علمتنا الثورة أن ننفخ على اللبن مرارا ونعد للعشرة قبل مديح فعل أو شخص أو حتى مشروع، بعد أن منينا بخيبات، من مناضلين، كانوا قبل الثورة "رموزاً" ومن "ثورجية" باعونا من الأماني، بحجم الأموال التي نهبوا والدماء التي سفكوا أو تسببوا بإراقتها.
وسرى التوجس والتمحيص، قبل إطلاق أي صفة أو حكم قيمة- كعادة فينا. ولكن، ولأن لكل قاعدة شواذّ، ولأننا بأمس الحاجة لمن ينير بارقة أمل، بآخر نفق سوريتنا المظلم والمسدود، نسعى لتلقف أي خبر، عن فعل يقلب طاولة استهداف الثورة والحكم عليها بالموت، بعد حرفها لحرب أهلية نهاياتها مفتوحة على كل أبواب جهنم. أو شخص لديه من التطلعات والذهنية، ما يعيد إيماننا بـ"كفى بك داء أن ترى الموت شافيا".
بالأمس، فاز طبيب القلب الجراح، جواد أبو حطب برئاسة الحكومة السورية المعارضة، خلفاً لأحمد طعمة المتوقف عمله وأداء حكومته منذ أشهر، لأسباب بعضها ذاتي له علاقة بعدم كفاءة البعض أو زج البعض الآخر لأسباب جغرافية وسياسية، وربما جلها -الأسباب- موضوعي، يتعلق بعدم وجود تمويل، حتى لسد أجور الوزراء والعاملين وحفظ ما تبقى من ماء وجه "سلطة المعارضة التنفيذية". لم يكن لخبر الحكومة الجديدة ما يستحق من إعلان وتلقف في أوساط المعارضة، ليس لأن أمر السوريين غدا خارج أيديهم وقراراتهم فحسب، ولن يكن للحكومة، أي حكومة، أي حول أو قوة لتصلح ما أفسده "الثورجية" والمناضلون، أو إزالة العصي من عجلة الثورة التي تعمّد وضعها الشقيق قبل من ادعى الصداقة، بل ولأن الحكومة المؤقتة لم تعرف طريقاً، عبر من تعاقب عليها، للوصول إلى الداخل ووجع السوريين وآلامهم.
قصارى القول: وفق ما رشح، حتى تاريخه على الأقل، يمكن القول إننا أمام رأس لفريق حكومي يعمل، بعد أن عمل بالداخل ولم يختر الفنادق والمؤتمرات، منابر لنضاله، فرأى السوريين بعد تحولات الثورة التي قلبتهم وطباعهم وعاداتهم رأساً على عقب، بل وعايش تلك التحولات ما يزيد من آمال التعويل عليه.
بالأمس، وبعد اجتماع جمع أبو حطب مع ممثلي المجالس المحلية للمدن والمناطق المحررة، قال الرجل ما كنا ندفع ما تبقى من أعمارنا لنسمعه" عمل الحكومة سيكون خدمياً وتنفيذياً للشعب السوري في المناطق المحررة، لن تكون الحكومة حزبية ولا سياسية ولن تنحاز إلى أحد دون الآخر. ستكون حكومة لكل السوريين ولكل الكفاءات، الحكومة حالياً ليست لقيادة الشعب السوري بل لخدمته وتلبية احتياجاته وإيصال صوته وإعادة المؤسسات إلى العمل، خدمة السوريين لا تتعلّق بمدى الانفراج السياسي وهدف عمل الحكومة للحفاظ على المجتمع السوري من الانهيار، سواء كان ذلك بالتعليم الأساسي أو بإتمام التعليم العالي من أجل تأهيل الكوادر اللازمة لإعادة بناء سورية أو بغيره، وثمة أولويات تتمثل حالياً في إعادة بناء مؤسسة الصحة والتعليم بشكل مقبول، والتعاون مع بعض المؤسسات ذات التأثير، بالإضافة إلى دعم المجالس المحلية وتمكينها على الأرض بشكل جيد " . ولعل الملفت بذهنية الطبيب الرئيس ثلاثة أمور، إن حسبنا ما سلف عاديا ومكرورا أو يجب أن يقال.
الأول إعلانه السعي لتأمين تمويل ذاتي بالاعتماد على عمل الحكومة وقدرات السوريين، وعدم طلبه تمويلاً خارجياً، وربما في هذا، ليس خروجاً عن طقس المعارضة التي ألفناه خلال السنوات السابقة، إن من بحثهم عن التمويل قبل معرفة الدور والمهمة، أو بارتمائهم بأحضان الممولين وتنفيذ إملاءاتهم. بل ومعرفة للداء الأخطر الذي أصاب العمل الثوري، من اختراق ووصاية، منذ أدمن جل المناضلين على الدولار، والذي لا براء منه واستقلال القرار السوري لما يخدم السوريين والثورة، إلا بعد الاكتفاء الذاتي وعدم مد اليد والتسول باسم الثورة والمحتاجين.
الأمر الثاني، تأكيد أبو حطب على تشكيل هيئة للرقابة والتفتيش لمراقبة عمل الحكومة أولاً، وفي ذلك وبدون إطالة شرح، أن الرجل جاء ليعمل، لا ليسرق أو يسمسر ليؤمن حياة ما بعد المنصب.
أما الأمر الثالث وربما الأهم، فهو قرار انتقال الحكومة التي تقبع بتركيا منذ تأسيسها، للداخل، وفي هذا الكثير الكثير من الدلالات التي إن بدأت من الوقوف على مجريات الأرض وعمل مؤسسات المعارضة وطرائق استثمار الثروات، لا تنتهي عند زج حكومة المعارضة نفسها، على درجة من المخاطر التي تحيق بالشعب ولكن، وقد لا بد من ولكن، كيف ستؤمن الحكومة موارد وعائدات تسد نفقات وأجور من اعتاد على الدولار، ليزيد لديها ما يمكن أن تقدمه للشعب الصامد بالداخل، بعد معاناته لسنوات، آثر خلالها البقاء على الهجرة ووضع مفتاح بيته الصدئ بعنقه ويتغنى بالعودة التي لا عودة عنها؟
وربما الأهم، هل يمكن أن تتاح الفرصة لحكومة أبو حطب، هذا إن وفق بفريق يشبهه، أن تستقل بقرارها لتمنع السرقة وتؤمن موارد تكفي وتمنع اللجوء للبترو دولار، كما أسلافه. وهي -الحكومة- محكومة للائتلاف إدارياً ولتركة سلفها مالياً ولارتهان فرضه السابقون، لبعض التنظيمات بالداخل وبعض الأشقاء بالخارج.
ليس ما أتينا عليه من بعض واقع ووقائع، هدفه النيل من عزيمة رجل يفكر على نحو مؤسسي، بقدر ما هي هواجس وأسئلة، نعتقد أن معظم إجاباتها موجودة وعلى مرأى من أبو حطب بالداخل.
فإن فكر الرجل بمواسم الزراعة اليوم، لطالما نحن على أبواب حصاد الحبوب وجني المحاصيل الصيفية، فيمكن أن يتلمس بداية لملامح إجابات معظم الأسئلة، ومن الزراعة يمكن أن ينطلق لما تزخر به المناطق المحررة من طاقات بشرية وثروات وخيرات، ربما تجعل الحكومة مركز استقطاب وثقة، ليس للداخل المنتظر فرجاً بعد خيبته بمشاريع الغرباء ووكلاء الأنبياءعلى الأرض، بل ولمن هم بالخارج الذين جربوا وقوف الكرام على أبواب وحدود اللئام.
نهاية القول: سقطت الثورة خلال سنواتها الخمس، بمطبات الأسلمة والتسليح والتدويل ورهن الموقف وربما غيرها، بيد أن الجوع، للضوء والمال والكرسي، هو المطب الأكبر الذي وقعت به ثورة السوريين ومن كنا نحسبهم رجالاتها، وعلى ما يبدو أن جواد أبو حطب رجل وشبعان.
عدنان عبدالرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية