
استخرجت "زمان الوصل" من بين آلاف الوثائق التي تخص تنظيم "الدولة"، وثيقة تشير إلى صلة شقيق أحد المنضمين إلى التنظيم بهجمات مدريد التي وقعت في ربيع 2004، وعُدّت أكثر الهجمات دموية في عموم أوروبا، منذ حادثة إسقاط طائرة بان أمريكان فوق بلدة "لوكربي" عام 1988.
وتكشف الوثيقة عن التحاق مواطن مغربي يكنى "أبو عمر الريفي" بتنظيم الدولة، في صيف 2014، حيث دون في حقل "الملاحظات" الخاص به عبارة تقول: "أخوه منفذ عمليات الميترو في مدريد.. والأخبار أنه استشهد في العراق".
وتحمل هذه الوثيقة أول إشارة رسمية وصريحة -في كل وثائق التنظيم- إلى أحد المتورطين في تفجيرات مدريد كما تكشف مصيره (مرجحة أنه قضى في العراق)، علما أن هجمات مدريد شغلت ومازالت تشغل حتى الآن أجهزة الاستخبارات حول العالم، فضلا عن وسائل الإعلام المختلفة؛ لشدة تشعب القضية، وما شابها من ملابسات اعتقال وتبرئة وملاحقة ومحاكمة طالت عشرات الأشخاص، من جنسيات مختلفة.
*ارتباط وثيق
"أبو عمر الريفي" الذي تحجب "زمان الوصل" اسمه الحقيقي عملا بسياستها القاضية بحفظ الخصوصية الشخصية.. هو عنصر تفيد بياناته الأخرى المدونة في الوثيقة إلى أنه شاب في أوساط العشرينات من عمره، غير متزوج، يقيم في العاصمة الإسبانية مدريد.
وتقول الوثيقة أيضا إن التحصيل الدراسي لـ"الريفي" يقف عند مستوى الثانوية، وإن معرفته الشرعية بسيطة، وإن عمله الذي كان يزاوله قبل الالتحاق بالتنظيم كان في قطاع "صناعة الأدوية".
وقد ترك "الريفي" رقمين للتواصل مع ذويه حين تدعو الحاجة، ويعود الرقمان لشقيقين له، مقيمان في إسبانيا حسب ما يظهر من الرمز الدولي (المفتاح).
والمثير للانتباه أن الكنية الحقيقية (اسم العائلة) لـلعنصر "أبو عمر الريفي"، لاتمت بصلة إلى أي عنصر ممن تم اعتقالهم ومحاكمتهم طوال الأشهر والسنوات اللاحقة لتفجيرات مدريد، وهم يعدون بالعشرات، وقد أعلنت عنهم السلطات الإسبانية عن كثير منهم، ونشرت وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم أسماءهم.
كما إن من اللافت أيضا أن "الريفي" دخل إلى سوريا 30 أيار/مايو 2014، وهو نفس التاريخ الذي دخل معه شخصان مغربيان يدعى أولهما "أبو بلال الأندلسي" عمل وأقام في إسبانيا مدة 7 سنوات، أما الآخر فيكنى "مجاهد العربي المغربي" وأقام في إسبانيا 6 سنوات.
وقد دخل الشبان الثلاثة (أعمارهم متقاربة نوعا ما) في نفس التاريخ ومن نفس المنفذ الحدودي (تل أبيض)، وعبر وساطة شخص واحد يكنى "أبو منصور المغربي" بتزكية من شخص اسمه الحركي "أبو عبدالرحمن المغربي".
وأبعد من ذلك، يبدو ارتباط الأشخاص الثلاثة (أبوعمر، أبوبلال، مجاهد) وثيقا أكثر من المعتاد، فقد تم فرزهم سوية إلى العراق، كما ثبت لـ"زمان الوصل"، التي كشفت استقصاءاتها عن "أبو عبدالرحمن المغربي" بأنه من الشخصيات المفتاحية التي يتكرر اسمها في وئائق التنظيم، حيث ساهم هذا الشخص في استقطاب وتجنيد وإرسال عدد لايستهان به من الشبان المغاربة إلى تنظيم "الدولة"، علما أن هذا الشخص مقيم في إحدى أهم مدن المغرب.
ويبدو "أبو عبدالرحمن" على علاقة وثيقة بـ"أبو منصور" الذي كان حينها ممثلا وواسطة لتنظيم "الدولة" في معبر "تل أبيض"، وكانت مهمته استقبال الشبان المغاربة القادمين إلى سوريا، وإرسالهم إلى التنظيم ليلتحقوا به دون غيره من الفصائل العسكرية.
*تحولات
تعد تفجيرات مدريد (11 آذار/مارس) 2004 أعنف تفجيرات ضربت إسبانيا، من حيث عدد الضحايا الذي خلفتهم ومن حيث تأثيرها على السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، كما تعد أشد هجوم دموي في عموم أوروبا منذ حادثة "لوكربي" عام 1988.
وقعت التفجيرات صباح يوم الخميس 11 آذار، في ساعة الذروة، وبشكل متزامن، تم فيه ضرب 4 قطارات أنفاق (ميترو) بواسطة 13 مفخخة مؤقتة، انفجرت منها 10 مفخخات، مودية بحياة 191 شخصا من 17 جنسية حول العالم، الغالبية العظمى منهم إسبان (143 شخصا)، كما أصيب زهاء 1800 شخص آخرين.
خلفت الهجمات موجة ذعر عارمة في إسبانيا وعموم العالم الغربي، وأعادت إلى الأذهان ذكرى هجمات 11/9 في الولايات المتحدة، لاسيما أنها (هجمات مدريد) وقعت في تاريخ ويوم شديد الرمزية، بعد مرور 911 يوما على هجمات الولايات المتحدة!
ومنذ وقوع تفجيرات مدريد التي عرفت اختصارا باسم "إم 11"، انطلقت حملة ملاحقات ومحاكمات استمرت سنوات عدة، كما تعرضت السياسة الإسبانية الداخلية والخارجية لتحولات، تمثلت بخسارة حكومة "خوسيه ماريا أثنار" للانتخابات وصعود خصمه الاشتراكي "خوسيه لويس ثاباتيرو"، علما أن التفجيرات وقعت قبل 3 أيام فقط من انعقاد الانتخابات العامة حينها.
وخارجيا، سارع رئيس الوزراء الجديد "ثابتيرو" إلى إعلان تبرؤه اللفظي والعملي من نهج سلفه "أثنار" المتمثل في دعم واشنطن فيما يخص غزو العراق، وأنجز رئيس الحكومة الإسباني انسحاب قوات بلاده من العراق في صيف 2004، وقبل شهر من الموعد المجدول.
*إدانات وبراءات
وفي ساحة الأمن والقضاء، كان العمل أكثر صعوبة وتشعبا، مع شن حملات اعتقال وعقد محاكمات وإصدار أحكام إدانة واتهامات ومذكرات قبض طالت العشرات، من جنسيات مغربية وسورية وإسبانية ولبنانية وتونسية وجزائرية.
ولأخذ صورة مبسطة عن تعقد الملف الجنائي والقضائي لتفجيرات مدريد، يكفي أن نعرف أنه وبعد مرور عام فقط على التفجيرات، وتحديدا مع حلول آذار/مارس 2015، كانت السلطات الإسبانية قد اعتقلت أكثر من 70 شخصا يشتبه بصلتهم بالهجمات، تم إطلاق 17 منهم، فضلا عن اعتقال اثنين من المشتبه بهم خارج إسبانيا.
وهناك إلى جانب عشرات المعتقلين، 7 أشخاص مشتبه بضلوعهم في الهجمات فجروا أنفسهم وقتلوا جميعا، وإلى جانبهم أيضا حوالي 8 مشتبه بهم متوارون عن الأنظار، 5 منهم صدرت بحقهم مذكرات اعتقال دولية.
وبعد أن ترددت أصداء الشبهات والملاحقات على خلفية تفجيرات مدريد في عواصم مختلفة، حتى وصلت واشنطن.. بعد هذا كله، أصدر القضاء الإسباني في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2007، حكمه بحق 28 مشتبها، أدان منهم 18 شخصا وبرّأ 7 آخرين.
وانعكست خطورة القضية على شدة الأحكام، حيث حكم على 3 من المتهمين بأحكام تناهز 125 ألف سنة!، منها حكم على المتهم المغربي الرئيس "جمال زوغام" بـ43 ألف سنة سجنا، فضلا عن عامل المناجم الإسباني "خوسيه تراشوراس" الذي زود المتورطين بالمتفجرات، والذي حكم عليه بـ35 ألف سنة.
وفي نفس المحاكمة، تمت إدانة اثنين من حملة الجنسية السورية، غير أن المحكمة العليا عادت وبرأتهما بعد نحو 9 أشهر مع اثنين آخرين من المدانين سابقا.
ولكن الملاحقات والمحاكمات لم تتوقف هنا، ففي نهايات 2008، عقدت محاكمة في المغرب لشخص يدعى "عبد الإله أحريز" بتهمة الانتماء إلى جماعة "إرهابية"، وخلال المحاكمة طالب الادعاء العام بالحكم على المتهم بالسجن مدى الحياة، قائلا إن عينات من الحمض النووي أثبتت تورطه في هجمات مدريد.
وفي صيف 2009، برأت محكمة إسبانية مختصة بقضايا الإرهاب 10 من أصل 14 شخصا مشتبه بتورطهم في مساعدة مدانين في الهجمات، فيما قضت على الأربعة المتبقين بأحكام تتراوح بين سنتين و9 سنوات، بتهم مختلفة تتدرج من التزوير حتى الانتساب إلى منظمة "إرهابية".
وفي مطلع 2010، أدانت محكمة إسبانية 5 متهمين، قالت إنهم ساعدوا أشخاصا متورطين في تفجيرات مدريد على الهرب، لكن المحكمة العليا ألغت بعد نحو عام (شباط/فبراير 2011) حكم الإدانة بحق الأشخاص الخمسة.
*مفتوح من جديد
وهكذا.. يبدو أن الملف الذي فتح في آذار/مارس من 2004 ما زال مفتوحا بصيغة أو بأخرى رغم مرور السنوات، ويبدو أنه سيكون مفتوحا بشكل مختلف هذه المرة، على ضوء ما كشفته "زمان الوصل" من معلومات تذكر اسم أحد المتورطين في هجمات مدريد، بل وتكشف عن مصيره المحتمل.
إيثار عبد الحق - زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية