ربما، لم يصدر حتى الآن شعار كمثل "الأسد أو نحرق البلد" سواء لجهة ما يحمل من تضاد، تجلت في قمة الوجودية والعدمية في آن، أو لما تعلق بترجمته واقعاً وفعلاً على الأرض، ولم يبق أسير الخطابات أو حتى أماني الثوار، كالدولة الديمقراطية و"واحد واحد واحد".
وربما يطول الشرح، إن بحثنا في عوامل وأسباب ترجمة "أو نحرق البلد" في حين فشل سواه من نداءات الثوار ووصايا أصدقاء الشعب السوري، بعد أن تكاتفت الجهود، داخل سوريا وخارجها، لإجهاض بقية الشعارات، رغم دعواتها الأقرب للأماني التي تعبر، أو بالأحرى عبرت، قبل غلبة كفة الراديكاليين، عن حال وتطلع السوريين.
ومن الأهمية بمكان ربما، الإشارة إلى شعار يحمل من القسرية، أكثر مما حمله "أو نحرق البلد" من تناقض، فكان "التجويع حتى التركيع" فيه من إعلان الاستقواء ولا يحمل التخيير التي أتى عبر "أو" في الشعار الأول.
ومن سخرية الأقدار والمسخرة التي كست المجتمع الدولي، وفي مقدمته الديمقراطيون الكبار والمنظمات الإنسانية والحقوقية، أن تهديم البلد قد تحقق دونما أن يذهب الأسد، وكذا تحقق التركيع ولكن مصحوباً باستمرار التجويع.
ربما من منطلق "الخزينة جيوب رعاياها" ولأن الخزينة السورية فارغة، فمن حق الراعي أن يفرض على الرعية تحسين وضع الخزينة، فالعلاقة متعدية ومعادلة النفع ذات السهمين المتعاكسين، متبادلة.
قصارى القول: لم يفلت من حرق وتهديم البلد، حتى المناطق التي مازالت ترى بنظام الأسد، الحامي والضمانة، ولعل ما جرى بجبلة وطرطوس الأسبوع الفائت، بعض غيض سيفيض ولا شك، لطالما بقي الأسد، ريثما يتحقق الفصل الختامي من الدور الوظيفي لهذا النظام، الذي لم يسمح سيدا البيت الأبيض وتل أبيب، من إسقاطه حتى تحقيق كامل المؤامرة.
وربما يكون في تهديم البنى والهياكل، الذي تلا التركيز على تهديم الإنسان واقتلاع أي أمل بالتعايش المستقبلي، بعض من الهدف، الذي بدأنا نلمس تهافت "الأصدقاء" على السعي لاقتسام كعكة خراب سوريا، بعد التمهيد لإعادة الإعمار.
ولم يبتعد هدف التجويع كثيراً، وإن له من الأهداف، ما يفوق السيطرة على ثروات سوريا وإيقاعها بوطأة ديون، لن تخرج منها ربما لقرون، لأن الجوع والبطالة وفي غالب الأحايين، تبتعد أهدافهما كما آثارهما عن الاقتصاد، لتطاول المجتمعي والأخلاقي، إذ ليس صحيحاً على الدوام، أن "الحرة تجوع ولا تأكل بثديها".
وكما لم تسلم مستعمرات الأسد من التفجيرات والتهديم، دونما الخوض في الأسباب والجناة وتوفير المناخات، أيضاً لم تسلم من سلاح التجويع، فما رأيناه أخيراً من زيادة على أسعار الاسمنت والمياه الكهرباء وأجور النقل، بل وحتى "الهواء" بعد رفع تعرفة أسعار اتصالات شركتي رامي مخلوف، إنما هدفه، بواقع تهاوي سعر صرف الليرة وتثبيت الأجور، التجويع ليطال حاضنة الأسد، أو المستهدف منها على الأقل، ليخيروا هذه المرة، بين الهجرة وبيع ما يباع لآخر مرة، وبين البقاء راكعين ليستخدموا كأوراق بصناديق انتخابات مقبلة، وهم مجردون من ترف الخيار، بعد أن نال الجوع منهم وترك عليهم آثاراً تفقد مكتسيها جرأة الرفض.
نهاية القول: ليس من جدوى أو أمل يرجوه السوريون، إن من الأشقاء الذين ساهموا بالتوريط وحرف سكة وأهداف الثورة لئلا يصلهم شررها، ولا حتى من الأصدقاء الذين عجزوا، والمجتمع الدولي مجتمعاً، ليس عن إسقاط الأسد، بل عن وقفه الحرق أو التجويع، فأن يمنع الأسد حتى إدخال فريق أممي من دخول داريّا المحاصرة منذ ثلاث سنوات، ليكشف، مجرد كشف، عن حاجات الجوعى المحاصرين، ففي ذلك ما يؤكد قطعيا، حماقة من مازال يعول على غير ظفره، لإسقاط نظام أكد العالم حاجته لبقائه.
بيد أن المستغرب، في واقع يقين السوريين بعدم رغبة المجتمع الدولي بإسقاط الأسد، موافقة هيئة التفاوض، على استئناف جولات جنيف، دون أن يوفروا حليبا للأطفال وطعاماً للجوعى، أو يعدوا ما يلزم على الأرض، ابتداء من مؤتمر وطني أو جسد سياسي يلملم السوريين ويعيد لهم بعض وزنهم وماء وجه ممثليهم، فمن لا يستطيع بناء الأمل وإيقاف تهديم الأحلام وسد جوع المحاصرين، لا يحق له بيع مواقفهم والتنازل باسمهم، رغم معرفتنا أن رفض الحوار ليس من السياسة بشيء.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية