عفا الزمن، بواقع مستجدات الصراع، عن "صفر المشاكل" التي هندسها أحمد داود أوغلو مذ كان مستشاراً ونفذها رئيس الحكومة أردوغان حتى عام 2012 باقتدار، ليأتي زمان آخر ورجال آخرون، إذ ما بعد ثورة السوريين، ليس كما قبلها، حتى بالنسبة للجار الصديق تركيا.
ما جعل بن علي يلدرم، رئيس الوزراء الجديد يطلق "أعداء أقل أصدقاء أكثر" مرسلاً لمن يهمه الأمر، في مصر وروسيا وإسرائيل، بل ودمشق، ملامح خطط جديدة، منطلقها قبول الأمر الواقع، ضمن ما يسمى الانحناء بوجه النسيم تفادياً للانكسار أمام العواصف، تاركاً دخول المرحلة لرياح الظروف والاستجابة، إن من بوابة تل أبيب أم من الباب الروسي، لتغدو شروط ما بعد سفينة مرمرة من الماضي وإن بقيت شروط ما بعد إسقاط الطائرة الروسية ملزمة ومن الحاضر.
قصارى القول: من مهام يلدرم ربما، السعي بالسياسة الخارجية نحو أصدقاء الأمس، وربما ذلك أقل حقوق تركيا التي تعاني من الحصار وشبه العزلة إقليمياً، بعد أن استحال الدخول ضمن الاتحاد الأوروبي، الموعود هو الآخر بالتمزيق والأزمات، بعد خروج بريطانيا، وقبل أن تنتقل كرة النار للداخل التركي، لتنذر بعد مؤشرات تعدت الحدود وضربت أنقرة واسطنبول مرارا، بواقع التصميم الروسي والنأي الأمريكي، بما حلّ ببعض دول المنطقة، إن استمر العناد والتعاطي مع المستجدات بمنطق وسياسة الأمس.
المتابع للسياسة التركية، خارجية كانت أم داخلية، يلحظ مدى الاختناق، بعد إسقاط "سوخوي" الروسية وما جرى من انقلابات، قد لا يكون الاقتصاد وحجم التبادل الذي يصل 30 مليار دولار، رغم التركيز والتسويق، أهمها، بل تجلى ومرات عدة باقتراب اصطدام عسكري مباشر، كانت أنقرة السباقة لنزع فتيله، ولعل ما حدث بجبل التركمان بريف اللاذقية وما يجري باستمرار على الحدود وفي حلب حتى الآن، هو بعض ملامح الصراع الظاهرة، لأن ما خفي أعظم.
وكذا لجهة العلاقة مع تل أبيب، التي بدأت ملامح التطبيع بعد التراخي بشروط مرمرة، خاصة بعد الذي اكتسبته إسرائيل جراء ارتباطها، أو ربطها الاستراتيجي مع موسكو، إثر التحالف الذي سيترجم بعضه مناورات بالمتوسط قريباً، ليس أكثر من تركيا، معني به، وربما الحال ينسحب على العلاقات مع مصر التي بدأت بعض الأصوات التركية تدعو لتصويبها واعتبارها خطأ بالسياسة الخارجية ما كان ليحدث.
بيد أن الغريب بالأمر، أو ما يمكن وصفه بالانقلاب وليس التكتيك نتيجة التحولات، فيما لو جرى، هو عودة العلاقة التركية مع الأسد الابن، بعد أن غيرت تركيا من طبيعة الصراع، أو كانت أحد رموزه، مرات ومرات خلال السنوات الخمس الماضية، لأن في ذلك ليس تغييراً للخطوط الحمر.. بقدر ما هو ترك مصير السوريين كما الهنود الحمر.
نهاية القول: لا تلام تركيا في السعي لتخطي الألغام التي زرعتها واشنطن بحنكة وتؤجج لتفجيرها كلما شاءت، عبر القضية الكردية، إذ من حق الأتراك على قيادة العدالة والتنمية، ألا ترميهم لمجاهيل الاقتصاد والسياسة، كرمى لقضية وثورة أكلها الجميع، بمن فيهم، من كان يحسب حتى الأمس القريب من أصدقائها أو حتى قادتها.
بيد أن شقاً مهماً بالقضية، بعيداً عما يمكن قوله من أخلاق وأخوة وحقوق، وعلى الأرجح أنه لم يغب عن خلد تركيا وساستها.
صحيح أن الثورة هي خيار السوريين وقدرهم المصممون على تحقيقه أياً بلغت الخسائر، رغم أن تركيا ساهمت، على الأقل بتكريس ذلك المصير، منذ الخطوط الحمر وصولاً للأقوال حول التدخل واسقاط الوريث بالقوة.
ولكن الصحيح أيضاً، أن في تركيا نحو 2،5 مليون سوري ممن أسمتهم القيادة "مهاجرين" ووضعت نفسها بموقع "الأنصار" فإن لم يبق لهؤلاء السوريين من قيادة بالثورة تحافظ حتى على حيواتهم، حتى من القتل على الحدود أو ضمان الحد الأدنى من مستقبلهم ومصيرهم، وتخلى عنهم وقضيتهم الأشقاء قبل الأصدقاء، فهؤلاء وعلى حبهم لتركيا واعترافهم بجميلها عبر خمس سنوات قدمت خلالها أنقرة ما عجز عنه وتملص منه الجميع، هم قنبلة بشرية واقتصادية ذات وجهين، فكما يمكن التفكير بالتخلي عنها، يمكن بالآن ذاته ودونما أضرار بمصالح أنقرة، التفكير بتفعيل دورها وكسبها.. لأن رميها بالبحر محض أحلام ومراهقة سياسية أياً بلغ مقابل الخلاص منها.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية