لازلت على يقين أن النظام في مرحلة من المراحل، وتحديدا في الفترة بين منتصف العام 2012 وحتى منتصف العام 2013، أوشك على السقوط ونحن من أخّر سقوطه .. أو حدث على الأقل أشياء غير مفهومة قلبت الموازين فجأة وتحول الجيش الحر من محاصر للنظام في دمشق، إلى محاصر وجائع ومعزول.. !!
فما الذي حدث بالضبط..؟ رغم أنه في تلك الفترة، حاصرت كتائب الجيش الحر دمشق من كل الجهات تقريبا، ووصلت إلى مواقع متقدمة حتى حي الميدان وما وراءه من أحياء كالقدم والسبينة والكسوة والمخيمات وصولا إلى ببيلا وحرجلة، ومن الغرب استطاع الجيش الحر محاصرة النظام في درايا والمعضمية وجديدة عرطوز وحتى الزبداني، وتقريبا جميع قرى وادي بردى، ومن الشرق سيطر الجيش الحر على جوبر وبرزة وجميع المناطق القابعة خلفها.. وكذلك أغلب مناطق القلمون كانت كلها تحت سيطرة الجيش الحر.
ولازلت أذكر حديث فايز سارة الذي زار باريس قادما من دمشق منتصف العام 2013، قال وسط دهشة الحضور، كان النظام ساقطا وفقا لخريطة سيطرة الجيش الحر في دمشق، لكنه لا يفهم ما الذي منع سقوطه فعليا.. !!
فما الذي منع سقوط دمشق في تلك الفترة وسقوط النظام معها ...؟
انتهيت في المقال السابق، الذي كان بعنوان "وداعا أيتها الثورة"، عند معلومة أنني كنت قريبا من المجلس العسكري للمنطقة الجنوبية، وذلك في الفترة من الشهر التاسع في العام 2012 وحتى نهاية العام.. والأهم من ذلك أنني كنت قريبا جدا من الأرض، إذ كنت أدير مكتبا إعلاميا يراسله أكثر من 250 ناشطا إعلاميا، متواجدين في كل مكان من هذه المنطقة تقريبا، إضافة إلى أنني كنت على صلة بقادة بعض الكتائب هناك وكنت أطلع من خلالهم على كل شيء وحتى على نوعية الأكل الذي يأكلونه..
في أول حوار لي مع المقدم الشهيد "ياسر العبود"، أبو عمار، رحمه الله، وكان يومها أرفع قائد عسكري في المنطقة الجنوبية ويحارب النظام من كل قلبه، قلت له: يا أبا عمار.. إذا أردت أن تتزوج فتاة من حمص، هل تذهب إلى حلب..؟ قد تجد فتاة حمصية في حلب ولكن بعد بحث وعناء طويلين... وهكذا النظام يا أبا عمار، لن يسقط إلا في دمشق ... ما تقومون به عبث.. !!
عند تشكيل المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية منتصف العام 2012، كان "أبو عمار" أبرز المرشحين لقيادته، لكن تم استبعاده وسط دهشة الجميع ..!! فهو موجود على الأرض داخل سوريا، بينما المجلس الذي تم تشكيله موجود في الأردن ... !! قيل يومها إن مهمة المجلس لوجستية بالدرجة الأولى، ووجوده في الأردن يخدم الثورة والأرض أكثر..
لا يهم.. في تلك الفترة الكل كان على اطلاع، أن أول عمل قام به المجلس العسكري الجديد، هو محاربة أبي عمار ومحاولة التقليل من شأنه ودوره، وساهم في ذلك أيضا التيارات الإسلامية التي كانت البديل الحقيقي عن دعم المجلس العسكري، فهي أيضا حجبت عنه كل مساعدة.. وبات أبو عمار يعمل ويحارب النظام بالغنائم فقط ... !!
على مستوى موازٍ، كانت كتائب الجيش الحر في المناطق المحيطة بدمشق تحقق انتصارات نوعية وتطرد النظام بمنتهى السهولة، وفجأة وجدت نفسها تسيطر على حي الميدان الدمشقي، غير مصدقة لما يحصل لها، واعتقدت في البداية أن ذلك كمين من قبل النظام من أجل أن يطبق عليها ويحاصرها.
أحد القادة الميدانيين الذين سيطروا على حي الميدان، وكان نقيبا منشقا من حمص، قال لي بالحرف: عناصر حواجز النظام يهربون أمامنا مثل الجرذان وحتى بدون أن نهجم عليهم.. إنني أرى القصر الجمهوري من موقعي.. السيطرة عليه وعلى كامل دمشق لا تستغرق أكثر من ساعتين ... !! هذا الكلام كان في الشهر التاسع أو العاشر من العام 2012..
قلت له: وما الذي يمنعكم...؟
رد: ليس لنا حاضنة شعبية في دمشق ... نكاد نموت من الجوع ... ونريد تنسيقا على مستوى أعلى من أجل أن نحمي ظهورنا، فهي مكشوفة في حال سيطرتنا على دمشق. باختصار، نريد دعما من كل النواحي بما فيه الدعم السياسي ... نحن مجموعة مقاتلين "على البركة"، وأغلب عناصر الكتائب من المتطوعين والمتحمسين ممن لا يحسنون سوى القتال ببسالة فقط.
علم المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية بانتصارات الكتائب وتعرف على مطالبهم، فقام باستدعاء قادتهم إلى الأردن، من أجل التنسيق ومدهم بما يحتاجون.
وبالفعل جاء القادة في تلك الفترة إلى عمان، وهو ما أتاح لي اللقاء معهم بشكل مباشر، وحتى أني دعوتهم على الغداء، وكنت أعرف أغلبهم من خلال التواصل عبر "سكايبي" أو الهاتف..
طلبوا وقتها من المجلس العسكري، أن تكون زيارتهم لمدة يومين فقط، لأنهم لا يستطيعون أن يتركوا عناصرهم، فهم لا يحسنون التصرف.. لذلك يجب أن تكون كل الخطط وأدوات الدعم متوفرة، للعودة سريعا إلى سوريا...
للأمانة، لم يكن المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية، حرا ... فهو ارتبط بدون إرادته، شأنه شأن التيارات السياسية، بأجندات الدول الصديقة للثورة ... !! وكانت اللعبة التي تحاك حوله أكبر منه بكثير.. وأنا أجزم أن قادته كانوا صادقين عندما استدعوا قادة الكتائب في دمشق، من أجل دعمهم، فهم تلقوا وعودا من أطراف أخرى صديقة بضرورة التنسيق قبل الهجوم على دمشق... لكن هذه الأطراف أخذت تماطل.. وأذكر أنني بعد أكثر من شهر التقيت بهؤلاء القادة وهم ينتظرون الدعم... وعلى ما أعتقد أنني غادرت الأردن نهاية العام 2012 وكانوا لازالوا هناك.. خلالها بدأت قوات النظام تستعيد السيطرة على المواقع المتقدمة التي وصل إليها الجيش الحر في دمشق، بالإضافة إلى أنها قامت بعمل تحصينات وحواجز داخل دمشق كانت أشبه بقلاع إسمنتية... لقد جرى كل ذلك خلال تواجد هؤلاء القادة في الأردن.. ومع بداية العام 2013، كان الحديث عن سقوط النظام أمرا مفروغا منه من الناحية العسكرية، ولكن من الناحية السياسية والمدنية لم تكن البنية مهيأة، لذلك جرى العمل سريعا على استيلاد "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، وسارعت الدول إلى الاعتراف به، بما فيها أمريكا... وهو ما زاد من يقين المعارضة السياسية والعسكرية بأن المجتمع الدولي قرر إسقاط النظام دون رجعة، لهذا استرخى الجميع بانتظار ما سيقوم به الائتلاف الوطني من خطط لاستلام السلطة مكان النظام... لكنها كانت فترة من أشد فترات الثورة سوداوية.. فقد تبين أن الائتلاف الذي رأسه معاذ الخطيب بداية، كان شديد الرخاوة في التعامل مع الكتائب التي تحاصر دمشق.. بل إن معاذ الخطيب رفض إطلاقا فكرة الهجوم العسكري على دمشق، وقام على الفور بالحديث عن الحل السياسي وإسقاط النظام عبر المفاوضات.. أو أنه اعتقد أن النظام سيقوم بتسليم السلطة بسبب موقف المعارضة القوي التي باتت تسيطر على نحو 70 بالمئة من سوريا.. لم يطل الأمر كثيرا حتى استعاد النظام قوته بمساعدة حلفائه من الإيرانيين وحزب الله .. أخذ يزيد من تحصيناته حول دمشق إلى أن أطبق الخناق على المعارضة وحاصرها في أمكنتها ثم أخذ يفاوضها على الركوع أو الجوع...
ما أريد أن ألخصه من العرض السابق، سؤال لطالما كان يخطر على بالي، وسألته عدة مرات، في معرض انتقادي للموقف الدولي من إسقاط دمشق وتذرعهم بعدم وجود البنية السياسية الجاهزة.. السؤال هو: كان لدينا المجلس الوطني ممثلا شرعيا للثورة.. فما الداعي للائتلاف...؟!
*فؤاد عبدالعزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية