لم يك من عفوية في قصف مخيم "الكمونة" بإدلب، بل وليس للخطأ أو التبرير من مكان، فحتى جدار أو سقف اسمنتي واحد، يتذرع القتلة بمن يختبئ وراءه أو تحته، لايوجد في ذلك الملجأ السمائي الذي كان آخر ملاذات الهاربين من الموت بريف حلب وتدمر.
وحتى مجال التنصل من هذه الجريمة، طريقه مسدود مسدود أمام نظام القتل، فالمعارضة لمّا تمتلك طائرات بعد، وإن امتلكت، فربما لا يكون النازحون، أول أهدافها وباكورة تجارب نسورها.
كما لم تأتِ محاولات إبادة حلب بمن تبقى فيها، على مدى عشرة أيام من القصف، كفعل فردي يمكن للقتلة التنصل من مسؤوليته، إن ليس أمام المحاكم الدولية لاحقاً، فأمام التاريخ الذي لن تحول الجغرافيا من عدالته، وإن طالت نهاراته وانتظاراته.
كما لا أظن من أي عفوية، بصورة كنانة علوش "السيلفي" والقتلى الثوار خلفها، بل أعتقد، وإن غير جازم، أن في سلوك هذه الموظفة، امتداد لما بدأه شبيحة الأسد، من مشاهد مصورة وعبارات مسجلة، من قبيل "ربك بشار" أو قتل المعتقلين بوحشية، إن ضمن المعتقلات أو ما كشفته "موبايلانهم" فيما بعد.
ترى لماذا هذه الفعائل التي فاقت كل التوقعات، بل وتعدت حدود جنون الصفح وحتى احتمالات التعايش؟!
أعتقد أن الإجابة جاءت وبأبلغ أشكالها، في احتفالية الأسد -بوتين على مسرح تدمر الأثري الخميس الفائت، لتقطع أي تأويل وتصفع من كان يخامره شك بعدم قصدية الأسد وآله وصحبه، ويظن أن قتل السوريين فقط، لأنهم ثاروا على حكم الوريث واقترفوا جرائم المطالبة بالحرية والكرامة وتداول السلطة.
فالذي جرى بتدمر، بمناسبة عيد نصر الأسد على السوريين وعيد نصر السوفييت على النازية، يدلل على تلك الذهنية الثأرية، التي لم يرها السوريون، أو حاولوا التكذيب وعدم رؤيتها على مدى نصف قرن.
قصارى القول: تنكس الدول المحترمة، التي تسعى للمواطنة والديمقراطية، أعلامها وتعلن الحداد على قتلى بحادث قطار، أما أن تتم الاحتفالات على الدماء والجثث، بعد قتل وتهجير أكثر من نصف سكان سوريا، ففي ذلك انتفاء لوجود الدولة أولاً، وثمة ما يريد زعيم العصابة إيصاله ثانياً، فالإشارات الصادرة عن مسرح الأثري الخميس وعلى المسرح الروماني الجمعة، لا أعتقد سيخطئ التقاطها كل من يهمه الأمر، فالذي جرى من كيدية، عبر مزج غذاء الروح بالدم، بالتزامن مع قصف مخيم الكمونة للاجئين، وقبل أن تجف دماء السوريين بحلب، بل وبتوقيت التفجير الذي حصد سوريين بمناطق سيطرة الأسد بحمص، يتعدى سعي وريث ديكتاتوري للاحتفاظ بالكرسي ولو على جثث مناهضيه، لأن قتلى حمص، هم من المغيبين الذين يرون بالأسد ضمانة للطائفة، بعد أن جرها عبر سنوات الثورة لطريق اللاعودة.
نهاية القول: يؤثر بشار الأسد رسم النهاية الحتمية، ليس له فقط، بل ولطائفة مؤيديه معه، فما رشح عن اجتماعه بمستشار مرشد الثورة الإيرانية علي أكبر ولايتي أمس، من أن الأسد مصمم على المضي بالطريق للآخر، إنما يؤكد -عودا على بدء- تخطيط كل ما تم تسريبه، من صور قتل وتعذيب، لتوسيع الفجوة وإلغاء أي أمل بسوريا لجميع السوريين، ويزيد، في الآن عينه، تصميم السوريين على اقتلاع دولة الحقد من جذورها، أياً بلغت الأثمان ومستوى الرعاية الدولية لأقلية القاتلين.
عدنان عبدالرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية