كنت أول صحفي يصل إلى الأردن هاربا من بطش النظام في سوريا مطلع العام 2012، وهو ما أتاح لي فرصا كثيرة للعمل مع جميع تيارات الثورة في آن واحد.. بحكم "القلة" طبعا.
وكانت التيارات الدينية أول من تلقفتني للعمل معها، يومها جلس معي أحد مشايخهم، ولم يعجبه منظري وهو يراقب دخان سيجارتي يتطاير أمام وجهه .. فقلت له مدافعا عن بضاعتي: اسمع يا شيخ .. بإمكانك ان تعتبرني بلاّط أو نجار باطون .. إذا أردت أن تبني بيتا، أيهما تفضل أن يكون عمالك من رجال الدين أم من المهنيين ..؟ فرد: بكل تأكيد من المهنيين.. - إذا لا تشغل بالك بسيجارتي .. فأنا بدونها، وحياتك، لن أكون صحفيا .. !! وهكذا جرى الاتفاق بيننا دون أن يتعرض لي أحد، وعلى مدى ستة أشهر من عملي معهم، ولو بموعظة واحدة .. وبالنسبة لخريطة تيارات الثورة السورية التي كانت تعمل من الأردن، كان هناك تنافس شبه خفي بين التيار الديني والتيار العسكري ممثلا بالجيش الحر، للسيطرة على الثورة، لكن سرعان ما تحول هذا الصراع إلى مكشوف، عندما استطاع العسكر الحصول على الدعم والاعتراف بعد منتصف العام 2012، بينما كانوا في البداية تحت رحمة أهل الخير من أبناء الثورة وبالذات من التيارات الإسلامية.
ولا بد من الإشارة إلى أن التنافس بين التيار الديني والتيار العسكري، كانت عناصر قوته لمن يستطيع أن يؤمن الإمداد بالسلاح لكتائب الجيش الحر في الداخل .. وعندما استأثر المجلس العسكري بهذه الميزة، استطاع أن يتفوق على التيار الديني وكاد أن يعزله في فترة من الفترات لولا تراجع الدعم ولولا أن التيارات الدينية غيرت من استراتيجيتها في تبني الثورة. أهم استراتيجية اتبعتها التيارات الدينية كانت مغازلة عواطف الناس ومن ثم جعلت المساعدات الإنسانية مشروطة ضمن تجمعات هي أنشأتها في الداخل ودول اللجوء، وقامت بمنح هذه المساعدات لمن ينضوي داخل هذه التجمعات، إضافة إلى أن هناك قضية على درجة كبيرة من الأهمية وهي التجمعات المدنية التي أنشأتها المعارضة السياسية، كالمجالس المحلية، وهي تجمعات لم يهتم بها التيار العسكري، ما أفقده الكثير من جماهيريته، ناهيك عن أن الخطوة القاصمة في حسم السيطرة بين التيار العسكري والديني، لصالح الأخير، كانت بشكل نهائي عندما استطاع الإسلاميون أن يشكلوا كتائب عسكرية خاصة بهم ويؤمنوا الدعم والاستمرارية لها، الأمر الذي أضر كثيرا بكتائب الجيش الحر، وأصبح عناصرها يتسربون إلى الكتائب المدعومة من التيارات الإسلامية، كونها كانت تدفع لهم بشكل مستقر وغير مطلوب منهم سوى الالتزام بالفروض الدينية... !! بالنسبة للعيان، كان يبدو هناك تقاسما للنفوذ والسيطرة بين التيار السياسي والتيار العسكري في الثورة، لكن على أرض الواقع هذا الأمر لم يستمر سوى حتى نهاية العام 2012 عندما حسم تولي معاذ الخطيب لرئاسة الائتلاف الصراع لصالح التيار السياسي وتحقيق الغلبة فيه للتيار الإسلامي ... لهذا كانت انتفاضة ميشيل كيلو في منتصف العام 2013، في محلها من الناحية النظرية، غير أنه لم يستطع أن يخلق التوازن المطلوب داخل الائتلاف نظرا لأنه استعان بكتلة أغلب أفرادها من الانتهازيين والبعيدين عن روح الثورة.. الأمر الذي قدم خدمة كبيرة للتيار الإسلامي لتحقيق المزيد من التمدد داخل الثورة.
وبالعودة إلى بداية حديثنا، واللقطة الحاسمة، التي كانت نقطة تحول كبيرة، من وجهة نظري، فيما يتعلق بواقع السيطرة الثورية في المنطقة الجنوبية .. ذكرت في البداية أنه حتى نهاية العام 2012، كان للمجلس العسكري في المنطقة الجنوبية، الكلمة العليا على الأرض .. وكانت صيحات "الله محي الجيش الحر" تملأ الآفاق وبجميع الحناجر .. النساء والأطفال وكبار السن ... لكن بعد هذا التاريخ، انهارت مكانة هذا الجيش بالكامل تقريبا.. فما الذي حدث وأدى إلى هذا الهبوط الإجباري ..؟ في الشهر التاسع أو العاشر من عام 2012، وكان المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية، قد بدأت علامات المجد تظهر عليه ... طلب مني التيار الديني الذي كنت أعمل معه، أن أحاول الدخول متخفيا للمجلس العسكري بصفتي صحفيا ... طارحا عليهم خدماتي.. وكان يومها العقيد أحمد النعمة هو من يتولى شؤون هذا المجلس.. الفكرة التي أراد أصحاب التيار الديني الذين كنت أعمل معهم، أن يعرفوها .. هي قدرات وإمكانيات هذا المجلس ومصادر الدعم .. وما إذا كانت هناك شبهة مخابراتية دولية في هذا الدعم ... وبالفعل اتصلت بالعقيد أحمد النعمة.. ففوجئت أنه يبحث عني منذ فترة لكن لم يستطع الوصول إلي.. وبحسب ما أخبرني، كان يريد صحفيا متمرسا من أجل تدريب إعلاميين سوف يعملون داخل قطاعات الجيش الحر وقد أشار عليه أحدهم بالاستعانة بي... وهو ما سهل كثيرا من مهمتي..
اليوم استذكر تلك الأحداث التي لم تكن تلفت انتباهي في حينها، إلا أنه ثبت أنها كانت نقطة تحول مهمة في الثورة فيما بعد ... المهم .. لا أريد أن أطرح المزيد من الأحداث عن تفاصيل المهمة التي قمت بها مع المجلس العسكري في المنطقة الجنوبية ... فهي بكل تأكيد من الأسرار التي لا يمكن الحديث عنها في هذه المرحلة .. لكنني أريد أن أوجز القول .. بأنني بعد تلك المرحلة اتخذت قرارا نهائيا بالرحيل عن الأردن واللجوء إلى فرنسا.. ويومها وسط الكثير من التساؤلات عن سبب قراري المفاجئ والذي لم أكن راضيا عنه بكل تأكيد، قلت عبارتي الأخيرة على أرض الأردن نهاية العام 2012، وأظن أن الكثيرين ممن كانوا حولي في تلك الفترة يتذكرونها، قلت: "النظام سوف يسقط، إلا أن الثورة لن تحقق أهدافها".. فوداعا..
*فؤاد عبد العزيز - من كتاب"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية