وأياً تبدلت المواقف وطغى الاستقواء ومحاولات إعادة إنتاج النظام، فلدى السوريين ألف ألف سبب ليثوروا، وأكثر منها ليستمروا بثورتهم.. وأكثر وأكثر ليتطلعوا إلى حقوقهم بالقصاص فيما لو استمر تغييب العدالة.
اجتاحني التفكير بموت المعتقلين تحت التعذيب وموت المحاصرين جوعاً، وأي ألم يكابدون، ريثما تخرج الأمانة من أجسادهم الطينية النحيلة. وتفرعت الفكرة إلى كل ما يمكن تحميلها، من سيناريوهات مؤذية، لمجرد التفكير بها.
ترى، ما موقف من يقوم بالتعذيب وهو يرى المعتقل يلفظ أنفاسه الأخيرة، هل يعيش حالة ثأر بحيث لا يسمع الاستغاثة وصرخات الألم، أم يخشى إن لم يُعذب أن ينتقل لمكان الأسير؟!
هل بكى من يضرب المعتقل ولو لأول مرة شاهد خلالها من بين يديه يفارق الحياة، أم تجلمدت أحاسيسه، أو أخضعوه لدروات جلمدة، قبل أن يوكلوا له المهمة، وعبؤوه بكل ما يزيد وحشيته وإجرامه ؟!
ارتسمت أمامي جثث أكثر من 11 ألف سوري قضوا تحت التعذيب، وبدأت أحصي عدد المجرمين الذين ساهموا بموتهم، ابتداء من وشاية الاعتقال فمراحل الموت البطيء، وصولاً للتعامل الحيواني مع الجثث.
ولأن الحالة توالدية ولم أستطع الخروج منها، تركت لمخيلتي المزيد لتصوّر لي ملامح من يموت جوعاً.
كيف نظرت الأم والزوجة والأولاد، إن كان القتيل أباً لأسرة، إثر إطعام ما يبقي أهله على قيد الحياة، ليموت فداء لهم، أي حالة عاشوها وبماذا يمكن أن يردوا، إن توفرت لهم مستقبلاً، شروط وظروف الرد.
قلبت المعادلة في ذهني، لأتصور أن القتيل طفل، عجز أبويه عن تأمين أكسير بقائه على قيد الحياة، حليباً كان أو طعاماً، أو حتى دواء، فهل أغلى على الأهل من الولد، وكم من الوجع الذي لا يوصف، عاشوه وهم يسمعون الترجي أو يرون في عينين غائرتين، أرجوكم أنقذوني.
وخطر لي، في واقع هذه المشاهد المؤلمة، أن أقارن، بين الموت جوعاً وتعذيباً، أيهما أوجع ؟!
رغم صعوبة، أو ربما استحالة وصف ما لا تحس وتعاني، عجزت عن تصوّر أيُّ الميتتين أصعب وأوجع، فإن رجحنا إيلام الموت جوعاً، لأن من يقتل تجويعاً لا يرى قاتله وهو يحتضر، ما يصعب الموت لجهل تحديد القاتل بدقة، ولأن من يمت بهذه الحالة، يفارق الدنيا ومحبيه ينظرون إليه ويراهم، ففي ذلك مضاعفة للوجع، إن ما يشعر به من يموت ذاتياً، أو ما يضيفه حزن وموت من حوله وهم أحياء، موضوعياً.
يعود الموت تعذيباً ليقفز للصدارة، بواقع الألم الجسدي المترافق لألم الروح والنفس، وما يسمع المقتول من قاتل، ظن يوماً أنه ابن جلدته، أو يشبهه بالإنسانية ويشاركه الوطن والهواء والخبز، على الأقل.
نهاية القول: بصرف النظر عن كل الذي يجري من تعامي عن موت السوريين، ومحاولات طمس الحقائق وطي صفحات الإجرام، من مجازر البيضة والحولة، فكيماوي الغوطة، وصولاً لما جرى من قتل بالسجون وجراء الحصار.
يبقى السؤال عن رد السوريين، الذين سيبلغون حريتهم يوماً مهما طال الانتظار، إن تمادى العالم الديمقراطي بتشجيع موتهم بعد أن ملّت الأمم المتحدة، حتى من إحصاء عدد موتاهم، لأن التسامح في واقع إفلات القتلة من المحاكمة والعقاب، يعد ترفاً واستفزازاً، من منظوري الديمقراطية والإنسانية.
وعود على بدء، لأن لا فكرة من عدم، كان لدخول المساعدات أمس، لمحاصري الرستن منذ أربع سنوات، وطبعاً لما تركته مشاهد التجويع بالغوطتين ومضايا، سبب التفكير.
كما كان لما قيل عن بدء الأمم المتحدة بالتحري عن المعتقلين وخبيرة من الصليب الأحمر ستبدأ عملها غداً الإثنين، بعد رمي كل دلائل "القيصر" التي قدّمها في أكثر معاقل الديمقراطية والحرية بالعالم، سبب المقارنة.
وأجهز عليّ مشهد أطفال الزبداني الباكين خلال رؤية آبائهم، بعد استكمال التغيير الديموغرافي أمس، لأعيش أسير الفكرة التي أعلن أسفي لنقل آلامها لكم.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية