لا أظن من "فيزيا" بالأمر، رغم تعدد مستويات الحالة السورية، ودخول أي تحليل حول ما يجري أو التكهن لما سيجري، في خانة التنجيم.
فالحقيقة الآن ساطعة، وربما لا تقبل تعدد القراءات والتأويل، فبعد استبعاد حلب عن هدنة "نظام الصمت" وتركها وحيدة لمصير الموت والتغيير الديموغرافي، دخلت الثورة السورية في مراحلها المتقدمة، ليتعدى التأديب شعبا تجرأ على طلب الحرية والكرامة، ليطاول القصاص، من ناصر الشعب على تماديه.
ربما قسم كبير من القراء، لا يعلم كنه "سياسة التضبيع" التي تتعاطاها روسيا منذ أيام ثورة السوريين الأولى، بعد خسارتها وعبر التاريخ الحديث على الأقل، في اقتسام كعكة خراب الشعوب، منذ يوغسلافيا فأفغانستان فالعراق وليبيا.
ومفهوم هذه السياسة التي لا يجهلها أهل القرى على الأقل، أن الضبع يدحم على فريسته لجس نبضها ومعرفة قوتها ومدى شجاعتها وثباتها، فإن نمرت الفريسة، يتحول الضبع إلى هر وينسحب، أما إن ضبعت، فيزيد من دحمه حتى يتحول لأسد قبل افتراسها.
وكذا روسيا بوتين، التي ضبعت واشنطن والدول الغربية، وتحاول افتراس أنقرة اليوم، متذرعة بأن تركيا تغبّر بالحمام مستندة على ثأر ونكوصية فضحه رجال دينها بحربهم المقدسة العام الفائت، تبرره إسقاط طائرتها التي كانت تقتل التركمان في جبال اللاذقية، في نوفمبر 2015.
اليوم، بوتين القيصرية أيقنت أن تركيا ضبعت، إن ليس لأسباب موضوعية تتعلق بتخلي واشنطن وحتى حلف الشمال الأطلسي عنها، فعلى الأقل، لأسباب ذاتية لها علاقة بتفجير تركيا من تنوعها القومي، والكردي الأداة بيد موسكو خاصة، ولتمسكها بحلمها التنموي الذي تسعى له قبل مئوية تأسيسس الدولة في 2023.
قصارى القول: منذ عشرة أيام وطائرات الأسد وروسيا تدك حلب، وسط صمت ومباركة دولية، رغم تهديم المنشآت الصحية والخدمية وقتل الأطفال والنساء تحت الأنقاض، فلماذا حلب ولماذا الآن؟
ربما ليس من شك، لأن حلب درة سوريا وعاصمتها الاقتصادية، وقد لأن حلب بيضة قبان الثورة، فباحتلالها تموت الثورة من نظرهم أو تتحول لحرب عصابات، أو لعل ثمة حنين إلى حلب عاصمة الحمدانيين، من منظور نكوصي يحلم بتغيير ديموغرافي، بعد ماتم بمباركة الأمم المتحدة في مضايا وحمص ودمشق.
أو، قد يقول قائل، لكسر شوكة الثوار وإرغام هيئة التفاوض التي علقت مشاركتها بمباحثات جنيف، لتعود صاغرة وتقبل بإملاءات روسيا وترضخ للمشاركة بحكومة يقودها الأسد.
بيد أنه، ورغم وجاهة وربما صحة كل تلك الأسباب، إلا أن لجغرافية حلب سبب آخر، وربما يكون الأساس والأهم، إذ في ضرب حلب واحتلالها، قطع لإمداد تركيا للثورة والثوار، ومن حلب، سيقطع الحلم التركي بدعم السوريين حتى انتصار ثورتهم وأخذ حصة من إعادة الإعمار وعودة الحلم التركي لاعتبار سوريا ممره الإلزامي تجاه الخليج وآسيا.
كما في إلغاء حلب من خارطة أمن تركيا، يزيد من تسريع "كردستان سوريا"، فتملك روسيا ورقة الضغط المميتة على تركيا، تلوح فيها أنى اقتضت الظروف والمصالح.
خلاصة القول: صمتت تركيا عن معظم ما جرى ويجري للسوريين، وتراجعت عن خطوطها الحمر منذ حمص حتى قتل التركمان، بيد أن صمتها اليوم وتركها لمقتلة حلب أن تمر، هي الخسارة الأخيرة التي ربما لا يمكن تعويضها.
لاشك أن تدخل تركيا لوقف جحيم موت السوريين وتغيير الجغرافيا والتاريخ، ليس بالأمر البسيط وممكن دفع التكاليف، بواقع الاستقواء الروسي والصمت الأوروبي والعربي، بل والمباركة الأمريكية العلنية، بيد أن التعويل على السياسة في ضمان الحدود الدنيا، عبر إعادة طرح منطقة آمنة بمحاذاة "كلس" أو الرضى بواقع الأمر الواقع، هو الأبهظ والأخطر، تكتيكياً واستراتيجياً، ليس لجهة قتل الثورة السورية وإعادة إنتاج الأسد فحسب، بل ولما يتعلق بأمن تركيا الداخلي واستمرارها بحلمها الاقتصادي، الذي أبطل الزمن والمتغيرات، سياسة أمس في تصفير المشاكل.
هي لحظة تاريخية تمر، أو ستمر سريعاً، التدخل بوقفها أو حرفها عما يرسمون، جد مكلفة لتركيا وعلى جميع الصعد والمستويات، بيد أن الأكلاف تتضاعف إن استمر التضبيع وتركها تمر.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية