• ضرب "الشخير" وابنه قاضية سورية وكاد يتسبب في موتها، ثم ادعى عليها بجرم السرقة
• "الشخير".. أنا "زلمة" القائد وابن خالة وزير العدل
• "اللحام" و"الأحمد" اتفقا على "لفلفة" قضية الاعتداء، لكن القضاة صعدوا الموقف
• الشخير: "ليش بقي قانون بسوريا"
روت مصادر مطلعة لـ"زمان الوصل" تفاصيل وملابسات قضية الاعتداء على قاضية سورية من قبل ابن خالة "وزير العدل" في حكومة النظام، لافتة إلى أن الأمر يتجاوز قضية الانتهاكات الحاصلة بحق القضاء والقضاة، ليرسم لوحة متكاملة لنظام مافيوي الكلمة العليا فيه لـ"الشبيحة" ومن يمولونهم.
وقالت المصادر إنه وقبل عدة أيام تعرضت القاضية "سيدرا حنفي" رئيسة إحدى محاكم الصلح بدمشق إلى محاولة خطف تحت تهديد السلاح فضلا عن شتمها وضربها بشكل مؤذ؛ ما أدى لإصابتها وفق تقرير طبي رسمي بارتجاج في الدماغ وكدمات ورضوض.
وبدأت قصة "حنفي" عندما توجهت إلى منزل يستأجره "جهاد الشخير" عضو مجلس الشعب المنتهية ولايته، وهو ابن خالة وزير العدل في حكومة النظام "نجم الأحمد".
ووفقا للمصادر فقد دخلت "حنفي" إلى العقار بغرض تنفيذ كشف القضائي وقالت لـ"الشخير" إنها جاءت لتطبيق القانون، فأجابها "الشخير" بلهجة استهزاء وتعال: "ليش سوريا بقي فيها قانون" ثم انقض عليها، وأوسعها -بمعية حراسه وابنه- ضربا، وسبب لها أضرارا جسدية طالتها مع اثنين من الموظفين الرسميين.
ولم يكتف "الشخير" بذلك بل حبس القاضية "حنفي ساعات، إلى حين تدخل جهات قضائية عليا.
*لا إيجار ولا تسليم
المصادر التي كانت ومازالت على دارية بحيثيات قضية الاعتداء وما جرى تدوينه في ضبط الشرطة، قالت لـ"زمان الوصل" إنه وبتاريخ 10 أيار/مايو الجاري توجهت القاضية "سيدرا حنفي" رئيسة محكمة الصلح المدنية الثالثة بدمشق لإجراء الكشف القضائي العقاري على منزل سكني يقع في مشروع دمر (دمشق) مستأجر من قبل عضو "مجلس الشعب" جهاد الشخير، بحكم رفضه دفع أجرة المنزل أو تسليمه لمالكه.
وتوجهت "حنفي" إلى العقار لإجراء الكشف القضائي، بناء على الدعوى المقدمة من مالك العقار، الذي يتمسك به "الشخير" دون وجه حق، فيما يشبه عملية "الاغتصاب".
وكان برفقة "حنفي" 3 أشخاص، هم: الخبير العقاري "حسين الأحمد"، كاتبة الضبط "فاطمة مرعي"، والمحامية "نجاح الناصر" وكيلة الجهة المدعية، وعند وصول "حنفي" وهيئة الكشف إلى المنزل خرج إليهم "الشخير" ليسأل القاضية عن سبب قدومها، فأخبرته أن مالك المنزل أقام دعوى قضائية ضده أمام محكمتها لإخلائه من المنزل كونه لا يدفع الأجرة ويرفض تسليم المنزل لمالكه، وأنها تريد أن تقوم بالكشف القضائي على المنزل تنفيذا للقانون.
وهنا خاطبها "الشخير" بتكبر: "ليش ما بتعرفي مين أنا؟!"، موضحا لها أنه "عضو مجلس الشعب" وأنه "زلمة" النظام والقائد، ومخبرا إياها بأنه لن يسمح لها بالكشف على المنزل، معقبا: خذي هيئة الكشف وانصرفي فورا أفضل لك.
أجابت القاضية على كلام "الشخير" مذكّرة إياه بأنها حضرت لتنفيذ القانون وأن كل ما تريده هو الكشف على المنزل من الداخل عدة دقائق فقط ثم ستغادر، مؤكدة له أنه يستطيع الدفاع عن نفسه في المحكمة، فأرغى "الشخير" قائلا: "ليش سوريا ضل فيها قانون"، وشرع في شتم القاضية وسب القضاء والدولة، معاودا التذكير بأنه "زلمة" النظام وأنه يقدم للدولة "خدمات جليلة"، حيث لديه مئات العناصر (الشبيحة) الذين يصرف عليهم ويدعمهم.
عند هذا الحد لفتت القاضية انتباه "الشخير" إلى أنها ستعود دون الكشف على المنزل، لكنها ستصدر حكما قضائيا ضده لأنه منعها من الكشف وفقا للقانون، فانفلت "الشخير" من كل عقال وهجم على "حنفي" مشهرا مسدسه الحربي في وجهها.
*"التوسط" لدى الجاني
ولم يكن "الشخير" وحده في معمعة الهجوم على "حنفي"، حيث عاونه ابنه "صالح" وعدد من مرافقي عضو مجلس الشعب الذي يشغل موقعا في "لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في مجلس الشعب"، بل ويحمل "إجازة جامعية في الحقوق"، وفق ما تقول بيانات الأعضاء في "مجلس الشعب".
فقد انهال "صالح الشخير" وعدد من مرتزقة والده بالضرب على "حنفي" وعلى هيئة الكشف المرافقة لها وقاموا باختطافهم تحت تهديد السلاح وحبسهم في غرفة في داخل المنزل.
وفي سلوك يجسد جوهر النظام و"زلمه" لم يكتف "الشخير" بضرب "حنفي" الذي أسال دمها وأفقدها وعيها، بل عمد إلى الاتصال بابن خالته "وزير العدل" نجم الأحمد، وأخبره بأنه ألقى القبض على القاضية "سيدرا حنفي" وهي تسرق الذهب والنقود أثناء قيامها بالكشف القضائي على منزله، وقد احتجزها تأديبا لها.
وفي هذه الأثناء كان أعضاء هيئة الكشف قد تمكنوا من الاتصال مع المحامي العام الأول بدمشق وأخبروه بما تعرضت له "حنفي" وأنهم مخطوفون وبحاجة للنجدة، ولكن الاستجابة لم تأت قبل مرور عدة ساعات.
فبعد "التوسط" لدى الجاني (الشخير)، سمح بإطلاق سراح "حنفي" حيث نقلها إلى المشفى، وهناك أكد الطبيب الشرعي في تقرير رسمي بأن القاضية تعرضت لارتجاج في الدماغ وجروح ورضوض مختلفة، فضلا عن تعرض مرافقيها إلى كدمات وجروح أيضا.
*لفوها
ومرت كل تلك الأحداث دون أن تنبري سلطات النظام إلى اتخاذ أي إجراء بحق "جهاد الشخير" أو ابنه.
وعندما أمر المحامي العام الأول بدمشق "أحمد السيد" بفتح تحقيق في الموضوع، قام العقيد "أحمد فرحات" رئيس قسم شرطة دمر باستدعاء "الشخير" وابنه، وفتح ضبط شرطة وأخذ إفادتهما وهما "معززين مكرمين"، دون أن يعمد إلى توقيفهما.
وفي الضبط المدون بإفادته كرر "الشخير" ما قاله عن "خدماته" للنظام وبأنه ابن خالة "وزير العدل"، وعاد ليهدد بأنه سينقل القاضية "سيدرا حنفي" أو يقيلها، متهما إياها بالسرقة من منزله، رغم شهادة هيئة الكشف المرافقة بكذب ادعاءات "الشخير".
وبالتزامن تقدمت "حنفي" بإدعاء شخصي ضد "الشخير" عبر محاميها "قيس رمضان" الذي أوضح في نص الادعاء بأن "الشخير" ارتكب جناية وجرما مشهودا ضد قاض أثناء تأدية عمله، وهذا يسقط الحصانة الممنوحة لـ"الشخير" بموجب عضويته في مجلس الشعب.
وطلب محامي القاضية المعتدى عليها بوجوب توقيف "الشخير" وإحالته إلى القضاء موجودا، لكن كل ذلك لم يجد، فقد تُرك "الشخير" ليغادر بعد اتفاق كل من "وزير العدل" و"رئيس مجلس الشعب" جهاد اللحام وتوصيتهما لرئيس قسم شرطة دمر بـ"لفلفة القصة" وختم الضبط.
*الأحمد يتكفل بالمصاريف من "جيبه"
وفي اليوم التالي انتشر خبر الاعتداء على القاضية بين قضاة دمشق وسوريا، وفي أوساط المحامين، واتفق القضاة على تعليق جلساتهم لحين محاسبة "الشخير" وإنصاف زميلتهم المصابة، وفي خطوة منه لتطويق أي تداعيات إضافية، عمد "وزير العدل" نجم الأحمد إلى استدعاء القاضية "سيدرا حنفي" إلى مكتبه وكان ذلك بحضور عدد من أعضاء مجلس الشعب.
وخلال "استضافته" للقاضية المعتدى عليها، تعهد "الأحمد" بأنه سيسدد فاتورة المشفى وتكاليف علاج القاضية من جيبه الخاص، علما أن القاضي في سوريا ليس لديه تأمين صحي، وليس لدى من يعتمد على راتبه قدرة على تحمل نفقات الاستشفاء الباهظة.
ولكن مجموعة من القضاة والمحامين الذي أحسوا أن ما لحق بزميلتهم "حنفي" موجه لهم، وأن "الدور" قادم عليهم بشكل أو بآخر، استمروا على موقفهم الداعي للقصاص من "الشخير" وابنه، وبناء على هذا الموقف أمر المحامي العام بدمشق باستدعاء "الشخير" وابنه صالح، وحقق معهما قاضي التحقيق السادس في دمشق بجرم الإيذاء المقصود والاعتداء على موظف أثناء تأدية عمله والسب والشتم.
لكن ما كان يفترضه المحامي العام "مهدئا" لغضب القضاة، زاد حنقهم، لأنهم اعتبروا ما وجه للشخير وابنه من اتهامات يندرج تحت صفة الجنح الخفيفة، بينما كان ينبغي على النائب العام أو وزير العدل بصفته ممثلا عن القضاة أن يدعيا على "الشخير" بجرم الشروع في اختطاف قاض وتعذيبه ومحاولة قتله أثناء تأدية عمله.
ولكن ظن القضاة خاب من جديد، وترك "الشخير" ليذهب إلى بيته دون إصدار مذكرة توقيف قضائية، وتم الاكتفاء بتوقيف ابنه صالح في نظارة القصر العدلي بدلا من إيداعه سجن دمشق المركزي (عدرا)، وعلم بعض القضاة لاحقا أن "صالح الشخير" فرغت له غرفة خاصة في نظارة القصر العدلي (مكان توقيفه)، وأنه يعامل أفضل معاملة ويستقبل الزوار والأصدقاء!
*ليست الأولى
وذكرت المصادر لـ"زمان الوصل" أن حصانة تمويل الشبيحة ورعايتهم هي الحصانة الحقيقة التي منعت مقاضاة "الشخير" أو التعرض له، وليس "حصانة مجلس الشعب"، فعندما يريد النظام إسقاط حصانة دبلوماسية أو قضائية عن شخص ما يسقطها دون أن يشاور أحدا.
وقالت المصادر إن "وزير العدل" نجم الأحمد يحظى بنفس حصانة ابن خالته بل ربما أعلى، إذا إن السر الأكبر الذي يجعل بشار الأسد متمسكا بـوزير عدله هو الدور المحوري والمؤثر لـ"الأحمد" في رعاية وتجنيد وتمويل الشبيحة القادمين من عموم المنطقة الشرقية في سوريا، حيث يعد "الأحمد" عرابهم وزعيمهم، يعاونه في ذلك "الشخير".
ونوهت المصادر بأن حادثة الاعتداء على القاضية "سيدرا حنفي" ليست الأولى من نوعها بحق قضاة سوريين، فخلال السنوات الماضية تكررت حوادث ضرب واحتجاز قضاة من قبل قوات الأمن و"الشبيحة"، ومنذ نحو شهر تعرضت محكمة مدينة شهبا (السويداء) إلى هجوم من مجموعة مرتزقة، حاصروا بناء المحكمة عدة ساعات، وقد لقيت امرأة حتفها نتيجة إطلاق النار أثناء الحاثة، وحتى الآن لم يتم القبض على المتورطين، لأنهم محسوبون على "مجموعة" فوق القانون.
وختمت المصادر حديثها مؤكدة أن القضاة قرروا تعليق العمل والجلسات القضائية يوم الأحد الموافق 15 أيار/مايو 2016، إلى حين ظهور نتيجة التحقيق مع "الشخير"، بعد أن قرر قاضي التحقيق إعادة استجوابه يوم الأحد تحت ضغط القضاة، الذين يواجه بعضهم في المقابل ضغوطا من مخابرات وأجهزة النظام من أجل السكوت وطي القضية.
سجل "الشخير"
عندما أخبرتنا المصادر بأن "جهاد الشخير" لديه سجل جنائي وهو من أصحاب السوابق، وأكدت لنا أنه وضع في "مجلس الشعب" تعيينا من قبل بشار الأسد، حيث لم يحصل على أصوات "انتخابية" تؤهله للفوز، نظرا لسمعته السيئة في محيط محافظته.. قررنا أن نتحقق من هذا الكلام بطريقتنا فرجعنا إلى الأرشيف الجنائي الذي تملكه "زمان الوصل" والذي يحوي قرابة 2.5 مليون مذكرة.
وقد كشف الأرشيف الجنائي أن "جهاد الشخير" بن صالح وسعدة الهبو مواليد 1974 دير الزور، صدرت بحقه "بطاقة مطلوب" مرتين، المرة الأولى عن "النيابة العامة بحلب" بتاريخ 7-11- 2000، وبينت أنه مدين بغرامة 11 ألف ليرة بـ"جرم استيراد تهريب".
أما البطاقة الأخرى فصدرت عن " مديرية تنفيذ دير الزور" بتاريخ 1-1-2012، وتقضي بـ"عند العثور عليه إلزامه بدفع مبلغ وقدره 49900 ليرة سورية، وإذا ظل ممتنعا عن الدفع وضعه بالسجن لمدة 90 يوما".
وأدخل النظام "جهاد الشخير" إلى مجلس الشعب في صيف 2013، عندما أعلن "فوز جهاد صالح الشخير في الانتخابات التي أجريت لملء المقعد الشاغر في مجلس الشعب عن القطاع أ في دائرة محافظة دير الزور".
وأصدر بشار الأسد بنفسه المرسوم الذي خوّل "الشخير" الدخول إلى مجلس الشعب، وهو المرسوم رقم 195 تاريخ /6/6/2013، الذي قضى بإجراء "انتخابات تكميلية على المقعد الشاغر في دائرة محافظة دير الزور"، وقد "تنافس على المقعد كل من جهاد صالح الشخير وحمادي شلوف الحساني" ليعلن النظام لاحقا أن جهاد الشخير هو من "فاز.. دون أن أي اعتراضات أو طعون على نتائج الانتخابات من قبل المرشحين".
في الطريق
تستعد "زمان الوصل" خلال الفترة المقبلة للبدء بنشر حلقات عن ملف شامل يتناول حال "القضاء والقضاة" في سوريا طوال العقود الماضية بمختلف جوانبه (هيكليته، تقسيماته، رموز الفساد فيه، العمل على تطييفه...).
إيثار عبدالحق - زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية