*"ضمير" حركة مدنية ثقافية سياسية تقدم طرحا جديدا وفيها قدر من المغامرة بجمع هذه الثلاثية، ولكن في الشق السياسي لم تتخذ طابعا حزبيا، ولا تطمح بالوصول إلى السلطة، إنما إلى جمع تلك القوى التي تشكل ورقة ضغط لإظهار رغبة الشعب السوري بسوريا الديمقراطية.
حاني الضهر، وكأنه يحمل سوريا بهمومها على كتفيه، لكن هامته مرفوعة، فمن اختار "الكرامة" مع صرخة "يا حيف" الأولى.. لا تنحني هامته، "زمان الوصل" التقت الفنان "سميح شقير" في العاصمة الفرنسية باريس حيث اختار أن يقيم فيها قبل اندلاع الثورة، ليكون أول "المثقفين" الذين صدحوا بموقفهم "فنا" و"ثقافة" ومن ثم "سياسة"، مصراً على اتخاذ موقف أخلاقي، بعيدا عن مفاهيم الربح والخسارة، التي دفعت بالكثير كما يقول "شقير" إلى الوقوف إلى جانب النظام، إذ يرى أن أسبابا كثير
*المثقف واليسار التابع..
لكن إلى أي مدى يبقى المثقف مثقفا، وهو يخضع المواقف الأخلاقية لمعادلة الربح والخسارة، يقول "شقير" :"في هذه الحالة يتجرد من أهم مواصفات المثقف العضوي، بمعناه العميق، لكن ذلك لا ينفي وجودهم، فهناك أقلام مهمة، وهناك مبدعون، ولكنهم لا يمارسون الموقفية الأخلاقية، إذ لديهم مصالح مع السلطة، وهناك آخرون حدث لديهم ارتكاس بالمفاهيم، فهم كانوا يصنفون كتقدميين، ولكنهم عادوا ليتعاملوا بمفهوم طائفي خضوعا لـ(بروباغندا) صورت الحراك الثوري على أنه حراك إسلاموي وأنه ليس بثورة ضد الاستبداد".
يقول الفنان "سميح شقير" في سياق الحديث عن "إخفاق المثقف": "أدوات المثقف أدوات معنوية، نحن لا علاقة لنا بالسلاح، وفي هذا البعد العنفي تبقى أدواتنا الكلمة، وهي أدوات تكون مسموعة وفاعلة أكثر عندما يكون الناس قادرين على الاستماع، فجعجعة السلاح تخفي دور المثقفين، فمن سيسمعهم والسلاح هو من يكتب اليوميات، وكلما زادت نبرة العنف كلما ابتعد صوت الأدب والثقافة.
ولكن ماذا عن سنوات ما قبل الثورة ودورهم في أطوار الثورة السلمية، لاسيما اليساريين منهم؟
يرى "شقير" أن "اليسار منذ فترة طويلة تحول إلى تابع للنظام ضمن الشعارات التي لها علاقة بالمقاومة والأفكار التي من خلالها ألغت السلطة الحراك السياسي في المجتمع، وجعلته يتمحور بمجموعة مداميك قديمة التشكيل، فالأحزاب لأسباب تاريخية أفلست، وذلك لعدم قدرتها على تجديد ذاتها رغم المتغيرات العميقة التي حصلت خلال العشرين سنة الأخيرة، وبالتالي تحولت إلى هياكل".
يتابع "شقير" وسيجارته لا تنطفئ: "معظم اليسار الحقيقي غادر الهيئات والبنى الموجودة، وهذه الهياكل كانت تحت إبط النظام، ولم يكن غريبا أن يتناسوا موقفهم المفترض وهو أن يكونوا في حصة الفقير والعامل والطبقات الشعبية التي كان لها دور كبير في الثورة السورية..الحقيقة كان سلوكهم وخياراتهم أمرا مضحكا".
لم يشفع تاريخ السوريين الممتد لآلاف السنين، ولم يمنع حدوث الانفجار "العنفي" بكل ما خلفه ويخلفه في كل لحظة من عذابات طالت الملايين، يرى "شقير" في مقاربته للموضوع أن "أي مجتمع يتعرض وبشكل ممنهج خلال فترة طويلة لتنمية شيء معين، سواء أكان العنف أم التوجه الطائفي أحادية التفكير القومي التي تلغي الآخر، وغيرها من الأفكار المتطرفة، يحدث ما يحدث".
ويضيف: "السلطات عندما تأخذ وقتها للاستفادة من شيء موجود لبناء إنسان ذي طبيعة معينة، بحيث يصبح مرتكبا للعنف انطلاقا من تصوره بأنه يدافع عن روحه، ووجوده، وبالتالي يتم إقناعه بأن الآخر هو العدو المطلق، ومن يقوم بذلك هو السياسة التي تخرج الناس من حالتها الإنسانية الطبيعية، فعلى سبيل
المثال، النظام وضع مفهوم من هو ضد الرئيس خائن، ومن الجانب الآخر هناك استناد لموروث ديني لاستعداء الآخر وتكفيره وإنهائه وبالتالي ذهبنا إلى الحد الأقصى من الجانبين والنتيجة الحتمية هي أن الطيبين سينقلبون إلى أشرار".
*محاولة ضمير..
ظل "سميح شقير" بعيدا عن التشكيلات السياسية إلى شهر آذار مارس الماضي، حيث أطلق مع مجموعة من المثقفين "حركة ضمير"، ولا يبدو أن الحركة تشكيل سياسي بالمعنى التقليدي بقدر ما هي نوع فريد يحاول الجمع بين السياسية والثقافة والمجتمع المدني، وفكرتها نابعة بحسب "شقير" "من احتياج حقيقي لنوع من الفرز، إذ أصبح ضروريا الاعتماد على قطاع من الناس المتشابهين بنظرتهم لسوريا المستقبل، لأنه تبين أن هناك من لا يمكن التوافق معهم، فسوريا باتت تُرى من زوايا عديدة، فكان لابد من محاولة لجمع أولئك الذين يرون سوريا مستقبلية حضارية ديمقراطية، سوريا دولة المواطنة مع توزيع عادل للثروة وفصل للسلطات وغيرها، وهذه البنية المتصورة، يوجد على الأرض تيار قوي ضدها ويستهين بها ويستهزئ بكل هذه المعاني، وبالتالي من الضرورة بمكان أن يكون هناك تجمي لمن غابوا عن المشهد، فرؤية السلطة واضحة، ورؤية القوى المسلحة كالإسلاميين المتطرفين، والأقل تطرفا أيضا واضحة لاسيما نظرتهم لعلمانية الدولة ومفاهيم الديمقراطية، وبالتالي كان لابد من التوضيح أن هناك أناسا نعتقد أنهم غالبية المجتمع السوري يرغبون بالذهاب إلى سوريا دولة المواطنة والحريات والديمقراطية، لكي تصبح جزءا من الحضارة العالمية المعاصرة بدون ارتكاس ونكوص إلى ما قبل التاريخ".
ويوضح "شقير" مقاربة "ضمير" للحالة الثقافية والسياسية والمدنية: "ضمير مدنية ثقافية سياسية تقدم طرحا جديدا وفيها قدر من المغامرة بجمع هذه الثلاثية، ولكن في الشق السياسي أخذنا طابعا خاصا، ليس طابعا حزبيا، ولا يطمح بالوصول إلى السلطة، إنما يطمح إلى جمع تلك القوى التي تشكل ورقة ضغط لإظهار رغبة الشعب السوري بسوريا الديمقراطية"، مشددا على "الاستقلالية" التي تحرص عليها الحركة: "إصرارنا عاليا على الاستقلال لأنه وللأسف هناك ارتهانات كثيرة على الساحة السورية، وبالتالي تواصلنا فردي حتى الآن بحكم الصداقات دون أن يكون له طابع رسمي، لأننا في الطور التأسيسي، ونكتفي بإصدار بيانات كمحاولة لأن نكون بوصلة فيها رؤى سياسية عامة وقيمية، وهو ما تركز عليه ضمير، لاستعادة القيمية المستلهمة من روح الثورة الأولى السلمية النقية".
ويتابع "نحن نتناول سياسة عامة للدخول في التفاصيل، ولكن سندخلها من بابها القيمي لتحليل المشهد، دخول مبني على القيمية وليس على مصالح، فنحن لم نكن ولن نكون جزءا من أي حركة مصالح".
وعن نشاطات الحركة خلال الشهور الثلاثة الماضية يقول: "المرحلة الماضية، هي مرحلة بناء المكاتب وتفرعات الحركة الموجودةة في 37 بلداً، وهي رقعة واسعة تحملها مسؤوليات تنظيمية كبيرة، وبالتالي هناك حاجة لترتيب مداميك بيتها الداخلي بتفرعاته ومكاتبه التخصصية والفنية.
*أداء رديء
أداء المعارضة هو ما دفع بـ"ضمير" إلى النور، فأداء المعارضة كما يقول "سميح شقير" "رديء، ودخولنا مجال السياسة سببه هذا الأداء الرديء، فنحن لنا ملمح ثقافي ولنا محمولنا السياسي، ولكن لسنا سياسيين، وأخذنا خلال السنوات الماضية خطوة إلى الوراء، وتركنا المجال لهم، ولكن سنة بعد أخرى يزداد هذا الأداء رداءة، وذلك لأسباب موضوعية وأخرى خارجية لها علاقة بطبيعة المشهد الذي تركب سريعا بقوامه الإقليمية والمصالح الدولية، وبالتالي ارتفعت، ومنذ فترة طويلة، القدرة الحقيقية للطبقة السياسية لكي تكون فاعلة، وحتى لو افترضنا أنها أفضل مما هي عليه، رغم أنها بالتفاصيل كانت رديئة، إلا أن التمفصل والإرادة الدولية وانتفاء القدرة على امتلاك القرار أدت للحالة الراهنة".
لكنه يؤكد أن النقطة الأساسية وليست الوحيدة لبداية الحل السوري هي ذهاب الأسد، ومن ثم لابد من المرور بمراحل تهيئة لإعادة إحياء الخيار الشعبي، وأن يكون لدى الناس فرصة لاختيار كيفية بناء الدولة وشكل الحكم والوصل إلى هذه المرحلة هي النقطة بداية الحل.
*السويداء فوتت الفرصة
حنين وشوق كبير لسوريا عموما والسويداء خصوصا لا تغيب آثاره عن وجه "سميح" ولا عن نبرة صوته، ويفضل الابتعاد أكثر عن إثارة الشجن، ليذهب إلى توصيف الموقف الذي تبنته المحافظة مما يحصل في سوريا ومحاولة توضيحه، إذ يقول: "الموقف الذي أخذته المحافظة ينحو منحى الحياد، وتم تفويت الفرصة، فالسويداء وبقية الأقليات وكذلك قوى اليسار انسحبت من يوميات الثورة الأولى وهذا أدى إلى جعل الثورة تأخذ طابعاً أحادي الهوية الدينية، ازدياد ضغط النظام على هذه الفئة، وهذه المسألة كانت مدروسة والاستجابة لها من قبل الأقليات أعد لها طويلا، وهذا الإعداد حقق نتائجه".
لكنه بالمقابل يؤكد أن "هناك نسبة كبيرة من شباب السويداء تواجدت في الحراك ولها دور بارز، وحدث حراك جيد في المحافظة وتم التغاضي عنه، فهناك جهات إعلامية تتقصد تعميق الهوية الأحادية، وبالتالي ليس النظام وحده من ثبت هذه الأحادية، بل هناك قوى خارجية حاولت الضخ باتجاه جعل المواجهة سنية شيعية، وبالتالي تمت تغطية الكثير من الفعاليات في السويداء وغيرها مثل مدينة "السلمية" بريف حماه، ولم يتم تسليط الضوء بشكل حقيقي عليها، إلا أن هناك ثباتا بوجود حالة معارضة في السويداء وهي في تصاعد وإن يكن على نار هادئة".
*سميح الفنان
سميح الفنان، مستمر بتقديم أعمال جديدة، ولديه الكثير، كما يقول، لكنه يشير أيضا إلى أن "الفترة الماضية كانت صعبة لجهة إمكانية توصيل الأغنيات، لأن دعوات المهرجانات والفعاليات الثقافية انحسرت، ومن جهة مؤسسات الثورة، لم تكن هناك قدرة، وعندما كانت القدرة موجودة لم تتوفر العناية بالملف الثقافي، وتم إهماله إهمالا شديدا، وبالتالي لم يكن هناك تنشيط لنا ولا لغيرنا، ولكن على صعيد فردي استمر في تأليف المزيد من الاعمال ولكن ليس لدي إمكانية تسجيلها".
حسين الزعبي - باريس - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية