مع الساهرين حتى ما بعد الفجر سهرنا نحبس الأنفاس، وحتى عندما تنفس الصبح لم يتوقف خوف الناس ولا قلقهم ولا يزال ... تركيا المشهد الأكثر اضطرابا الآن يدعونا للتفكير مليا وعميقا أكثر من مجرد الشعور بالاطمئنان أو الخلود إلى الارتياح.. لقد فشل الانقلاب نعم لكن المشروع الذي يرعى الانقلاب لم ينته بعد ولن ينتهي سريعا ولا قريبا، المهم أن نفهم إلى أين يمضي المشروع المضاد لتركيا بعد فشل أول محطاته.. وما اذا كان رعاة مشروع الانقلاب قد وضعوا خططا بديلة حال فشله رغم نسبة النجاح الكبيرة شبه المؤكدة التي كانت تحيط بالمحاولة .. إنها أسئلة تحتاج للتفكير قبل أن يحرف تفكيرنا عما يخطط له أو على وجه أدق "ما تم التخطيط له!
رغم الإطراء الأمريكي والغربي الذي وصل حد التحالف مع حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة في تركيا العام 2002م لم يكن خافيا على عاقل أن الغرب يمارس لعبة "التقية" في علاقته الوطيدة تلك.. كان وصول حزب إسلامي يوصف بالمعتدل بديلا مقبولا لمرحلة اتسمت بالدكتاتورية والاستبداد لاسيما وأن الحزب الحاكم الجديد امتلك عدة سمات عَدّتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية في ذلك الوقت تصب في مصالحها المؤقتة وبعض مصالحها الاستراتيجية.
إن إيجاد نموذج للإسلام المرن يمكن التحالف معه ضد التيارات الإسلامية الموصوفة بالجهادية والمتشددة أصاب عدة أهداف في وقت واحد وعلى رأسها احداث شرخ في جسد الإسلام السياسي يشق الصف الذي لم يصل لمرحلة الاصطدام سابقا إلا في ما ندر.. لقد كانت الدروس التي استخلصتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من تعاملها مع التجارب الإسلامية الحركية قيمة وثمينة لاسيما التجربة المصرية الأطول والأعرق نسبياً، فالتجربتان الأفغانية والجزائرية ثانيا وثالثا وصولا إلى تجربة الإخوان المسلمين في العراق، فحركة الشباب في الصومال وانطلاقا منها إلى تجربة تركيا وغزة والربيع العربي لاحقا.
إن كل ما اكتسبته الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية من خبرات ومعلومات حول التيارات الإسلامية لم يغير شيئاً من " عقيدة " العداء للإسلام والمسلمين بل غير كثيراً في "عقلية" التعامل معها لإفشالها والقضاء عليها .. لقد قاد التسامح والصبر والانضباط الذي وسمت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر أفعالها وردات أفعالها إزاء ما تعرضت له من تنكيل وتقتيل واتهام وإبعادٍ إلى نتائج لا تزال الجماعة بحد ذاتها بعيدة عن إدراك مضامينها، فديمومة السرية والعمل من تحت الأرض الذي رافق الجماعة الأم جعلها أسيرة نمط معين من التفكير والتخطيط والتنفيذ لم يكن صالحا لاستعماله مع ظهور الجماعة إلى ضوء الشمس، كما أن وقوف الجماعة الأم في موقف المدافع دائما فرض عليها نمطية معينة من القيادات ذات الأعمار المتقدمة في السن لم تكن مواكبة لأجيال من قواعد الجماعة التي تعتمد على الشباب والكفاءات الطامحة للقوة والعزة في المواقف والأفعال في تميز نشاطاتها فكان أن وَلّدَ كل هذا شرخاً عميقاً بين تفكير القيادات الهرمة والقواعد الشابة، لا سيما وأن المرونة التي أبدتها الجماعة في مجالات عقائدية وشرعية وسياسية أدت إلى اتهامها بالتمييع والرعونة والتفريط في سبيل الوصول للسلطة بشكل أو بآخر لتصل الامور مع نمطية تفكير القيادات العليا إلى انشقاقات متتالية، فخرجت من تحت عباءة الجماعة عدة تيارات فكرية وعقلية وسياسية وفقهية متباينة بل ومتضادة ومتصارعة سرعان ما تشظت هي الأخرى بدورها، فاستنفذت التيار الإسلامي وأشغلته في نفسه وسهلت اختراقه واحتواءه بشكل واسع في معظم الأحيان ناهيك عن جر فئات منه للعنف وحمل السلاح ووسمه بالإرهاب المرفوض شعبيا وشرعيا ودوليا .. ناهيك عن ازدواج المكاييل التي تعاملت بها الجماعة بين خصومها والمخالفين لها من أبنائها، فتسامحت مع ألد الأعداء كالعسكر وفروع الأمن وتشددت ضد كل من خالفها او خرج عنها باعتباره منافسا مرفوضا لا تحتمل عقلية الجماعة تقبله أو غض النظر عنه ناهيك عن التعامل معه وهو الأمر الذي سهل لأعداء الجماعة الانقضاض على حكم الرئيس المحسوب عليها وانفضاض الأصدقاء من حولها فكان خطأ ترتيب الأولويات واستعجال القطاف قاتلا في تلك التجربة.
وما دمنا نتحدث عن مصر فإن الدور الذي لعبه حزب النور السلفي في تعاطيه مع التطورات أدى بالتيار الإسلامي إلى مزيد من الانقسام والتشتت الأمر الذي عُدّ نكسة ولا شك للتجربة الإسلامية المصرية.
أما أفغانستان فلقد بدأت التجربة عسكرية وانتهت سياسية وزرعت في محطاتها المرسومة بدقة صراع السلطة بين ذات التيارات التي جمعها السلاح لسنوات طوال في خندق واحد وبراية إسلامية موحدة دون تفاصيل التباين.. هذا الخندق الموحد لم يتشظَّ إلا بوضع البعض المرن في السلطة والبعض الآخر المتشدد في المعارضة – أو العكس - ليعصف الصراع بالتجربة بأكملها بل ويعكس صورة قاتمة قاسية لمن يفكر في تكرارها.
وأما التجربة الجزائرية فابتدأت سياسية بامتياز وانتهت تحت أقدام العسكر وأدخلت الجزائر في بنك الأثمان الباهظة ولا تزال.
التجربتان اللتان توالتا زمنياً انتهيا ببدء مرحلةٍ جديدةٍ في كل من أفغانستان والعراق وهنا تغيرت المفردات وبعض الأدوات إلا أن التغير الأكبر كان في ما أضافته تجربة أفغانستان والجزائر إلى جعبة الباحثين والمفكرين ومن ثم المخططين بل والمخططين الاستراتيجيين تحديداً وبالطبع في مكاتب صنع القرار الغربي والأمريكي لا الإسلامي السياسي ولا الجهادي.
إن التباين الحاد بين التجارب السبعة المعاصرة للتيارات الإسلامية في الحكم تنبئ بالكثير الذي ليس أوله أن هذه التيارات قد حرفت شعاراتها أو حرفت عنها على أرض التطبيق الواقعي وليس آخرها أنها فشلت فشلا ذريعا في إحداث تغيير حقيقي نحو الأفضل لشعوبها ناهيك عن شعوب الأمة التي تفاءلت بوصولها للسلطة (السودان والمغرب أنموذجا) .. إن تجربة الإسلاميين في تونس والمغرب تكاد تخرج من كتاب التجارب الإسلامية الناجحة إذ اضطرت حركة النهضة التونسية إلى الاعتبار سريعاً من الدرس المصري، فابتعدت عن قيادة البلاد وعدلت في مناهجها الفكرية وأدبياتها الحزبية بدعوى "تفضيل السياسة على الأيديولوجيا" و"فصل السياسة عن الدعوة"، ابتعاد وإن كان صحيحاً من الناحية السياسية والتكتيكية، إلا إنه وضع حركة النهضة مع حكومة حزب العدالة والتنمية المغربي كأنموذج مثالي لنبوءة وزير الأوقاف المغربي د. عبد اللطيف الكبير المدغري عام 2006 الذي قال فيها إن الوضع العربي بات مهيأ لانهيار حكوماته الحالية وتولي "الحكومات الملتحية" زمام الأمور لفترة قصيرة تفشل فيها وحينئذ لن يكون حظ الإسلام فيها إلا اللحية - مقصرة مشذبة أو طويلة مرسلة -.
وإذا ما استثنينا تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر والتي لم يطل بها المقام، فإن تجربتي حركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب العدالة والتنمية التركي هما الجانب الناجح الذي تكال له الاتهامات وتنصب عليه الضغوط والمؤامرات .
لقد كان نجاح الانقلاب التركي بالطبع يعني إحكام الحصار على قطاع غزة والانتقال إلى خطوات أكثر تسارعا لإسقاط حكم حركة حماس ولعل فرحة حماس بفشل الانقلاب تفوق فرح الأتراك أنفسهم دون أن نغفل فرحة الثورة السورية التي شعرت لساعات أنها أمام لحظات احتضار لا انتظار! لقد كان نجاح الانقلاب التركي يعني تسريع خطوات إسقاط الثورتين دون أن يعني فشله توقف تلك الخطوات البتة!
بالطبع سبق كل هذه التجارب تجربة السودان الذي وصل الإسلاميون فيه للسلطة عبر انقلاب عسكري قاده الفريق عمر البشير تلميذ الشيخ حسن الترابي عام 1989م والذي انتقل تدريجياً إلى وضع كارثي لا يخفى على باحث أو ناقد فضلا عن رؤية عامة الناس بعد انقلاب الفريق البشير الثاني على انتماءه الحركي الإسلامي ليخرج السودان ومنذ زمن من سجل هذه التجارب بشكل سافر وفاضح.
أما التجربة العراقية فهي بلا شك أحد أسوأ التجارب الإسلامية على الإطلاق فالحزب الإسلامي العراقي تحول إلى مطية لأعداء البلاد والعباد .. مطية لا تملك زمام نفسها ناهيك عن أن تملك زمام البلاد وسيسجل التاريخ أنهم كانوا أحد أسباب انهيار المكون السني وتهمشيه بعد ذبحه وتقتيله وتفكيك مقاومته ضد الاحتلالين الأمريكي والفارسي وسيكون عاراً على التيارات الإسلامية السياسية أن يكتب تاريخ هذا الحزب في كتاب الحياة السياسية لها.
بالعودة إلى تجربة تركيا وحادث الانقلاب الفاشل الذي أعطى لحزب العدالة والتنمية فرصة نادرة للتخلص من أعدائه فإن افتراض استكانة الخصم بعد هذا الفشل فرضية حمقاء.. مثلما كانت نجاة الرئيس رجب طيب اردوغان من الاغتيال وظهوره أمام الشعب كلمة السر في الانتصار فإن غيابه "المفترض" سيكون بداية الانكسار، الأمر بالتأكيد ليس اختزالاً لحزبٍ ذي مؤسسات في شخص ولا اختصار لتجربة فكرية وسياسية في رجل، لكن هذه الشخصية التي رسخت في أذهان الناس وقلوبهم باتت تمتلك تأثيراً لا ينبغي الاستهانة بتأثير غيابه عند التفكير بطرق جديدة لاستهداف التجربة الإسلامية في تركيا..
في الوقت الذي أضاعه المنظرون الإسلاميون في "تقييم" و "توصيف" إسلامية حزب العدالة والتنمية من عدمها كان الخبراء الغربيون ينظرون بقلق للمارد التركي الذي شب عن الطوق أو كاد، المارد الذي خرج من قمقمه قوة واقتصاداً وسياسة وحضارة وحضوراً وتأثيراً كان يُذكر الغربيين بأسلافه الذين سعوا لعقود طوال للقضاء عليهم، القوة الأخطر لحزب العدالة والتنمية ليس في كل ما سبق ربما من وجهة نظر استراتيجية غربية .. الاستقطاب التركي المتزايد للشعوب الإسلامية كان يشي بالكثير وعني للغربيين الكثير أيضاً .. فيما كان التفكير الغربي بعيد المدى بعيداَ تماما عن النتائج الحالية المقروءة ومنصبا على دراسة تأثير وفعالية "الفكر " الذي تزرعه سياسات حزب العدالة شعبياً واقليماً وإسلاميا .. إنه الفكر الذي يغير الشعوب التي لا يمكن لعمليات الاغتيال أن ينهيها ولا للجيوش العسكرية أن ينقلب على حكمها. هذا الفكر الذي نتحدث عنه كان سبب التغير الواضح الذي حدث في عقلية شعب تركيا أولاً وشعوب العالم الإسلامي المتعاطفة معها ثانياً خلال ما يقارب العشرين عاماً ما بين الانقلاب غير الرسمي على نجم الدين أربكان عام 1997م ومحاولة الانقلاب على رجب طيب أردوغان 15 يوليو 2016م .. فكر الشعوب وليس فكر النخب وحدها!
لقد عرف المشهد التركي في الفترات القليلة السابقة لمحاولة الانقلاب ظاهرة " الإرهاب الممنهج" والذي تقاسم تنفيذه باضطراد مناصفة حزب العمال الكردستاني والميليشيات الكردية من جهة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، من جهة أخرى وهو الأمر الذي يطرح سؤالاً مثيراً للدهشة والغرابة حول كيفية التقاء الخنادق المتصارعة على أرض سوريا ضد تركيا ما لم يكن التوجيه والإلهام لكليهما ينبع من مصدر واحد همه الوحيد إنهاء هذه التجربة وبأي ثمن!
إن إحدى بوابات الجحيم التي قد تفتح على تركيا قريباً ستكون عودة هذه الظاهرة مناصفة أيضاً لكنها هذه المرة ستتوسع في قائمة أهدافها و ستضيف إليها أشكالاً جديدة يأتي على رأسها "عمليات الاغتيال" والتي ستتوق لتحقيق ما عجز الانقلابيون عن إنجازه وتحديداً ضد رأس الدولة الرئيس رجب طيب أردوغان وقيادات حزب العدالة والتنمية مستفيدة من خبرات وتعاون قائمة طويلة متذمرة من الأعداء هم في طريقهم لفقدان سلطتهم ضمن حملة التطهير الحالية.
إن كلا السلاحين مؤذٍ ومُضِرٌ للتجربة التركية لكن السلاح الثالث لن يكون أقل حدة وخطورة وضرراً على المدى البعيد فلربما فشل الانقلاب ولربما نجحت تركيا في اعتقال الآلاف من الانقلابيين لكن رعاة مشروع الانقلاب سيظلون خارج قبضة تركيا يخططون وينفذون وهؤلاء سيجدون في إشغال تركيا بملفاتها الداخلية عصا سحرية توضع في عجلات الحصان التركي الجامح تكبل يديه لفترة ليست بالقصيرة إنها الفترة التي يتم فيها ترتيب ملفات هامة ومصيرية في المنطقة والتي ستشهد قريبا ربما تسارعاً غير عادي أبداً تبدو ملامحه الأولى في حرب إسرائيلية مسعورة متوقعة قريباً ضد قطاع غزة.
إن الأسباب التي قادت رعاة مشروع الانقلاب إلى تنفيذه قد زادت بفشله كما أن القوة التي اكتسبها الرئيس وحزبه ستفرض عليه صرفها داخليا أمام الملفات التي تنتظره.
الرئيس التركي الذي يجد نفسه الآن أمام سنوات عسل منصرمة بينه وبينه العسكر يدرك أن الإجراءات الحالية لن تمنع تكرار محاولة الانقلاب أو الاغتيال وأن الحل السليم يكمن في التفكير بجدية باحتواء الجيش وصولاً لتهميش قوته الداخلية ووضع اليد عليه عبر فرض توازن عسكري معه عبر قوات أمنية شبه عسكرية تتبع للرئيس ووزارة الداخلية تضمن حماية السلطة المدنية حال تعرضها لمحاولات انقلاب جديدة.
حينما ينجز الرئيس وحكومته ذلك، فإن حكم حزب العدالة والتنمية سيكون في مأمن نسبي إلى حد ما أما تركيا فقد تجد نفسها أمام خارطة جديدة في المنطقة لم تشارك في رسمها و تفرض عليها وعلى مشروع ثورتها الفكرية والحضارية أوضاعاً غير مستساغة لها أبدا.
*د.محمد شادي كسكين – باحث وكاتب
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية