
أظهرت وثيقة "سرية للغاية" صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية أن النظام دأب على مراقبة واستقصاء المعلومات المتعلقة بكل الناجحين "الذكور" في امتحانات الشهادة الثانوية العامة بمختلف أنواعها، أي تلك التي تشمل فروع الثانوية العلمية والأدبية والشرعية والصناعية والتجارية.
وتشير الوثيقة المؤرخة في 31-12-2007، والموجهة من الفرع 271 إلى الفرع 291 (القسم السابع)، إلى أن مراقبة واستقصاء ورفع التقارير بجميع "الذكور" الناجحين في مختلف فروع الثانوية، هو أمر "ممنهج" سنويا، وغير طارئ بل مؤطر بكتاب رسمي يحمل الرقم "874" لعام 2007، وهو ما يعني أن مخابرات النظام كانت مكلفة بجمع المعلومات عن حوالي 85 ألف "ذكر" تقريبا، مع صدور نتائج امتحانات الثانوية لعام 2007.
وتشير الأرقام التي رجعت إليها "زمان الوصل" أن دورة 2007، شهدت تقدم نحو 79 ألف طالب وطالبة للثانوية العامة بفرعها العلمي نجح منها قرابة 60 ألفا، فيما تقدم للفرع الأدبي نحو 176 ألف طالب وطالبة نجح منها نحو 107 آلاف، وتقدم للثانوية الشرعية أكثر من 1900 طالب وطالبة نجح منهم نحو 1400.
وإذا افترضنا أن نسبة الناجحين من الذكور تعادل 50% تقريبا، فإننا سنكون أمام رقم يعادل 85 ألف "ذكر" في ذلك العام وحده، كان على فروع المخابرات أن ترفع التقارير المتضمنة معلومات مفصلة ليس عنهم فقط، بل عن والديهم والأهل والأقارب، أي إن المطلوب مراقبة وتتبع ملايين السوريين، بحجة الوصول إلى معلومات تخص "الناجحين الذكور".
*تغيير الأسلوب
قبل الخوض في محتوى الوثيقة التي حصلت عليها "زمان الوصل"، يبدو من المفيد الإشارة إلى أن التعميم الخاص بمراقبة ورفع التقارير عن عشرات الآلاف من الناجحين الذكور في الثانوية العامة، صدر في عهد بشار الأسد، الذي كان مختلف السوريين بل وغير السوريين من عرب وأجانب مخدوعين بدعايته عن "الإصلاح والتطوير"، وتخفيف القبضة الأمنية، حيث تثبت هذه الوثيقة أن بشار شدد قبضة مخابراته، لكنه غيّر في أساليب التشديد، بحيث تتجنب قدر الإمكان تلك المظاهر الفجة التي كانت سائدة في عهد والده حافظ.
كما تثبت الوثيقة أن المخابرات كانت في عهد بشار ممسكة بزمام الأمور في سوريا، وأن نسبة تدخلها وحشر أنفها في شؤون السوريين زادت وتعمقت، ولم تنقص أو تتقلص، كما كان الاعتقاد الرائج خلال عهد بشار حتى اندلاع الثورة عام 2011.
وبالعودة إلى الوثيقة، نجدها تمثل نموذجا عن المعلومات الواجب جمعها ورفعها إلى "الأعلى" بخصوص "الذكور" الناجحين في كل دورة من دورات الثانوية، وهي معلومات تعرض -أول ما تعرض- اسم الناجح واسم والديه، وسنة ومكان تولده، ومكان إقامته، ثم تُلحق ذلك بعرض معلومات تخص: مهنته، وضعه الاجتماعي (أعزب، متزوج)، اتجاهه السياسي (بعثي، حيادي...)، طروحاته وأفكاره (تقدمية، عادية...)، حالته العدلية (محكوم، غير محكوم)، مستوى أخلاقه، منبته الطبقي (فلاح..) ومدى ارتباطه بهذا المنبت، حالته المادية.
ويلاحظ من طبيعة هذا المعلومات شموليتها، ومحاولتها استقصاء كل شاردة وواردة عن "الناجح الذكر"، وكأنه مقبل على الترشح لمنصب حساس جدا في "الدولة"، وليس مجرد شاب يتلمس أولى خطواته على درب مستقبله العلمي.
ولاتكتفي مخابرات النظام بمراقبة عشرات آلاف الناجحين كل عام، بل تمتد ذراعها الطويلة لتنبش في المعلومات الخاصة بوالد كل ناجح وبأهله وأقاربه وأصدقائه، وهؤلاء يمكن أن يعدوا بين إخوة وأعمام وأخوال وأبناء عمومة وما شابههم ما بين 40 و50 شخصا، وربما أكثر.
وتظهر الوثيقة، أن كل ناجح ذكر لابد -بعد استعراض بياناته- من استعراض بيانات والده (مهنته، هل غادر سوريا، جنسيته، مستوى تدينه، سمعته وسط المجتمع، حالته العدلية)، فضلا عن استعراض بيانات الأهل والأقارب (اتجاههم السياسي، مدى تأثره بهم)، وصولا إلى الأصدقاء (اتجاههم السياسي).
*باب واسع
وتوضح الوثيقة بلا لبس أن باب الاستقصاء عن جموع الناجحين "الذكور" في الثانوية كل عام، كان أحد الأبواب الواسعة التي دخلت منها المخابرات إلى خصوصيات ملايين السوريين، الذين يعلمون تماما مدى "حشرية" عنصر المخابرات، كما يعلمون تماما أن مخابرات نظامهم غالبا ما تأتي البيوت من نوافذها وليس من أبوابها، وإن أتتها من أبوابها فيكون ذلك عن طريق الخلع والكسر!
وتطرح "الوثيقة النموذج" -من ضمن ما تطرح- إشكالية التصنيف التي أغرق بها النظامُ المجتمعَ السوري حتى أذنيه.. وإذا كان من المفهوم والقابل للتحديد أن يوثق عنصر المخابرات الانتماء السياسي للناجح (بعثي، شيوعي، وحدوي...)، فإن من غير المفهوم كيف لهذا العنصر أن يحدد المستوى الأخلاقي للناجح أم كيف له أن يصف طروحاته الفكرية بأنها "تقدمية" أو "رجعية"، وبمعنى آخر ما هي "المسطرة" التي تقيس عليها مخابرات النظام أخلاق الناس وطروحاتهم، وكيف لنا مثلا أن نحل إشكالية التضارب بين الأخلاق في مفهوم المجتمع والتقدم بمفهوم النظام، لاسيما أن التقدم ارتبط في عرف النظام بتبني أفكار بعيدة عن الموروث الديني بالذات، تخص مثلا –لا على سبيل الحصر- تقبل الشخص لشرب الخمر أو خلع أخته لحجابها أو التمرد على أعراف المجتمع.. وكل هذه خطوات وممارسات تجعل صاحبها موصوما بسوء السلوك من قبل المجتمع السوري، الذي تبقى الأغلبية فيه ذات طبيعة "محافظة"، بينما هي ممارسات تشجع النظام على منحه لقب "تقدمي".
*أخيرا:
فإن الوثيقة تثبت من جديد أن شعبة المخابرات العسكرية هي الغول الحقيقي بين كل أجهزة المخابرات، والأخطبوط الفعلي الذي يمد أذرعته في كل الزوايا، المدنية والعسكرية.. السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية.. الداخلية والخارجية، وهو ما سبق لـ"زمان الوصل" أن وثقته بالأرقام والإحصاءات في هذا التقرير.
إيثار عبدالحق-زمان الوصل-خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية