أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ظرفاء رمضان الجدد (ديمستورا).. خطيب بدلة

دي ميستورا - أرشيف

تاريخياً؛... ارتبط اسمُ شهر رمضان، عند السوريين، بالفكاهة والكوميديا... ومنذ تمثيليات القَصَّاص الشعبي حكمت محسن الإذاعية، مروراً بأعمال دريد لحام ونهاد قلعي وخلدون المالح، ثم تجربة ياسر العظمة في مسلسل مرايا، وإبداعات الليث حجو في بقعة ضوء، ما تزال سوق الكوميديا الرمضانية رائجة. 

ولكن.. في سنوات الثورة، وظروفها القاسية، اختلفت طبيعة الكوميديا المُنْتَجة خصيصاً للسوق السورية.

ومن الفصول الكوميدية الشديدة الإضحاك ما صَرَّحَ به المبعوث الدولي إلى سورية السيد ستافان ديمستورا، بعد اجتماع الدول الداعمة لسورية في فيينا 17 مايو 2016، بأنه يخشى أن يتضارب موعدُ جلسة المفاوضات في جنيف مع حلول شهر رمضان المبارك!.. مضيفاً أنه يفكر بإجرائها بدءاً من 26 مايو، لأن رمضان المبارك، الفضيل، يبدأ في صباح اليوم السادس من يونيه القادم! 

في أول رمضان مَرَّ على السوريين، بعد ظهور "موضة" قصف المدن والقرى من الأرض والجو، استبشر بعضُ الأهالي الطيبين خيراً، لاعتقادهم أن النظام سيرأف بحال الصائمين ويتوقف عن قصفهم خلال شهر العبادة هذا، وقال قائلٌ منهم، ببراءة: طبعاً سيتوقف القصف.. أليس الرئيس بشار الأسد مسلماً مثلنا؟!

نعم يا أخي، أي نعم. مسلم ابن مسلم.. ففي سنة 1973، يوم أصدر مجلس الشعب السوري النسخةَ الأولى من الدستور الخاص بانقلاب حافظ الأسد، خرج متظاهرون في بعض المدن السورية، كحماه وحمص، احتجاجاً على عدم ذكر عبارة (دين رئيس الجمهورية: الإسلام).. وإذا بحافظ الأسد يَظْهر على شاشة التلفزيون، معطياً توجيهاته إلى مجلس الشعب بإضافة العبارة التي تؤكد على أن (دين رئيس الجمهورية هو الإسلام) إلى نص الدستور، قائلاً: وبالنسبة إلي لا توجد مشكلة، فأنا مسلم والحمد لله!... 

تلقى مجلس الشعب هذا التوجيهَ التاريخي بعاصفة من التصفيق، والهتاف: بالروح بالدم نفديك يا حافظ، وزغردت بعض السيدات الأعضاء، وقام أحد الأعضاء وارتجل أبياتاً شعرية مدح بها حافظاً الأسد، ناصرَ الإسلام والمسلمين، حفيدَ طارق وخالد وعمرو، القائد الذي لا يشغله عن نصرة الدين الحنيف شاغل! وجَدَلَ أحدُ الأعضاء منديلاً أبيضَ ورفعه في الهواء وشرع يقول (دوه دوه) ويدبك! فانضم إليه أعضاء آخرون، وعقدوا المناديل، ودبكوا ابتهاجاً بهذا النصر المؤزر للإسلام الذي جاء على يد هذا القائد التاريخي المسلم!.. ولكي يبقى سيادتُه عند حسن ظن هؤلاء الأعضاء، أقصد: الدَبِّيكة، فقد طلب من وزير الإعلام أن يُرسل فريقاً تلفزيونياً ليلاقيه في أقرب جامع، حيث جلس متربعاً على الأرض، وأمسك بيده سبحة من فئة الـ "مئة وحبة"، وخشع مصغياً إلى مواعظ فضيلة الشيخ خطيب الجمعة الذي كان يتحدث عن طاعة أولي الأمر... ولما نادى المنادي للصلاة، وقف الأسدُ في حضرة الله تعالى خاشعاً، بينما وقف حارسُه الشخصي وراءه يمط رقبته المطاطية ويتناوأ مثل الحردون الواقف على سياج كروم التين.

وبعد تسع سنوات من هذا التاريخ، أمر سيادتُهُ بإزالة بضع حارات (مسلمة) في حماة عن وجه الأرض، وقَتْل مَن فيها من رجال وأطفال ونساء (مسلمين)، وأعطى توجيهاته الحكيمة لوزير إعلامه بأن يمنع أي نوع من الكاميرات العادية أو التلفزيونية من المرور في حماه تحت طائلة القتل، ووجه مخابراته باعتقال أي سوري يتلفظ بكلمة واحدة تشير إلى هذه الإزالة التاريخية للحارات الحموية!.. ورفع، بالمقابل، من معدل ذهابه إلى المساجد في أيام الجمع، والعيدين، ونصف شعبان، والإسراء والمعراج، ورأس السنة الهجرية، وأصبح يولم لمشايخ المسلمين الذين لم يساقوا إلى المشانق أو إلى سجن تدمر، في السابع والعشرين من رمضان، ليلة القدر التي تَنَزَّلُ الملائكةُ والروح فيها، بإذن ربهم، وتؤخذ له لقطات قريبة وهو يمد يده، في لحظة الإفطار، متناولاً شقَّ تمرة، وجرعةً من الماء الذي يجعل الظمأ يذهب، وتبتلُّ العروق، ويثبت الأجر بإذن الله. 

الآن، يجب على المسلمين الذين لم يقتلهم حافظ الأسد في تدمر وحماه وحلب وجسر الشغور، والذين لم تجر تصفيتهم في سجن تدمر والمعتقلات الأخرى على أيام حافظ الأسد ووريثه، والذين لم يقتلهم الجيش العربي السوري الباسل والإيرانيون والروس بالمدافع والطائرات والبراميل، والذين لم يتمكنوا من الهرب إلى دول الجوار بسبب تشديد إجراءات حماية الحدود، والذين لم يموتوا كمداً من طول هذا الكابوس التاريخي، أن يرسلوا تحية عاجلة إلى السيد ديمستورا لحرصه على مشاعرهم الرمضانية، ولأنه، بهذا الحرص، يعطي للأسد المسلم الورع وبقية المجرمين العابرين للحدود، فرصةً جديدة لمواصلة قتلهم، وتدمير بيوتهم، وتهجيرهم، وحصارهم، وتجويعهم، في رمضان، وفي بقية أشهر السنة.

خطيب بدلة - زمان الوصل
(191)    هل أعجبتك المقالة (199)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي