"ابحث عن اسمك": حديث الأرقام وما وراءها.. جولة في لوائح نصف مليون مطلوب لجيش النظام

• يشكل المستنكفون في عام 2012 فقط "جيشا كاملا"
• تضم المذكرات أطفالا تحت سن التكليف، وشيوخا تجاوزوا سن الخدمة، أحدهم عمره 79 عاما
• النظام الذي كان يشكو تخمة التجنيد حتى اندلاع الثورة بات يعاني تدهوره إلى مستوى رهيب
• تثبت اللوائح أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين اختاروا البقاء خارج محرقة الدفاع عن آل الأسد
أظهرت إحصاءات أجرتها "زمان الوصل" على لوائح المطلوبين للالتحاق بجيش النظام، أن جنوب سوريا ووسطها يتقدمان في نسبة "الذكور" المستنكفين عن الانضمام لهذا الجيش، وأن نسبة "المتخلفين عن السوق" في مناطق الساحل هي الأدنى على الإطلاق.
وأشارت الأرقام المستخرجة من لوائح تضم 506 آلاف و164 مطلوبا، أن المطلوبين للالتحاق بجيش النظام من قبل دائرة تجنيد المنطقة الجنوبية، يشكلون 30% من إجمالي المطلوبين، وبواقع 153 ألفا و169 شخصا.
*الوسطى ثانية، لكنها الأولى
وتنقسم سوريا "تجنيديا" إلى 5 مناطق، تتولاها 5 دوائر، أكبرها على الإطلاق "دائرة تجنيد المنطقة الجنوبية"، التي تشرف على شؤون التجنيد في 5 محافظات هي: دمشق، ريف دمشق، درعا، القنيطرة، السويداء.
وتنضوي محافظتا حمص وحماة تحت "دائرة تجنيد المنطقة الوسطى"، ومحافظتا حلب وإدلب تحت "دائرة تجنيد المنطقة الشمالية"، واللاذقية وطرطوس تحت "دائرة تجنيد المنطقة الساحلية"، أما "دائرة تجنيد المنطقة الشرقية" فتضم محافظات: دير الزور، الرقة، الحسكة.
وإذا كانت المنطقة الجنوبية حلت أولا في عدد المستنكفين عن الانضمام لجيش النظام، فإن المنطقة الوسطى (حمص وحماة) هي الأولى بلا منازع في عدد المستنكفين قياسا إلى عدد السكان، حيث بلغ عدد المطلوبين لصالح دائرة تجنيد المنطقة الوسطى 120 ألفا و165 مطلوبا، وهي تشكل نسبة 24% من إجمالي اللوائح.
وعطفا على أن المنطقة الجنوبية تضم أكبر التجمعات السكانية وأضخمها على مستوى سوريا (دمشق وريفها)، فضلا عن المحافظات الثلاث المتبقية، بينما لاتضم الوسطى سوى محافظتين، يتضح أن أبناء المنطقة الوسطى هم الأكثر استنكافا عن الانخراط في صفوف قوات النظام.
ويشكل "المتخلفون عن السوق" في المنطقة الشمالية (حلب وإدلب) ما نسبته 21% من إجمالي المطلوبين في اللوائح، وبواقع 108 آلاف و123 مطلوبا، يليهم -من حيث العدد والنسبة- أولئك المنضوون تحت لواء "دائرة تجنيد الشرقية" بمحافظاتها الثلاث، وهم يناهزون 41 ألفا مستنكفا، بنسبة تقارب 8%.
ويأتي المستنكفون من المنطقة الساحلية (اللاذقية وطرطوس) في آخر الترتيب، وبواقع 24 ألفا و292 مطلوبا، يمثلون ما نسبته 4.7%.
واللافت في اللوائح أنها تضم أسماء 10 آلاف و854 فلسطيني، مطلوبين من قبل شعبة تجنيد فلسطين ( التابعة لدائرة تجنيد المنطقة الجنوبية)، وهذا الرقم يدلل على أن نسبة كبيرة جدا من الشباب الفلسطيني في سوريا اختارت وضع نفسها خارج محرقة الدفاع عن آل الأسد، ورفضت تصديق كذبة الانضمام إلى "جيش التحرير الفلسطيني" الذي لم يعد منذ سنوات طوال سوى ذراع لجيش النظام وتشكيل محلق به ويعمل لخدمته، وقد تعززت هذه التبعية وظهرت بشكل أجلى في السنوات الأخيرة (سنوات الثورة).
وخلافا لكل فلسطيني الشتات في جميع أنحاء العالم، فإن الذكور الفلسطينيين في سوريا عليهم أداء الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف "جيش التحرير الفلسطيني" الذي لم يعد له من اسمه أي نصيب، وتحول إلى فرقة في جيش الأسد، يشاركه قصف وقتل السوريين، كما وثق ذلك جنود من "جيش التحرير" بأنفسهم.
*عام الذروة
تدل الأرقام المستنبطة من لوائح المطلوبين للانخراط في جيش النظام والتي تغطي الفترة من 2011 حتى 2014، أن عام 2012 كان عام الذروة في عدد مذكرات "التخلف عن السوق"، حيث أصدرت شعب التجنيد المختلفة خلال هذا العام وحده ما عدده 231 ألفا و481 مذكرة، تشكل نسبة 46% من إجمالي المطلوبين في اللوائح.
ويمثل عدد المستنكفين في عام 2012 "جيشا كاملا" بمفرده، وهو يشير بوضوح إلى أزمة "التجنيد" المزمنة التي يعيشها النظام، والتي كان من بعض تداعياتها الاحتفاظ (عدم تسريح) بدورات عسكرية سابقة حتى الآن، ومن أشهرها الدورة 102 التي دخلت السنة السابعة في الخدمة، وكانت تستحق التسريح منذ أواخر عام 2011!.. هذا فضلا عن ما لحقها من دورات.
ويأتي عام 2013 ثانيا بالنسبة لعدد مذكرات المطلوبين، إذ صدرت في هذا العام وحده 143 ألفا و481 مذكرة، بنسبة تعادل 28% تقريبا من إجمالي المذكرات، وهي نسبة لا تزيد سوى بنحو 4% عن نسبة المذكرات التي شهدها عام 2011، وبعدد يناهز 120 ألف مذكرة.
أما بالنسبة لأعمار المستنكفين عن الالتحاق بجيش النظام، حسب المواليد، فإن المطلوبين من مواليد التسعينات (من 1990 حتى 1998 تحديدا) يمثلون أعلى نسبة بواقع 58%، مع أعداد تقارب 293 ألفا من إجمالي المستنكفين (506 آلاف).
ويمثل مواليد التسعينات النسبة الأعظم من "الخزان التجنيدي" الذي يعتمد عليه النظام في السنوات الأخيرة، بحكم دخولهم "سن الخدمة"، إلى جانب مواليد عقد الثمانينات (1980 حتى 1989) الذين تقارب نسبتهم 33% من إجمالي "المتخلفين"، وبعدد يناهز 168 ألفا.
واللافت أن مذكرات التخلف عن السوق، شملت طفلا كان من مواليد 1998 (جرى تسطير مذكرة البحث بحقه في 2012 أي عندما كان عمره 14 سنة)، كم إن هناك طفلين آخرين من مواليد 1997 (سطرت مذكرة منفصلة بحق كل واحد منهما، عام 2012 و2013 عندما كان عمرهما 15 و16 سنة).
أما فيما يخص مواليد العقود السابقة، فتتوزع أرقامهم ونسبهم على الشكل التالي:
• مواليد السبعينات (من 1970 حتى 1979)، بعدد 41 ألفا و197 مطلوبا، يمثلون نسبة 8% تقريبا.
• مواليد الستينات (من 1960 حتى 1969)، بعدد 946 شخصا، وبنسبة 0.18%.
• مواليد الخمسينات من (1950 حتى 1959) بعدد 100 شخص، وبنسبة 0.019%.
• مواليد الأربعينات (من 1940 حتى 1949).. لايوجد.
• مواليد الثلاثينات (من 1930 حتى 1939) شخص واحد فقط (من مواليد 1933).
ومن غير المعلوم سبب احتواء القوائم أناسا يتجاوزن الحد الأقصى لسن التجنيد (42 عاما)، سواء من مواليد عقود الستينات أو الخمسينات، ممن كانت أعمارهم زمن إصدار المذكرات تتراوح بين 52 و62 عاما، وصولا إلى عجوز على أبواب الثمانين من عمره (وهو رجل من ريف حمص، صدرت المذكرة بحقه عام 2012، أي عندما كان عمره 79 عاما).
*حقيقة "المكرمات"
تحمل الأرقام الخاصة بلوائح المستنكفين مؤشرات واضحة على تدهور القدرة التجنيدية لقوات النظام، هذا إذا ما تم أخذ هذه الأرقام بمفردها وبمعزل عن سياقها، أما إذا ما تم استعراض السياق "التاريخي" القريب للوضع التجنيدي في سوريا، فإن اللوائح تكشف عن واقع كارثي للغاية يعانيه جيش النظام على مستوى الكفاية البشرية.
فمنذ 2005 وحتى ربيع 2011، طبق بشار الأسد بنفسه سلسلة "تخفيضات" على سنوات الخدمة، كان إعلامه يروج لها بوصفها "عطاء" و"مكرمة"، وباعتبارها تجسيدا لـ"مسيرة الإصلاح"، ولكن الحقيقة أن النظام كان يعاني تبعات ما سماه "فائضا" في التجنيد، كما ورد على لسان مدير التجنيد العام (سنة 2007 تحديدا)، وكان عليه أن يخفف أعباء هذا "الفائض" عبر تقليل مدة الخدمة الإلزامية، بشكل متلاحق؛ ليوفر على الخزينة، وليحد من تكدس الجنود والضباط في الثكنات والدوائر العسكرية.
ففي عام 2005 أصدر بشار مرسوما بتخفيض مدة الخدمة الإلزامية من 30 شهرا إلى 24 شهرا دفعة واحدة، ثم أتبعها بالمرسوم 30 في عام 2007 الذي حوى عدة تعديلات جوهرية على قانون "خدمة العلم"، وأهمها فتح الأبواب أمام حالات كثيرة لدفع البدل النقدي، فضلا عن تخفيض السن الأقصى للخدمة من 52 سنة إلى 42 سنة، وكل ذلك بهدف تقنين تدفق السوريين إلى الجيش، والاستعاضة عن تدفقهم "الشخصي" بتدفق أموالهم.
وفي سنة 2008 عاد النظام ليخفض مدة الخدمة الإلزامية من 24 شهرا إلى 21 شهرا، ثم عمد بشار النظام –وللمفارقة- وبعد يوم واحد فقط من انطلاق شرارة الثورة في درعا.. عمد إلى تخفيض مدة الخدمة مجددا لتغدو 18 شهرا فقط، وذلك بموجب المرسوم 35 بتاريخ 19 آذار/مارس 2011.
وتؤكد سلسلة التخفيضات المتعاقبة، إلى أن النظام كان مطمئنا -وحتى قيام الثورة- إلى متانة وضعه التجنيدي، بل إنه كان يشكو من "التخمة" في هذا الشأن، لاسيما أن سوريا بقيت في طليعة دول العالم بمعدل النمو السكاني؛ ما جعل الملتحقين بالقوات المسلحة في كل دورة يفوقون قدرة النظام على تحمل أعبائهم، وهو ما حاول النظام محاصرته بمراسيم متلاحقة.
*كفة لا يمكن تعديلها
هذا "الفائض" الذي كان النظام يشكو من تسارعه، ويسعى للسيطرة عليه، انقلب بعيد اندلاع الثورة بأشهر إلى تباطؤ فانكماش فتدهور،دفع بشار ونظامه لإصدار القوانين والمراسيم والتعليمات الشفيهة، بجانبها الترغيبي والترهيبي، سعيا وراء "موازنة" الكفة بين معدل الانشقاقات والقتلى والاستنكاف من جهة، وبين معدل الالتحاق من جهة أخرى، لكن كل تلك الخطوات التي اتبعها النظام باءت بفشل كلي أو جزئي، وبقيت الكفة الأولى راجحة وبشكل كبير، مقابل اختلال رهيب في معدل الالتحاق، لم يستطع النظام تداركه، ولا يبدو أنه سيستطيع.
وضمن هذا الإطار، أصدر النظام مراسيم "عفو" متعاقبة، عمن يسميهم "الفارين" و"المتخلفين" لكن دون جدوى، وليس أدل على عبثية تلك المراسيم من إصرار النظام على تكرارها، إذ لو حصل على "النتيجة المرجوة" من المرسوم الأول، لما اضطر إلى إصدار المرسوم الثاني، فالثالث، فـ....
وعلاوة على ذلك، فإن الواقع الذي يجسده الاحتفاظ بدورات عسكرية متلاحقة، استحق تسريحها منذ سنوات، يعد الدليل الأصلب على تراجع القدرة التجنيدية إلى مستويات خطيرة، ربما يشير إليها تكاثر المليشيات الطائفية التي استقدمها النظام من كل حدب وصوب وزجها ضمن قواته، حتى صار وجودها مصدر سخرية من تركيبة "الجيش العربي السوري"، الذي غدا "تشكيلة" أفغانية إيرانية عراقية لبنانية.. إلخ.
وأخيرا، ورغم كل مطالبات جنود النظام من الدورات القديمة بالتسريح، ومناشداتهم المتكررة لبشار وأركان حكمه، فقد صمّ النظام أذنيه عن ذلك، تحت ضغط ضعف الالتحاق، كما صرح أحد أعضاء "مجلس الشعب" علنا ودون مواربة، حين قال إنه لا يمكن لأي قائد عسكري موجود على جبهات القتال أن يبدي استعداده للتخلي ولا عن 10 من عساكره.
وتابع العضو الذي كان يتكلم على شاشة محطة تابعة للنظام، شارحا: "إذا سألنا أي ضابط ميداني هل تستطيع أن تتخلى أيها القائد الميداني عن 5 من العسكريين لديك من الدورة 102؟!، سيقول ابعثوا لي غيرهم"، قبل أن يعقب بصراحة: "لا يوجد حتى الآن التحاقات تسد هذا العدد".
ايثار عبدالحق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية