أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

البحر الأبيض المتطرّف.. عدنان عبد الرزاق*

أرشيف

لم يعبّر هذا البحر للسوريين، عن شيء من توسطه وسطيته، بل كان بمنتهى التطرف والسواد، إن بضيق شطآنه عن أحلامهم الواسعة أو بأسماكه التي لم تعرفها بطون الفقراء يوماً، لكنهم قبلوا بحدود الجوار الدنيا ومن "الغنيمة بالإياب" إلى أن جاءت ثورتهم، لينقلب ويعلن العداوة، كما سواه ممن حسب السوريون أمواجهم وادعة، فانخرطوا بالغوص دونما دقة حساب، فأكلوهم لحماً ورمونا حسكاً.

"آه يا بحر" فمتى تصاب بالتخمة، إذ لم يفض من غض لحومنا عن البراميل ما نرميه فيك، ولا من طريق للهروب من المنفى إلى المنفى، بعد سد حتى طريق الموت إليك وعبرك، وكللت الجارة تركيا اتفاقها الأوروبي، بمنع السوريين حتى من أمل الموت غرقاً.

قصارى القول: في الماضي، ربما يجوز أكل أسماك البحر المتوسط، وإن رآها البعض مكروهة، بعد مقتل قرابة 2813 سورياً غرقاً في رحلات الحلم إلى الشمال الديمقراطي، جلهم من لحوم أطفالنا الغضة، بيد من له أن يفتي اليوم بأكل آكل البشر وسرقة ما كان يسد رمق من آثر من السوريين البقاء بسوريته، ولم تؤويه مخيمات الذل أو تغره بلاد الأحلام.

في الأمس، أحس البحر المتوسط بالجوع بعد إغلاق المعابر على تجار الأزمة وتضمين المهاجرين السوريين اتفاق بروكسل، فما كان له سوى أن يأكل أكل السوريين.

والقصة باختصار أن شحنة صادرات سورية بحمولة 1600 طن من الخضار والفواكه، متوجهة إلى روسيا لكسب ود حليف قتل الثورة والسوريين، أغرت الأزرق ذا اللقب الأبيض وأسود القلب، فهاج وماج حتى تأخرت بموعدها، ولم يك أمام تجار الأسد من بد، بعد رفضها من حراس مرفأ نوفرسيسك الروسي...إلا رميها بالبحر.
نهاية القول: ربما ومن علم الجريمة، لا تقع كامل الجناية على البحر، وإن رأى فيه السوريون خصماً، يضاف إلى قائمة المؤجلات ثأرها ريثما تسنح القوة، فحرّموا لحمه كما الميتة والخنزير ورأوا حتى فيمن يجاوره، حواضن عدوهم وقاتلهم التقليدي.

إذ ثمة جناة دفعوا بالسوريين ليأكلهم وغذاءهم البحر، كما أكلت ثورتهم الوحوش، بعد أن لبسوا فرو الحملان وتقنعوا بوجوه الأمهات، فقبل رمي التهمة على البحر وتحميل المسؤولية على القاتل الوريث، ربما من الإنصاف للتاريخ وللأجيال، أن نستذكر تاريخا لما يؤرخ بعد، بدأ تسطير حروف خيانته ساسة الوهم، من معارضين جوعى ومناضلين مرضى، قبل أن يجوّد الأشقاء ومن ادعى الصداقة، مرثيات الثورة والسوريين.

ربما لا يكتمل وجع الموت قهراً، إلا إن لم يعرف آل القتيل إلى قبور موتاهم طريقاً، وهذا المتطرف حرم السوريين ترف زيارة موتاهم، ليتحالف مع ذلك المتطرف الوريث، الذي قتلهم ودفعهم عنوة للمقتلة.

*من كتاب "زمان الوصل"
(168)    هل أعجبتك المقالة (175)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي