أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ثورة "المليحي" و"الفودكا"... فؤاد عبدالعزيز*

رجاء الناصر - ارشيف

في مطلع العام 2013، ربطتني علاقة مناطقية بهيثم مناع، كان للمليحي جزء مهم منها، فالرجل يحب هذه الأكلة ويشتهيها كما لو أنه في حالة وحام مستمر.. بينما لم يكن للثورة إلا جزء بسيط من علاقتنا، حيث اتضح منذ البداية أننا لن نتفق بالرأي حتى لو لم يبق سوانا على وجه الكرة الأرضية.. لذلك قررنا أن نتحدث فقط عن الأكلات الحورانية التراثية، إضافة إلى أنه كان يروي لي بعض النكات العادية ثم يضحك عليها من قلبه كما لو أن أحدهم يدغدغه من تحت "إبطيه".. أو من باطن قدميه. 

أحد المرات دعاني على وليمة "مليحي"، في أعقاب اجتماع في باريس سوف يحضره كل من لؤي حسين وريم تركماني وصالح مسلم ورجاء الناصر المعتقل حاليا لدى النظام، وماجد حبو ومنى غانم ونضال حمادة مراسل تلفزيون المنار في باريس، ومحمد بلوط مراسل صحيفة "السفير" في باريس، ورندة قسيس، وأسامة عبد الرحمن صاحب المرصد السوري لحقوق الإنسان وآخرين لم أعد أذكر أسماءهم.. قال لي يومها بعد أن عدد لي الأسماء: لا بأس أن تأتي على فترة الغداء إذا كنت غير راغب بحضور الاجتماع لكن لا اعتقد أن الأمر سيكون جيدا بالنسبة لك.. 

فقلت له: سوف أحضر الاجتماع وأنا في النهاية صحفي ليس مطلوبا مني أن أحب الأشخاص الذين أجالسهم أو أكتب عنهم، أو أن أكون متوافقا معهم ...

أخبرت في ذلك اليوم أحد الأصدقاء عن الاجتماع، فحذرني على الفور من عدم الحضور، لأن كلامهم سوف يسبب لي الإسهال بحسب قوله.. غير أني فوجئت في يوم الاجتماع بهذا الصديق يجلس داخل القاعة قبل الجميع.. فعرفت أن هناك مفاجأة ما، لأنه عصبي ومتحمس، ويحمل فكرا نقيضا لأفكارهم، ويؤمن إيمانا مطلقا أن هذا النظام لن يسقط إلا بالسلاح، وأننا يجب أن نسقطه حتى لو تحالفنا مع الشيطان... وكان يقول عن نفسه إنه لو لم يكن مقيما في باريس لكان اليوم أحد قيادات الجيش الحر الميدانيين. 

افتتح هيثم الاجتماع وسلم إدارته للؤي حسين، الذي بدأ على الفور بالحديث عن انحراف الثورة وانجرافها وراء التيار الإسلامي، وأننا يجب أن نمنع الإسلاميين من ركوب الثورة مهما حصل، ثم أخذ يتحدث عن أن إسقاط النظام يجب ألا يكون أولوية وإنما تهيئة مناخ سياسي ووعي ديمقراطي لدى الجمهور من أجل أن يقود عملية تغيير النظام على أسس سليمة.. وما إلى ذلك من هذه الأفكار، كنت أرقب صديقي بجانبي بينما الدم بدأ يغلي في عروقه.. كان يهمس لي بين الفينة والأخرى "هذا علاك كبير"، ومع تطور الحديث والنقاش، أخذ يقول لي "هؤلاء حيوانات" ... ثم فجأة وجدته يقف رافعا يده طالبا الحديث ... حاول في البداية أن يكون هادئا ويتحدث بنفس الطريقة التي يتحدثون بها، ثم توجه للؤي حسين بالقول: كما فهمت من كلامك أننا يجب أن نغير الشعب قبل أن نغير النظام.. في هذه الأثناء كانت منى غانم، لماحة، فالتقطت على الفور أن هذا الشخص يحمل فكرا مغايرا.. فقاطعته بحدة وأخذت تصرخ في وجهه.... فما كان من صديقي هذا إلا أن انفجر في وجوههم..

قال لهم بالحرف الواحد: أنتم خونة .. أنتم تريدون التآمر على الثورة .. لكننا سنقتلعكم أنتم والنظام، ثم بصق عليهم وخرج.. فتظاهر لؤي حسين أنه يطرده من القاعة.

تكهرب الاجتماع والذي انعكس بدوره على وليمة "المليحي" فلم نأكلها كما هو مخطط، كـ"الفجعانين"، بل كان الجميع يسأل من يكون هذا الشخص ومن سمح له بالدخول إلى القاعة ..؟ أما لؤي حسين فقد استل زجاجة "الفودكا" من حقيبته وراح يعب منها كما لم يشرب من قبل .. كان يشرب ويقول: "والله أزعجني هالشب .. ولك كيف دخل ومين سمحلو يدخل"..؟ كان هيثم ينظر إلي من تحت لتحت، وكأنه راوده الشك بأنني أنا من أخبرته بموعد ومكان الاجتماع، لكنه كان الأقل تأثرا بالموقف.. فهو يعلم أن من يخالف رأي المجموع لا بد أن يتعرض لمثل هذه الأمور.. وربما كان يحمد الله لأن الموقف لم يتطور إلى الضرب كما حصل معه ومع عبد العزيز الخير في القاهرة.

خلال استراحة التدخين، كان لؤي حسين وريم تركماني، يؤيدان كلام بعضهما البعض، عندما اقتربت منهما.. فباغتني لؤي حسين قائلا: أنتم لازلتم مراهقين، تريدون إسقاط النظام بالبارودة .. وأيدته ريم تركماني ... 

أخذت أنظر حولي ثم قلت له مازحا: من نحن ... أنا ما دخلني .. أنا أريد أن أغيره بقلمي، ثم ضحكت كما لو أن هيثم مناع روى للتو نكتة من نكاته العادية..

كان تأثير "الفودكا" واضحا على لؤي، حيث أصبح لسانه ثقيلا بعض الشيء، واغرورقت عيناه بالدموع.

من كل المدعوين للاجتماع، لم يرق لي سوى الحديث مع رجاء الناصر.. كنت أعلم مسبقا أن جميع من في القاعة يكرهونه، وكانوا يروجون أنه عميل مخابرات، كونه كان قادما من سوريا، بينما الحقيقة، أن الكره كان بسبب أن الرجل لا يشرب ولا يدخن ويجاهر بالتزامه بالفروض الدينية من صلاة وصيام ... ومع ذلك لم يكن يعترض على أن يمارس كل شخص طقوسه الماجنة كما يشاء، بل كان متقبلا لكل شيء... 

قال لي: "خلال الاجتماع الماضي في إيطاليا مع نفس هذه المجموعة، صادف أنه في رمضان، كنت صائما وهو ما لم يرق لهم.. 

لفت انتباه رجاء الناصر أنه أول مرة يراني في حياته .. فسألني بعد أن عرف أنني لا أنتمي لأفكار هذه "الشلة": ماذا تفعل في هذا الاجتماع ولماذا تحضره .. ؟ قلت له: قد لا تصدق إذا قلت لك إنني قادم من أجل وليمة "المليحي" فقط، فتعثرت بجميع هذه الوجوه الطيبة دفعة واحدة .. فك الله أسرك يا أبا محمود.

*من كتاب "زمان الوصل"
(248)    هل أعجبتك المقالة (216)

يمان

2016-09-19

تلك الأسماء هي من قتلت الشعب السوري وكانت فريق رديف لنظام بشار الأسد.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي