هناك 1205 كتابا صدرت عن الفرع 235/1 خلال 18 يوما فقط، وهو ما يعني أن الفرع أصدر في اليوم الواحد قرابة 67 مذكرة، ولنا من هذا الرقم أن نتخيل حجم المذكرات والكتب الصادرة يوميا عن عشرات الفروع والمفارز الأمنية التابعة لأجهزة المخابرات الرئيسة والمعلنة (عسكرية، جوية، مخابرات عامة، سياسية)، فضلا عن الأجهزة السرية.
إيثار عبدالحق-زمان الوصل-خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية