ربما، قلت ربما، لا يطول الوقت، لنسمع أو نقرأ "حماة صديقة" أي تم تحريرها على أيدي الثوار، من قوات الأسد والميلشيات المساندة، أو انسحابهم تكتيكياً منها، وفق ما بدأ يتعاظم طرحه من ترسيم حدود التقسيم. فبعد الذي حققه الثوار من انتصارات متلاحقة، في الريفين الإدلبي والحموي، من قبيل صوران وطيبة الإمام ومعردس، لتبقى بضع قرى ومناطق، تفصل بين زحف الثوار ومدينة حماة، من قبيل قمحانة من الشمال ومعان وكوكب من الشمال الشرقي، بات تحرير حماة، موضع نقاش أقرب للواقع وربما للإيعاز الخارجي، منه للمحرم وللأماني، كما في السابق.
رغم ثمة آراء تصب في خانة استحالة ترك الأسد لحماة، لما فيها من مواقع مهمة، إن بدأت بالمطار الذي يصب حمم الموت يومياً على الشمال المحرر، ومعامل الدفاع واللواء 47 وقواعد وأسرار جبل زين العابدين، لا تنتهي، عند ما لريف حماة من تنوع طائفي، الأرجح لا يتركهم النظام، حالياً على الأقل، لجهة المتاجرة بهم، على أقل تقدير.
قصارى القول: ثمة سؤالين كبيرين يزجان هنا، وربما دونما سابق تمهيد وإنذار. الأول، هل تحرير حماة ضرورة ثورية تقتضيها المرحلة، إن سياسياً ليقوى صوت المفاوضين ويتعالى سقف مطالبهم، لطالما ثمة اتفاق عام، أن النصر بسوريا ممنوع ولا حل بالنهاية سوى على الطاولة، أو ميدانياً وعسكرياً، لتتسع مساحة سوريا المحررة، بواقع الاستقواء الذي يمارس، وبرعاية دولية على مناطق ريف دمشق الثائرة والتهجير القسري والتغيير الديمغرافي الذي فضحته داريا وستتمم المعضمية وربما سواها، من فصوله الختامية.
أم ترى، السؤال الثاني، ثمة مخاطر من تحرير حماة، أكرر إن سلمنا جدلاً بالسماح بذلك دوليا وإقليمياً، تتجلى في موت وتهجير القاطنين فيها، من أهلها وجوارها، والذين يزيدون عن نيف ومليوني سوري، هذا إن لم يتم ربط سؤال فرعي بهذا السؤال وهو، هل من سيقوم بتحرير حماة يحمل مشروع الثورة والثوار، وسيرفع علم الثورة ويطبق على الأرض أهدافها وهواجس رعيلها الأول الذين ماتوا دونها، كما حصل ويحصل في المناطق المحررة على الحدود السورية التركية بمساندة "درع الفرات"، أم سيعاد سيناريو الأعلام السوداء ومسلسلات الجلد والقمع الذي أساء البعض عبره، لأعظم وأنبل ثورة شهدها التاريخ الحديث.
بعيداً عن المحاولة للبحث عن إجابات، لطالما الأمر مرهون بـ"ربما" يبقى ما تشهده الأرض السورية أخيراً، سواء دخل الثوار لمدينة حماة أو تم فرض واقع الأرض بمنطق القوة على حدودها، تؤكد -المجريات- على ملامح تقسيم سورية، كحل متفق عليه بين من بدأوا رعاة وأصدقاء، وتحولوا لاحقاً لطامعين بكعكة الأرض وإعادة الإعمار.
فمن ينظر للخارطة السورية اليوم، يرى وبوضوح الوجود الروسي بالساحل خصوصاً وبعض السهل والجبل القريب، ويرى الولايات المتحدة بمدن الجزيرة أو بعضها أو القريب منها، وكذا الإيراني بدمشق وريف حمص الواصل لبقاع اللبناني والوجود التركي بالشمال، فضلاً عن نزوع بعض الأطراف السورية لفرض منطق القوة والأمر الواقع، بدوافع نكوصية وشوفونية قومية.
نهاية القول: قلنا حماة لأنها ووفق ما يتسرب، ستكون آخر ترسيم لحدود "سوريا المفيدة" وربما تكون آخر الانتصارات أو المواجهات الحقيقية العسكرية، بين الثوار وقوات الأسد ومناصريه، طبعاً عدا المعركة التي يتم التحضير لها في الجزيرة السورية، والرقة معقل تنظيم "داعش" خصوصاً، لتكون آخر ملامح قتل سوريا والبرهان الأكيد على كامل المسرحية التي سميت مؤامرة، وقادها الأسد الوريث حتى النهاية، ضمن دور وظيفي ضمن بقاءه حتى اليوم، وربما يضمن بقاءه لأجل فيما بعد، ضمن تفاهمات "كيري لافروف" التي انضمت لها أطراف إقليمية، وفق منطق مصالحها التي لا تقترب بأي شكل، من أهداف ومصالح وتطلعات السوريين.
لذا، بما أنه لم يك تحرير حماة حلم الثورة والسوريين، كما لم تقم الثورة لأسباب روحية أو جغرافية، أعتقد أن المناسب الآن، العمل على مسارين الأول أن يعي الثوار والمحررون أن حكم السوريين لأنفسهم بالمناطق المحررة، وتحقيق العدالة الاجتماعية ومنح الحريات، هي كلمة السر بالترحيب باستمرارهم بالتحرير، إن من السوريين الخاضعين لسيطرة الأسد، أو من الخارج الذي يتذرع بأمثلة عن مناطق محررة لم تصبح بأحسن حال بالمقارنة مع ما كانت عليه خلال سيطرة النظام.
وأما المسار الثاني فهو، وعي المفاوضين والساسة السوريين، بصرف النظر عن الرأي بهم وتبعيتهم وكفاءاتهم، لخطورة ما يحضر لسوريا الأم، من كيد وتكالب ومحاولات تمزيق، ليرفعوا من مطالبهم دونما رجوع، وخاصة ما يتعلق بوحدة سوريا كل لسوريا وإسقاط الأسد الذي تسبب بكل ما يعانيه السوريون اليوم.
وإن وجد البعض في المطلب الثاني شيئا من الرغبوية والأماني البعيدة عن واقع الأمر وقوة التدخل الخارجي، فهذا الرأي مرحلي وسيسقط مع الزمن واستمرار الثورة، لأن العالم بأسره يعي أن إعادة إنتاج الأسد أمر محال وتقبل أي سوري له ضرب من الجنون، وبقاء إسقاطه شرط أساس يعيد للثورة ألقها كما يقوي من عزيمة من هم على الأرض، مقاتلين كانوا أو حالمين بالمواطنة والحرية.
عدنان عبدالرزاق* من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية