أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

معسكر "الممانعة" يساهم في خسائر فلسطين الفادحة... ناصر السهلي*

في الكادر صورة الكاتب - ارشيف

على مدار عقود شهدت مدن وقرى في أوروبا، وعموم الغرب، معركة وصراع من نوع آخر بين الناشطين العرب ومؤيدي دولة الاحتلال. كان العرب، ومن بينهم الفلسطينيون، يستغلون كل الوسائل الممكنة، صغيرة وكبيرة، وزيارة شخصيات عربية سياسية فاعلة في مهرجانات وندوات تتحدث للعقل الغربي عن قضيتهم المركزية.

ثمة تراجع خطير في مكانة فلسطين وقضيتها، لا يتحمل مسؤوليته فقط نشاط اللوبي الصهيوني في الغرب.

أحد أهم ملامح الكوارث التي أصابت القضية المركزية، من بين كوارث عدة، خلال السنوات الماضية (تحديدا منذ مارس/آذار 2011) تبدو واضحة في مجالين على الأقل:

أولا، منح دولة الاحتلال ما بات يسمى "تفوق أخلاقي" بإستخدام صريح للقضية الفلسطينية كشماعة تبرير لسفك الدم والانخراط في مقتلة الشعب السوري. وعلى المقلب الآخر وضوح مقاصد طلب المشروعية من الخارج، كما في حالة الانقلابيين في مصر أو بحث طغمة بشار الأسد عن رضا الغرب ووده.
ثانيا، تشويه أدوات النضال الفلسطيني في السعي الدؤوب عند بعض الجماعات (مثل داعش) لتقليدها في استهدافات لا تخدم فلسطين والمسلمين في أوروبا.

ففي الأول، تبدو مساهمة حسن نصر الله واضحة وفجة في خطابات تبريره، وما يسمى حلف الممانعة، في تعال صادم على العقل، بعد أن هللوا للربيع العربي ثم اعتبروه مؤامرة حين وصلت نسائمه إلى سوريا. في خطاب هذا المعسكر يكون الانخراط في قمع إرادة الشعب السوري كـ"حماية للقضية الفلسطينية".

ولا ريب في أن مرجعية هذا الحلف، الغارق أكثر في الدم السوري والفلسطيني -السوري، كما في مخيمات اليرموك ودرعا وحمص وحندرات إلخ، تعود لتصوب نحو فلسطين كمدعاة لكل هذا الفعل الشائن والدموي في بلد لا يمكن بالأصل أن يكون مقاوما وصامدا دعما لقضايا العرب لولا شعبه وليس تحالف عوائل ممسكة برقاب البشر والمصالح المتجاوزة للوطنية نحو تحالفات طائفية ومذهبية.

حزب الله كرر مرارا وتكرارا انحدار خطابه وممارساته، فهو انحدر إلى اعتبار نوري المالكي "ممانعا"، رغم بث سمومه الطائفية حين كان في الحكم عن أن "أحفاد الحسين ويزيد في مواجهة على طول الخط". هذا عدا عن قدومه على الدبابات الأميركية-الإيرانية، وهو موقف فيه تلبيس مذهبي منذ بداية طلب السوريين الحرية والكرامة.

الأقسى فيما يكشفه المشهد السوري، سنة بعد أخرى، تبرير قصف وتدمير المآذن (من دير الزور، مسجد عثمان، إلى المسجد العمري ورفع شعار التأليه لبشار وأخيه ماهر)، وفيه استدعاء للغريزة المذهبية.
فمن غير المعقول أن تكتب للبشر ع
لى جدران منازلها وثلاجاتها، كما حصل في حوران، "ربكن بيسقط وبشار ما بيسقط" ( ربكم يسقط وبشار لن يسقط) أو "الأسد أو نحرق البلد"، وتتوقع منهم الخضوع.

مذهبة المشهد منذ البداية حمل المخاطر التي نراها اليوم كنتاج لم يكن بالإمكان مواجهة مستدعيه، بما أطلقه من يسمون "علمانيي سوريا"، بلاءات برزت أثناء تشكيل هيئة التنسيق في حلبون بريف دمشق 2011: لا للتدخل الخارجي.. لا للطائفية.. لا للسلاح. لاءات أثبت الزمن بأن مروجيها غابوا، وغيبوا أنفسهم، عن حقائق تجري على الأرض، في تغول واضح لمعسكر استداء رسمي لمرتزقة من لون ديني واحد (من أفغانستان وإيران وباكستان إلى العراق ولبنان ومهاجرين حول العالم) مع خلطة عجيبة غريبة بين فاشيين غربيين، من اليونان وإيطاليا وغيرهما، وأدعياء "قومية عربية".. صار البحث عن "طريق القدس" مدعاة للتندر والسخرية عند جيل عربي بسبب ما رآه من عبثية المشهد في سوريا..

في ذهن كثيرين، ظلت أصداء خطابات طلب ود وتأييد تل أبيب، كما في مقابلة رامي مخلوف الشهيرة في ابريل 2011، وشعارات بثينة شعبان في اتهام الفلسطينيين بحراك تظاهري في مخيم الرمل وفي حوران على لسان خالد العبود.

إن طرد أغلبية الفلسطينيين من مخيم اليرموك في ديسمبر 2012 تحت وقع قصف الميغ، واطباق الحصار، باذلال على رغيف الخبز المعلق في مدخل ذلك المخيم جنوب العاصمة دمشق، والتجويع حتى الموت، وتغييب المئات خلف القضبان، وقتل تحت التعذيب، أشارت كلها، إلى جانب انخراط ما يسمى "معسكر المقاومة"، من خلال حزب الله و تنظيمي الصاعقة والقيادة العامة، في ارتكاب موبقات كثيرة حملت كلها مخاطر باتت تتكرس وتتكشف تجلياتها منذ العدوان على غزة في صيف 2014. 

فدولة الاحتلال، التي اعتبرت مرارا وتكرارا بأن الأنظمة الديكتاتورية هبة لها، تشيع في أوساط غربية كثيرة بأنها "أكثر أخلاقية في حروبها من تلك الأنظمة التي لا تعرف حدودا للإبادة البشرية". 

بكل بساطة تسوق دولة الاحتلال "تفوقا أخلاقيا" على حساب الضحية العربي في سوريا وغيرها. ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه العرب هو ما باتت تردده أوساط متصهينة نقابلها يوميا في الغرب: "إسرائيل لاتفعل على الأقل ما يفعله الرئيس السوري بشعبه منذ سنوات... إسرائيل لم تجوع مخيمات الفلسطينيين كما جرى في سوريا.." إلخ مما يسوق في الغرب، وللأسف من بعض "يسار الغرب".

في المسألة الثانية، والتي لا تقل فداحة .. فإن ما شهدته الأشهر الأخيرة، مما يسمى "عمليات عذاب منفردة" على التراب الأوروبي، والتي حملت في أغلبها طابع الدهس (كما في نيس جنوبي فرنسا) واستخدام السلاح الأبيض، بات أحد أهم أسلحة اللوبيات السياسية والإعلامية المؤيدة لدولة الاحتلال.

فالمنصت لما يقوله هؤلاء سيكتشف كم التدمير الذي بات يعتبر المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة "إرهاب تستخدم ذات الأدوات".

المخاطر الكبرى التي ترتكب بحق فلسطين أن بعض مرتكبيها لا يهمهم كثيرا مسألة الرأي العام. فهؤلاء يعتبرونه مسألة ثانوية، وذلك رغم أن الحقائق على مدار التاريخ، في تحولات كثيرة في السياسات استنادا على متغيرات الرأي العام.

حين يرفع الفلسطينيون وأصدقاؤهم حول العالم ضرورة فرض حصار ومقاطعة على المحتل، أسوة بما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقا، فإن الحجج التي يسوقها معارضو هذه الدعوات تستند إلى كم الشعارات الفارغة التي تنطلق من اليمن إلى الضاحية الجنوبية لبيروت عن "الموت لإسرائيل"، بينما الموت لا يحصد سوى أرواح العرب والفلسطينيين في خدمة مشروع طهران.

التشويه الكبير الذي يمارسه أيضا من يستلون أدوات الفلسطينيين البسيطة في المقاومة الفردية، ونقلها إلى حيز تهديد رأي عام غربي يعيش بينه ملايين العرب والمسلمين، هو التشويه القاتل بعينه للمقاومة.

أضف إلى ذلك بأن فصائل فلسطينية كثيرة تصمت منذ 6 أعوام على استلاب اسم فلسطين لتبرير كل هذا القتل باسمها، من سوريا إلى العراق الذي هجرت فيها ميليشيات طائفية ذات الفلسطينيين من البلديات إلى البرازيل، قبل أن يعتبرها نصر الله جزءا من "الممانعة"، والتي تكاثرت بالأصل كالفطر في تربة المحتل الأميركي. وهي فصائل تعيش مأزقا حقيقيا، مع أمناء عامّين مزمنين من اليسار الذي يرى اللاءات الثلاث تحت أقدام وجنازير العسكر في سوريا وفي مصر دون أن نسمع نقدا جريئا حقيقيا من مقتلة عربية تأخذ فلسطين بجريرتها.. فصمت هؤلاء يعطي مشروعية للإيغال في الدم باسم فلسطين.

وهذا أيضا لوحده يحتاج لنقاش مفصل عن كارثة طلب المساندة والدعم من شعوب مسحوقة ويقف طالب الدعم أحيانا مع قتلة وفاشيين يرتكبون أبشع المذابح باسم ذات فلسطين.

كاتب فلسطيني - مادة لــ"زمان الوصل"
(192)    هل أعجبتك المقالة (213)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي