أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

داريّا، نهاية بداية وبداية نهاية*

داريا - ناشطون

لم يتألم السوريون ربما، خلال ثورتهم المستهدفة مذ شرارتها بالحريقة ودمها بدرعا وخنقها بالغوطة، كما على داريّا، رغم كم الويلات والخذلان والموت التهجير، فترى ما هو السبب الذي وضع تهجير سكان داريا ومقاتليها، وإلى إدلب تحديداً، بموقع التأريخ الجديد لثورة السوريين.

أعتقد أن لداريّا خصوصية، قلما امتلكتها مدينة أو منطقة ثائرة بسورية، فداريا من أسست لثورة الورود وهي من أسقت الجيش الأسدي الماء البارد وهي من قدمت دليل حسن النية، غياث مطر.

وداريّا من نأت عن الدخول بمشروعات تصفوية، رغم وقوع جوارها بفخ الاستسلام، إن من قبيل الهدن واتفاقات الإذعان، أو قبل ذلك من حالات التطييف والأسلمة والإمارات، بل حافظت على صوفية وشعارات الثورة الأولى، حتى وهي تذبح بالبراميل وخيانة الحلفاء.

ولداريا جغرافيا تميزها ربما عن بقية قرى ومدن الغوطة وريف دمشق، فهي على مرمى مدفع متوسط من مطار المزة وإليه، وكذا للقصر الرئاسي وأيضاً لمقر الفرقة الرابعة التي عجزت عن دخولها، رغم كل الحقد والتمويت، وربما ما يزيد من صفات هذه المدينة التي بات قتل تجربتها ضرورة مرحلية، تقتضيها التطورات الداخلية وحتى الإقليمية، أن فيها مجلسا محليا واحدا وربما كان لها قائد واحد، ولها على الدوام هدف واحد.
قصارى القول: قبل محاولات الوقوف على السؤال الأوجع ربما، لماذا تهجير سكان داريا إلى إدلب رغم أن المسافة تزيد عن 350 كلم وثمة مناطق كثيرة محررة قبل مدينة الزيتون. ثمة أسئلة أكثر إلحاحاً وإن كانت أقل إيلاماً.

لماذا يتم تهجير سكان المدن التي استعصت على الأسد، بعد ما يقال عن هدن، إن الزبداني أو حمص القديمة وأخيراً داريا، والغريب بالأمر أن التهجير يتم برعاية أممية، وأحياناً عبر مقايضة لبعض سوريين من هناك يعتنقون مذهباً سياسياً وروحياً مخالفاً لجوارهم، في مقابل استقدام آخرين، أيضاً يعتنقون مذاهب تتناسب مع مهاجرهم، من وجهة نظر الأسد والمشروع المقبل، والأمم المتحدة على الأقل.

ولماذا يؤثر نظام الأسد وعبيده، خلال تهجير السوريين من ديارهم، على إطلاق شعارات، كما التي سمعناها قبل يومين "بالروح بالدم نفديك يا بشار، الله سوريا وبشار وبس" وهل لهكذا صيحات وبهكذا توقيت، من أهداف، سوى تكريس الهدف الأولي الذي أعلنه الأسد الابن غير خجل منذ بداية الثورة، وهو تكريس الطائفية وتعميق العداء واختزال الوطن بأسرة أو شخص.

وأيضاً، لماذا تصمت جبهات بتوقيت مفصلي، رغم أن المنطق الثوري والحربي يتطلبان اشتعالها، لتوزع قوى وشرور الآخر، إن لم نقل إضعافه، ففي الفترة الأخيرة التي سبقت جريمة تهجير أهل داريا، لم نر أو نسمع نشاطاً يذكر لمؤازرتها، إن على جبهات درعا أو القنيطرة أو الأخت الغوطة الشرقية.

هل كان قبول مقاتلي داريا وأسرهم محافظة إدلب، اختياراً صائباً أم وحيداً، إن لجهة ما سيرتب عليه من تبعات، على صعيد ابعادهم عن أرضهم أو ما يمكن أن يعانوه في بيئة ثورية مخالفة بالمطلق، لأدائهم ومرجعياتهم وربما أهدافهم.

والآن، نذهب بمحاولاتنا للإجابة على السؤال الأساس، لماذا يتم اختيار إدلب، لتكون موطناً جديداً لمن يتم الاتفاق الدولي، على تهجيرهم من مناطقهم وأرضهم.

ربما لم يعد للتكهن من مكان، بعد اختيار المحافظة الوحيدة المحررة بسوريا، والمجاورة لتركيا، موطناً للمهجرين، كما لم يعد خافياً، أيضاً وبرعاية أممية، حالات التغيير الديموغرافي التي تشهدها سوريا، تحضيرا لحل توافقي ربما لم يعد بعيداً.

نهاية القول: قد يكون الفصل بين ما جرى بجرابلس وداريا ضعفا تحليليا، وربما يبدو إبعاد ما بدأت تلوح ملامحه على الساحة السورية، بعد التوافق والتكتلات الجديدة بالمنطقة، غباء.

وأيضاً، قد لا يستوي الحديث عن التغيرات السورية اليوم، عما بدأ يشاع من عودة المنطقة الآمنة برعاية تركية، وإن اختلفت الأبعاد أو الأهداف، بين طرحها قبل عامين، وأسباب ومرامي طرحها اليوم.

لذا، يبدو أن الإجهاز على داريا، لم يك بهدف تهجير 800 مقاتل وأسرهم فحسب، بل القصد قتل آخر حالة ثورية بخصوصيات تنفرد بها، لتبدأ حالة أخرى، اقتضتها المرحلة وتتناسب وما يحضر من صفقات حول سوريا، ربما تبقى الأسد وإن على سوريا مفيدة، لتبقى بقية سوريا، بين ضارة وكعكات مفتتة لأطراف تخيفهم الجغرافيا.

ليبقى السؤال الأخير معلقاً، هل وصل أهل داريا حقهم جراء التعاطف والنواح والأشعار التي قيلت ببطولاتهم، أم أن أهل داريا وأهل سوريا جميعهم، بحاجة لرجال على مستوى تبدلات الشروط والوعود والظروف، تبعدهم، من داريا حتى دير الزور، عن حلول قسرية يلعنون بعدها اليوم الذي ثاروا به على ظلم أسد واحد. 

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(168)    هل أعجبتك المقالة (160)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي