قلما أخذ حال الشعب السوري ما يستحق، من أي جلسة حوار أو مؤتمر أو حتى ثعلبة هدنة، ولو كان له، أقل ما يعاني، من تلك المحافل وفيها، والتي يركز معظمها على شراء الزمن، ربما يأتي الخلاص المزعوم من إدارة جديدة للبيت الأبيض، لربما تغيّر المشهد قليلاً لما فيه الحفاظ على ما تبقى من السوريين، وعلى الصعد كافة، من أطفال بسن التعلم ومن نساء لا تأكلن بأثدائهن ومن شباب يعول عليهم لمستقبل ملبد بالإحباط والمشاكل...ومن المحافظة على من رفض الهجرة أو لم يستطع إليها سبيلا.
وربما عدم إدراج الشعب السوري على لوائح أي اتفاق بيع أو تأجير، يعود أولاً إلى تفرّد موسكو وواشنطن بالقرار السوري، بدليل هدنة الـ48 ساعة التي أعلنت أخيراً بجينيف، ولم يُسأل عنها النظام ولا حتى المعارضة.
وربما أيضاً، لأن العالم استمرأ قتل السوريين وتهجيرهم، للحد الذي دفع الأمم المتحدة منذ عام، للتوقف عن إحصاء القتلى، وتراجع المؤتمرات التي ترعاها، سواء المانحة أو الحقوقية أو حتى الجنائية.
وأيضاً، لأن من سرق تمثيل السوريين، قلما يضع الشعب على طاولة البحث والتفاوض، وإن فعل على المنابر قبيل التفاوض، فمن أجل الاستعطاف أولاً ولكسب شرعية وجوده وتمثيله ثانياً، وسرعان ما يزول الشعب عن ملحقات التفاوض.
قصارى القول: يبدو أن إسقاط النظام السوري بقوة السلاح، أمر محال، والاستحالة لا تأتي لتفوقه أو عديده وعتاده، بل لأن قراراً دولياً متخذاً بعدم الانتصار ولأن حلفاءه، بموسكو وطهران يقاتلون معه وعنه.
ويبدو أيضاً، أن لاحل سياسي، بالأفق المنظور على الأقل، بواقع نأي واشنطن واستمرارها بالثعلبة ورمي موسكو بالمستنقع والواجهة، وتعقيد الواقع بعد دخول كل أصحاب المصالح على الأرض، رغم ما قيل عن "ورقة حجاب" وما يقال عن إمكانية تمديد الهدنة بواقع التزام الأطراف ليبدأ الوصيان، بموسكو وواشنطن ضرب "النصرة وداعش" تمهيدا لحل.
وأيضاً، ثمة مساع دولية وإقليمية، لبقاء بشار الأسد، لمرحلة انتقالية غير محددة الإطار الزماني والصلاحيات، ما يعني تبرئته من كل ما اقترف من جرائم والإبقاء على سبب المشكلة وبالتالي استمرار الصراع، حتى لو صار التقسيم واقعاً على الأرض.
بواقع هذا الانسداد وما يعانيه السوريون من كل أنواع الظلم والتجويع والقتل، يخرج معارضون في المهاجر، من محسوب منهم على المعارضة السياسية الممثلة بالائتلاف أو المجلس الوطني، أو من معارضي وسائل التواصل الاجتماعي، ليقولوا "لا للحل" ويصمتون.
بل وإن تكلم أحدهم، فإنما ليخوّن ويتهم ويشحذ همم وعواطف البسطاء، عبر الطائفية حيناً ونكء جراح الدم والثأرية بقية الأحايين.
بالمبدأ، ولئلا يجلدنا معارضو "فيس بوك" بحمم غلهم ونيران أحقادهم، لا بد من الإشارة إلى أن أي تسوية مع نظام الأسد تبقيه بالسلطة، هي خيانة للثورة وللشهداء ولحلم السوريين...ولكن لهذا الطرح تتمة، أو هكذا يفترض.
بمعنى آخر، كيف للسوريين المواءمة بين رفضهم لبقاء الأسد وضرورة محاكمته وآله وصحبه المجرمين، وبين الواقع الدولي المناصر للأسد وبين أن الشعب السوري هو وحده من يدفع ثمن العهر الدولي، من دمه وعرضه ومصيره.
خلاصة القول: دونما تقليب صفحات الماضي الآن، الواجب تقليبها ولاشك بمرحلة ما للمحاسبة والقصاص، سواء ما يتعلق بسراق الثورة وعملاء السفارات ومراهقي السياسة، يبدو السؤال عن كيفية حقن دم السوريين ووقف نزيف الانتهاك والهجرة، بعد التأكد وبالمطلق، فإن هذا الهم الوطني هو آخر اهتمامات نظام الأسد الوريث، الذي لا تربطه بالأرض والشعب، إلا سلطة وسرقة واستقواء، والتأكد وبالمطلق أيضاً، أن ثمة معارضين، يؤثرون كما الأسد وربما أكثر، على عدم إيجاد حل، لأن وجودهم كما وجوده، يتأتى من الظلم والحرب والدم...وغياب أي توصيف للكفاءات.
وكلا الفردتين -نظام ومعارضة منتفعة- مطلب الدول المتحكمة بالمصير السوري، لأنها تجد في هكذا نفعيين ضالتها، إن بتعميق الأزمة ليبدو التقسيم حلا وحيداً، أو باستمرار الصراع، إلى يوم يبعثون.
ربما بلحظة نزق تتجلى خلالها صور الدمار والدم وحقد هذا النظام على الشعب، لا يقفز على الذاكرة من حلول، سوى الاستمرار بمقارعة النظام بالقوة، لأنه لا يفهم إلا بها ولا يمكن أن يجنح لأي حل سياسي، لأن الحل ببساطة سيقوده إلى السجن أو المقصلة.
لكن واقع الحال، موضوعياً كما أسلفنا، بعد دخول الكبار إلى الأرض، ونزيف السوريين، نفسياً ومالياً وحتى أخلاقياً، يستدعي من العقلاء النبلاء لفت الانتباه والدعوة لهدنة السوريين مع أنفسهم، لإعادة ترتيب الأوراق وتنظيف الثورة التي طالت لحاها ولمت من الغبار ما يجعلها أبد الدهر تراوح مكانها.
أعتقد أن البحث عن حل، يوقف الدم ويعيد التقاط الأنفاس والتئام الجراح ولمّ شمل الأسر السورية، بعد الذي حل لبعض المدن الطيبة التي يساق أهلوها قرابين للمتاجرين، بات مطلباً وطنياً وملحاً، لأن الاستمرار بالشعاراتية والخطابية، خيانة لسوريا والشعب والإنسانية.
ولن أقترح أي حل لأني لا أسمح لنفسي بالوصاية عن الشعب أو الإنابة عن أولياء الدم أو هتك العرض...كما لا تسمح لي -نفسي- أن أتاجر بالدم والعرض والمصير، وأنا أتقاضى الدولار وأجلس تحت المكيّف بعاصمة تدعي صداقة الشعب السوري.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية