أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الإنسان.. والباقي تفاصيل*

من مظاهرات رفض الانقلاب في تركيا - الأناضول

أتى المراقبون والمحللون وباستفاضة، على الانقلاب الفاشل الذي ضرب تركيا أخيراً، وذهب كل حسب معلوماته وربما دوافعه، لتحليل الأسباب والنتائج، التي دفعت الانقلابيين أو التي أفشلت محاولتهم، لكن أحداً، حسب معرفتي، لم يقف على تفاصيل، ربما يعرفها من عايش الأتراك وشاهد ردود أفعالهم، أن ليل جمعة الانقلاب أو ما تلاه من أيام، وهي على ما أعتقد الأهم ربما بفشل الانقلاب وحصن لمنع تراكم الديكتاتورية بهذا البلد الصاعد لحلمه بمئوية تأسيس الدولة، بسرعة لا تضاهى.

بداية القول: مما لفتني منذ إقامتي بتركيا، قبل خمس سنوات، حالة تدجين الطيور وإقامة تلك العلاقة الوطيدة بينها وبين البشر، فهنا، لا يطير الطير إن مررت بجانبه، إن لم نقل إنه يحط على كتفك طالباً الغذاء أو الملاطفة وتعزيز العلاقة، ولعل دهشتي تأتت من طول وطرائق نقل حس المواطنة لكائن غير عاقل، ومنحه الأمان رغم العداء بلاوعي الطرفين تجاه بعضهما...أو كما عرفنا نحن على الأقل.

أتيت على هذا المثال، الغريب نوعاً ما، لأشير ولو من بعيد إلى سياسة تركية، على الأقل منذ وصول حزب العدالة والتنمية مطلع 2003، في تأصيل الحريات وخلق أنماط حياة عامة ومعيشة، حتى لدى الكائنات غير العاقلة.

ولفتني بتركيا أيضاً، شكل التعاطي مع السوق والتسوق والغذاء، ففي تركيا الأقرب للشرق وعاداته، ليس من جوع متأصل بالأنفس وليس ثمة خوف من الموت جوعاً، فهنا ترى ربة المنزل تشتري حاجتها للوجبة وليس حتى ليوم كامل، وقلما ترى حالات "التبضع" التي عهدناها في شرقنا العربي.

ولذلك على ما أعتقد، أسبابه، التي إن بدأت من يقين المستهلك بتوفر السلعة وضبط سعرها، لا ينتهي عند حالة الإسراف والتبذير أو ضبط الإنفاق وفق الدخول، وهي حالة تربوية ربما تستغرق كما تدجين الطيور.

ولعل ذلك النهج، كان له الدور الأهم خلال الأيام التي تلت الانقلاب الفاشل الذي ضرب تركيا 15 يوليو الجاري، في عدم الإقبال على شراء الأغذية، أو تخزين الحاجيات الأساسية، أو حتى من تبديل العملة الوطنية بعملات رئيسية أو معادن ثمينة، رغم ما قيل عن تصنيف تركيا الائتماني وتراجع أعداد السياح، كرد فعل طبيعي، قد تشهده معظم بلدان العالم، خلال مواقف سياسية طارئة، ربما لم تزل مفتوحة بتركيا حتى اليوم، على غير احتمال.

وما يزيد من غرابة سلوك الأتراك في نمطهم الاستهلاكي، بل والتعاطي مع الأسواق خلال ليلة الانقلاب وما تلاها، أن حالة الطوارئ التي أقرها البرلمان بعد 5 أيام من الانقلاب، لم تغير هي الأخرى من عادة التسوق وزيادة الإقبال على الشراء، إن للأغذية أو حتى للعملات الأجنبية.

عود على بدء، الأرجح أن خلق حالة الطمأنينة لدى الحيوانات بتركيا، إنما جاء عبر التدجين والعادة والإعادة، بيد أن ما عكسه الشعب التركي من سلوك راق، إنما يدلل على حس وطني ووعي شعبي بخطورة مآلات التهافت على السلع والعملات والمعادن الثمينة، خلال الفترات الحرجة أو المفصلية التي تعصف ببلده، وهو ربما، وبعيداً عن الكلام العام والشعارات العريضة، السبب الأهم، إن لم نقل الأوحد، في استقرار سعر الليرة نوعاً ما، وعدم تهاويها كما توقع المختصون، أو تراجع مستوى عرض بعض السلع الغذائية أو حتى نفاد أي منتج من السوق.

نهاية القول: لن آتي على الإنسان السوري وما خرج من خباياه خلال الثورة والأزمات، أو الدخول بجدلية من تسبب بتهديمه، ولماذا لم يزل مهدماً بعد الانعتاق من حكم الطاغية، تاركاً لمخيلة القارئ المقارنة والاستنتاج.

فتركيا الحديثة التي بنت اقتصاداً أوصلها لنادي العشرين، وضاعفت من دخل الفرد وتخلصت من الديون والتضخم، وحافظت على نسبة نمو تعد من النسب الأعلى بالعالم، لكن كل ذلك، بما فيه صادرات بنحو 160 مليار دولار وتبوؤها المركز الأول عالميا بالإنفاق على البنى التحتية، بل وسعيها لألقاب عدة، "الأول أو الأكبر" على مستوى العالم قبل وصول عام الحلم 2023.

لكن كل ذلك كان نتيجة وليس منطلقاً، لأن تركيا العدالة والتنمية انطلقت من الإنسان، إن على صعيد التعليم والتأهيل، أو على مستوى تعميق الانتماء، ليقينها أنه الوحيد الحامل والضامن للتنمية، لتحصد الثمن ليس بالسعي للأحلام الاقتصادية والسياسية فحسب، إنما ليكون الإنسان هو الحامي للبلد خلال الأوقات العصيبة، وهو ما تجلى بوقوف الأتراك ليلة الانقلاب بوجه الدبابات، ولم يزل بوقوفهم بالميادين والساحات، ليدافعوا عن مكتسباتهم بالحريات والحقوق والمكاسب التي هددها حكم انقلاب العسكر، وتُرجم عبر نمط استهلاكي ضمن استقرار الأسواق التي تعد المرآة الأوضح، للاقتصاد والمجتمع ..وحتى السياسة.

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(158)    هل أعجبتك المقالة (160)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي