واصل مؤتمر "الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي" أعمال يومه الثاني في العاصمة القطرية الدوحة، وقدم خلاله الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات "نيروز ساتيك" مداخلة بعنوان "تموضع الجيش في السلطة في سورية (2000 – 2011)".
وأوضح "ساتيك" أن الجيش السوري تشكّل في الزمن الاستعماري للمنطقة العربية، ولم تفلح الدولة الوطنية في تحريره من الأفكار الكولونيالية نسبيا، لافتا إلى أن "الجيش أمسك بالسلطة في سورية، وأعاد ترسيخ الرؤى الاستعمارية للمجتمع السوري. لكنّه اندمج على نحوٍ متتابع في السياسات النيوليبرالية، وازدادت السلطة في سورية انتشارا وأصبح من الصعب الإمساك بها، حتى وصلت إلى مؤسسات الجيش ذاته. فانقسم الضباط ما بين ضباط سلطويين فاعلين وضباط رسميين مُراقبين في مؤسسة عسكرية مقيدة بالتقاليد الاستعمارية".
وجرت أعمال اليوم الثاني من المؤتمر على مسارين مزدوجين في الآن نفسه، فقدمت أوراق بحثية متنوعة في ست جلسات جرت كل اثنتين منها بالتزامن في قاعتين منفصلتين، وشملت الجلسة الأولى موضوعي: "الجيش والقوى غير النظامية"، و"الجيش والسلطة في حالات الجزائر وسورية والسودان".
وفي مداخلة بعنوان "الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية"، قال الباحث "نوري ادريس" إن الجيش الجزائري هو مركز القرار والسلطة في النظام الجزائري، حتى وإن لم يأخذ شكل الديكتاتورية العسكرية. وأرجع ذلك لأسباب تاريخية متعلّقة بالأوضاع التي نشأت فيها الدولة الوطنية الجزائرية، بعد حرب تحرير خاضها جيش التحرير الذي أصبح نواة الجيش الدولة.
وأضاف "ادريس" أن الجيش استطاع أن يحتكر السلطة، ويتحكم في طريقة توزيعها والأدوات التي تعيد إنتاجها، سواء كان ذلك خلال مرحلة الأحادية الحزبية (1962- 1989)، أو بعدها.
وناقشت الجلسة الثانية في مسارها الأول موضوع "الجيش والقوى غير النظامية" مركزة على الحالة السودانية، فيما تطرق المشاركون في المسار الثاني لموضوع "مشكلات العلاقة بين الجيش والانتقال الديمقراطي في بلدان المغرب العربي: تونس، وليبيا".
وتابعت الجلسة الثالثة دراسة الموضوع الثاني للجلسة الثانية مع التركيز على الحالة الجزائرية، فيما تناول المسار الثاني موضوع "مواقف المؤسسة العسكرية من الثورات العربية ومسائل إصلاحها".
وافتتح الباحث وأستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس "زولتان براني" أعمال اليوم الثاني من المؤتمر بمحاضرة عن الجيش والديمقراطية، حدد فيها المبادئ الرئيسة التي تمنح أي جيش وصف "الديمقراطي"، على الرغم من أن صفة الديمقراطية لا تتفق تماما مع طبيعة تنظيم الجيوش داخليا.
وقال "براني" إن الجيش هو المؤسسة الأقل ديمقراطية بين مؤسسات الدولة جميعها، بحكم طبيعته والقواعد التي تسيره، إذ تحكمه التراتبية والأوامر، ولا مجال فيه لتطبيق آليات الديمقراطية.
وأكد أن الجيش هو مؤسسة الدولة الوحيدة القادرة على تدمير الدولة، موضحا أن هناك مبادئ تمنح الجيش وصف "الديمقراطي" عند إقرارها وتطبيقها.
ويعرف الجيوش الديمقراطية بأنها الجيوش التي تقبل الحكم الديمقراطي وتسانده وتحميه.
وأول المبادئ التي تؤسس للجيوش الديمقراطية، حسب المحاضر، هو خضوع الجيش لسلطة مدنية، ولكن "براني" يرى أن هذا المبدأ ليس كافيا بهذا الشكل، مستعرضا أمثلة عن تحكم مدنيين في الجيوش من دون أن تتحقق الديمقراطية، إذ كان "ستالين" متحكما في الجيش الأحمر، لكن الاتحاد السوفييتي كان أبعد ما يكون عن الديمقراطية خلال فترة حكمه.
وعليه يرى المحاضر ضرورة أن يكون تحكم المدنيين في الجيش عبر تقاسم بين السلطة التنفيذية، فيكون الرئيس مثلا هو القائد الأعلى للقوات المسلحة والسلطة التشريعية بأن يلعب البرلمان دورا في الرقابة والتشريع بشأن أدوار الجيش وموازنته.
ولذلك تعتمد الأنظمة الديمقراطية وجود لجنة للدفاع بين اللجان البرلمانية تتكفل بمناقشة ومساءلة الحكومة والجيش بشأن كل القضايا المتعلقة بالمؤسسة العسكرية.
ويفضل أن تضم بعضا من الأعضاء ذوي الخلفية العسكرية وتستعين بالمستشارين والخبراء في المجال العسكري.
ويشدد "براني" على ضرورة شفافية موازنات الدفاع إلى أقصى حد ممكن باستثناء بعض المصروفات التي تقتضي البقاء سرية.
والمبدأ الثاني هو أن تحدد الدساتير والقوانين تنظيم الجيوش والرتب والقيادات، وآليات الرقابة والمحاسبة والجهات التي تقوم بها. مثلما يجب أن تحدد مهام الجيوش بدقة خصوصا ما تعلق منها بالتدخل داخليا، فالعديد من الدول تمنع في دساتيرها وقوانينها أي تدخل للجيش باستثناء تقديم المساعدة في حالات الكوارث.
والمبدأ الثالث هو عدم السماح للجيش بأي تدخل في السياسة، وتذهب بعض الأنظمة الديمقراطية في تطبيق هذا المبدأ إلى منع العسكريين حتى من المشاركة بالتصويت في الانتخابات.
وعلى الدرجة نفسها أيضا يرى "براني" أن الجيوش الديمقراطية تلتزم بمبدأ عدم التدخل في النشاط الاقتصادي، فلا يكون للجيش مؤسسات اقتصادية، كما يمنع أفراده من امتلاك الشركات أو القيام بأنشطة اقتصادية أثناء الخدمة.
ويؤكد المحاضر على أهمية وجود مستشارين وخبراء عسكريين مستقلين تستفيد من خبراتهم الحكومة والهيئات الرقابية والتشريعية وكذا وسائل الإعلام، بما يمنح الرأي العام أدوات استيعاب وتقييم عمل الجيوش والمؤسسة العسكرية.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية