أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

لهذا فشل الانقلاب في تركيا*

ربما من الصعب القفز على مقارنة أداء الدولة التركية، رئيساً وجيشاً وحتى انقلابيين، مع ما شهده السوريون خلال ثورتهم

لم تكن الحركة الانقلابية التي عصفت بتركيا ليل الجمعة، من البساطة وسذاجة المخططين وعدم احتراف المخططين، كما صورها البعض، على أنها غيمة صيف عابر مرت خلال سويعات، أو حتى حالة مدبرة من الرئيس التركي اردوغان، ليزيد من جماهيريته قبل طرح الدستور للاستفتاء، أو ليتخلص من دود التيار الموازي الناخر بعمق خشب مفاصل الحكومة، وفي مقدمتها قطاعا الجيش والقضاء، كما روّج زعيم التيار فتح الله غولن وعزفت وسائل إعلام الممانعة والمقاومة على الوتر ذاته.

بل يمكن القول ووفق ما رشح حتى الآن على الأقل، إن محاولة الانقلاب، كانت محكمة بحيث تنتهي، ربما بسويعات، كما آخر انقلاب قاده الجيش عام 1980 على حكومة نجم الدين أربكان ..فما الذي حصل؟!
أعتقد أن النقطة الأولى والأهم التي أفشلت الانقلاب، هي عدم إلقاء القبض على الرئيس رجب طيب اردوغان الذاهب إلى "مرمريس" بعطلة نهاية الأسبوع، بل مغادرته الفندق قبل ساعة من وصول ثلاث طائرات عمودية، غيرت من الخطة المرسومة التي من المفترض أن تظهر الرئيس معتقلاً أو مقتولاً، فتنهار الدولة ويستسلم الجيش مجرد انصياع رئيس الأركان، خلوصي أقار، الذي بقيّ مخلصا لشرفه العسكري وحبه لتركيا، ورفض طلب الانقلابيين.

حدثت محاولة اعتقال أو قتل الرئيس على نحو الساعة الثامنة مساء، وحينما فشلت، اضطر الانقلابيون للانتقال إلى الخطة "ب" وإعلان الانقلاب ونجاحه عبر محطة التلفزيون الرسمية "تي آر تي" بعد أن سيطروا عليها كما على بعض المواقع الهامة والحساسة، لتأتي النقطة الثانية للفشل من خلال الطلب إلى الشعب التركي التزام منازلهم.

وهذا الطلب بالنسبة للأتراك، هو بمنتهى البساطة، إعادتهم بالذاكرة لزمن الانقلابات، أي الابتعاد عن الديمقراطية ووضع المعيشة الرغيد وزمن الحريات من رأي ومعتقد روحي وايدولوجي.

وخاصة أن صفعة المقارنة بدأت تجتاحهم، بين ما سمعوه ببيان الانقلابيين وبين ما يعيشون أو ما قاله قبل البيان رئيس الحكومة بن علي يلدرم عن المحاولة، ليظهر الرئيس اردوغان عبر تطبيق هاتفي أول مرة، ويطلب من الشعب الخروج إلى لشارع رفضاً للانقلاب وتكريسا للديمقراطية والمحافظة عليها، وربما لظهور الرئيس السابق عبد الله غل ومن ثم رئيس الحكومة السابق أحمد داود أوغلو، وتناغم طرحهما مع ما قاله أردوغان، الدور الأهم بزيادة عدد من خرج، ومن خلال نداءات عبر مآذن الجوامع.

قبل تجربة تركيا التي تجلت بأبهى الصور ليل الجمعة، كان من الصعب ربما، لجهة تقديم الدليل على الأقل، أن تؤكد للمجتمع الغربي ولبعض يساريي وعلمانيي الشرق، أن لا تناقض بالجوهر بين الديمقراطية والإسلام، إذ ما أسهل أن يرشقك علماني منحرف من هنا أو يساري متطرف من هناك، بجملة من النصوص والأحداث التي سمعها باجتماع حزبي أو قرأها بمنطلقات نظرية أو "مختارات" خلال مشواره النضالي الممتد بين الفقر والسجن وقرض الأشعار.

بيد الذي حدث في تركيا، بدد، أو هكذا يفترض، لدى أصحاب العقول الذين لا تسيرهم العشيرة أو النفعية، أو حتى الخجل من التوبة عن كل الأوهام، وهم في سن متأخرة، كل الأفكار والقناعات المعلبة، ودفعتهم بمنطق الواقع للتفريق وعدم الخلط بين المعتقد الروحي الخاص وبين أشكال الحكم وطرائق القيادة، على الأقل، لأن "التعميم قتّال" ولا يتناسب مع ما يدعون.

فأن تنادي مآذن المساجد بتركيا عامة وباسطنبول مدينة المآذن تحديداً، للمحافظة على الديمقراطية، ففي ذلك دحض لحجج المتثاقفين الذين أشرنا إليهم آنفاً، كما صفعاً للمتأسلمين الذين لا يختلف فهمهم للديمقراطية عن فهم "الرفاق".. وإن كل على ضفة.

قصارى القول: نقاط عدة كانت وراء فشل انقلاب كان يمكن أن يغيّر، فيما لو نجح، خارطة المنطقة لقرون لا لعقود، وستطاول عقابيله الشعوب المتطلعة للحرية وإسقاط الديكتوريات وحكم العسكر، وفي مقدمتهم السوريون، إن من هم في الداخل يواجهون عسكر الأسد والميليشيات المساندة، أو نحو ثلاثة مليون سوري بتركيا، عاشوا ليلة ربما لن ينسوها ما عاشوا.

السبب الأول والأهم هو الشعب التركي الذي صنع الديمقراطية ودفع أثمانها عبر عقود من حكم العسكر وربما القوميين، فخرج يواجه الدبابة الانقلابية بصدره، ليرسل لمن يهمهم الأمر، رسائل مهمة تتعلق بدفاع من تلذذ بالحرية والديمقراطية والمواطنة، عن مكتسباته، وليستجيب لنداء اردوغان الذي سبقه للشارع منذ فجر السبت بعيد وصول طائرته لمطار أتاتورك، بصرف النظر إن كان ينتمي لحزب العدالة والتنمية أم لا، ويلبي نداء المآذن التي خاطبت التركي كمواطن ولم تخاطبه كمسلم، أيضاً سواء كان ملتزماً بالدين أو رافضاً لتعاليمه.

لتأتي النقاط الأخرى، من تأسيس دولة مؤسسات لا مزرعة عصابة، ومن شجاعة الرئيس وإدارته وفريقه الأزمة، التي لم تنته عند الخروج للشارع فجر السبت، بل تكللت بخطاب بالهواء الطلق بقسم اسطنبول الآسيوي مساءه، وغيرها من دور الشرطة والقوات الخاصة، ليأتي دور الأحزاب المعارضة، الرافض للانقلاب وإن يختلف مع الحزب الحاكم أو يكره رئيسه ورئيس الدولة، الذي ربما -هذا السب- لا يقل بأهميته عن السبب الأول لما له من مدلولات وطنية وديمقراطية.. وحتى أخلاقية.

نهاية القول: ربما من الصعب القفز على مقارنة أداء الدولة التركية، رئيساً وجيشاً وحتى انقلابيين، مع ما شهده السوريون خلال ثورتهم، والتي ستأخذ من أحداث أمس دروساً ودفعاً على التصميم حتى الوصول لحلم الديمقراطية والمواطنة.

من تلك المشاهد التي قفزت على الذاكرة أمس، ما فعله غياث مطر مع الدبابات وقوات الأسد القامعة للتظاهرات المطالبة بالكرامة والديمقراطية، إذ لم يكتف بإعطاء عسكر الأسد الماء البارد، بل قدم لهم وروداً حمراء، لكنهم ردوا بما يتملكون من عقيد ة وثأرية، بعيدة كل البعد عما فعله الانقلابيون بتركيا، الذين وقفوا أمام إرادة الشعب وانسحبوا من المطار وشارع وطن وأخلوا المواقع.

كما قادتنا مجريات الانقلاب كسوريين، للمقارنة بين من يستعين على الدبابات بالشعب وبين من يستعين على الشعب بالدبابات، وكيف حافظ الأول على وطن وشعب وديمقراطية، وكيف خسر الثاني الشعب والوطن وقتل حلم الديمقراطية، وغيرها من مشاهد عدم الإساءة للانقلابيين خلال اعتقالهم، إذ المحاسبة تحت قوس المحكمة وليس بالشارع، وإن كان الذنب تغيير الحكم وقتل الشعب، وأيضاً عدم نزول الجيش للشارع ليواجه الانقلابين، للمحافظة على حيوات الناس وممتلكات الدولة، رغم خطورة الحدث، وعدم إطلاق النار من الانقلابيين على الشعب، أيضاً رغم خطورة الحدث وأثمان فشلهم.

ليبقى بالنهاية انقلاب 15 تموز تأريخاً جديداً، ليس لتركيا وعلاقتها الداخلية مع الشعب والتيار الموازي، أو علاقتها الخارجية مع من دعم الانقلاب أو ما ربما تكشفه الأيام لاحقاً عن التمويل والتخطيط، بل مفصلاً للمنطقة وانطلاقة أخرى نحو مجاهيل وسيناريوهات الأرجح أن تكون في صالح الديمقراطية.


*عدنان عبدالرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(195)    هل أعجبتك المقالة (191)

نيزك سماوي

2016-07-18

الغرب يريد رئيس عميل خائن يقتل شعبه ليحميه كما يمي مجرم سوريا ومن معه من مجرمين والغرب يتآمر على رئيس دولة وحكومة منتخبة من قبل الشعب وهذا ما حدث في تركيا إذن الرسالة يفهمها أي شخص يريدون عملاء خونة لتدمير الأوطان مقابل حمايتهم وهذا لن يحصلوا عليه في تركيا ولكن بالرغم من كل هذا فإن الغرب سيكون له طرق آخرى في التآمر على تركيا.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي