يفتك الإرهاب بأولادنا أجساداً وأرواحاً وعقولاً كما يفتك بأمان مجتمعات بلدان كثيرة في مشرق الأرض ومغربها، إنه بمثابة كارثة شاملة، تداهم عالمنا، وتعبث بمصائرنا وتهدد حياتنا ومستقبلنا.
لكن ما الإرهاب؟ إنه عمل اجرامي لا يستهدف إلا الأبرياء، وهذا ينطبق على إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات المتطرفة، أي أنه إرهاب يصدر عن عقلية استبدادية لا تؤمن إلا بالعنف لفرض أجندتها.
والإرهاب بكل أنواعه يصدر عن عقلية ضيقة ومتخلفة ومتعصبة، عقلية لا تقبل الآخر، ولا تتفهم المختلف، وتعتبر نفسها وصية على الناس والعالم، وهي عقلية المستبد، وأدواتها أشخاص مرضى نفسيون، أو أشخاص مغيبو العقل أو فاقدو الضمير "قتلة مأجورون".
ونحن إذ نتحدث عن الإرهاب كظاهرة تستولد تداعيات خطيرة، يجدر بنا البحث في أسبابها، وأسباب انتشارها اليوم، والبحث في أسباب نشوء حواضن اجتماعية لها، وحصولها على الدعم أو الإمداد من هنا أو هناك، من هذه الدولة أو تلك.
أولاً، لا بد من الاعتراف أننا بتنا، منذ نيف وخمس سنوات، في بيئات اجتماعية تسودها الفوضى، وتتنازعها الحروب، بيئة يوظف فيها العنف في أقصى درجاته كرادع لطالبي الحرية في سورية، مع قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ الفراغية، ومع فرض الحصار التجويعي، وتشريد الملايين، دون أي اجراء دولي يقابله للحد من هذا العنف ووقف تداعياته.
لذلك فإن بيئة العنف هذه القائمة على الإقصاء والمحو، هي البيئة الملائمة لإنتاج القهر والغضب والتطرف الهوياتي، باعتبار ذلك إحدى الوسائل التي يعبر فيها الضعيف عن وجوده، في مواجهة القوى القاهرة للطرف الآخر، أي أن استبداد الجماعات هو وليد استبداد النظم التسلطية، ونتاج مظالمها، واحتكارها السلطة، ونزوعها إلى العنف في تعاملها القاسي مع مجتمعاتها.
ثانياً، السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وهذه مقولة صحيحة تماما، ونحن نكابد هذا الواقع، أي اقتران الفساد بالاستبداد، والفساد هنا لا يقتصر على الفساد المالي وتوابعه، مثلا، وإنما هو يشمل فساد نظم التعليم، الذي يكمن في فواتها، أو تخلفها، كما يشمل فساد السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وتحول الدولة إلى مجرد أداة سلطة، وسيطرة، على المجتمع.
وما من شك هنا أن أساس الفساد إنما يكمن في تخلف المناهج الدراسية، وضعف مستوى التعليم في بعض الجوانب، من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، مع وجود سيطرة للإعلام الاستهلاكي الذي يعمم التسطيح، وينشر السذاجة، او البلاهة، إعلام يغيب الحقائق ويبتدع أولويات هزلية فرضتها ظروف اقتصادية وربما تجويعية.
وبديهي أن كل ذلك يشمل تلاعب السلطة بالثقافة الدينية، وهيمنتها على المؤسسة الدينية، في سعيها لتوظيف الدين بحسب مآربها، وأيضا في محاولتها تعميم الدين بصورته المتعصبة التي يمكن توظيفها لوضع الجماعات السورية بعضها في مواجهة البعض الآخر، وفق سياسة "فرق تسد".
هذه السياسات الثقافية و"الدينية" بالذات هي التي تنتج المتعصبين والمتطرفين، الذين لا يقبلون الآخر والمختلف، والذين يكفرون المجتمع، وهذا ما يفيدها بالترويج لذاتها كحامي لما تسميه "الأقليات"، وكحارس لما تعتبره "علمانية"، علما أنها بسياساتها تلك تقضي على مفهوم المواطنة، وتختزل العلمانية بنفي الدين ورفض هذا المختلف، وهي في هذين تؤبد الواقع السائد، أي تؤبد انقسام المجتمع الى مكونات طائفية وإثنية وتؤبد الفهم المتخلف والمتعصب للدين.
ثالثا، هكذا لم ينشأ الإرهاب نتيجة الفقر والأمية، لقد نشأ من أسباب سياسية، من مظلومية الاستبداد، والقهر والحرمان، من الافتقاد للحرية والكرامة، ومن فقدان الفرص، وضياع الهوية، وهو ما يفسر انخراط شباب وشابات في المجتمعات الغربية في بعض الجماعات الإرهابية، وتورطهم في أعمالها، وهو أمر ناشئ من التحول نحو العولمة، وثورة الميديا، والشعور بالفراغ وانعدام الجدوى والضياع عند بعض الشباب في المجتمعات الغربية.
لهذا كله تبدو الحلول الأمنية عقيمة في مواجهة انتشار ظاهرة الإرهاب، فالحلول لا تأتي من نشر الحواجز الأمنية وتفتيش المطارات ومحطات القطارات وقصف الطيران لمواقع الإرهابيين أو مناطق تواجدهم، مع أهمية هذه الإجراءات، إذ إن المعالجة يفترض أن تكون من نوع الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة، أي أن المعالجة ينبغي أن تكون سياسية أولاً، وأساساً، وهذا يعني الانتهاء من النظم الاستبدادية، القائمة على القهر والاستلاب والفساد، وإقامة أنظمة ديمقراطية تكفل الحرية والمساواة والكرامة للمواطنين، وتكفل تكافؤ الفرص والعدالة في توزيع الموارد والخدمات. المعالجة تفترض أيضا رفع مستوى التعليم، وتحصين المجتمعات بتعزيز انتشار قيم التوادد والقبول المتبادل واحترام المختلف، كما يكون بنبذ العصبيات الدينية والإثنية.
والخلاصة فإن معالجة ظاهرة الإرهاب، بمحاصرتها وعزلها والقضاء عليها، ستحتاج إلى مواجهة أسبابها، السياسية والثقافية والاقتصادية ونشر قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة والمواطنة للناس أجمعين، نساء ورجالا، وبغض النظر عن انتماءاتهم الأولية؛ أي القوة وحدها لا تكفي، ومعالجة الواقع السياسي والتعليمي والثقافي في بلد واحد أيضاً لا تكفي، لأن ما حدث من فوضى داخل سورية انتشرت شظاياه في كل محيطه وربما أبعد بكثير، مما يؤكد أن بقاء الحرب وأسبابها في مكان ما من شأنه أن يوزع الموت على وفي أكثر من مكان.
*كاتبة وإعلامية سورية
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية