مقال نشر في 2015-12-20
تعيد "زمان الوصل" نشره للتذكير به
ما إن تم انتخاب، رئيس الوزراء المنشق، رياض حجاب، كمنسق عام للهيئة العليا للمفاوضات، التي تمخضت عن مؤتمر الرياض أخيراً، حتى انهال مجتمع المعارضة، أو جلهم لئلا أقع بالتعميم، على حجاب نقداً وسباباً، وبعض مجتمع الموالاة تهكماً، ليلتقي، ربما في سابقة، أنصار طرفي الصراع-وهذا لا يعني أن الثورة صراع كي لا يجدها البعض ممسكاً، لأني سأترك مماسك أخرى- على عدم الرضى عن حجاب.
واستذكر المنتقدون، أن الرجل كان من رجال نظام الأسد، فعمل بفرع حزب البعث وعمل محافظاً لغير محافظة وشغل منصب وزير، ومن ثم رئيساً لمجلس الوزراء، قبل أن ينشق عام 2012، وخلال مرورهم بتلك المسيرة، لم يفتهم، أو بعضهم، حتى التشكيك بنوايا حجاب وأسباب انشقاقه، دون التطرق مهنياً لكفاءته أو أهليته لهذا الموقع، وهل وجوده بمؤسسات قيادية على نحو عقدين من الزمن، يخوله لمعرفة ذهنية النظام وأسراره، ما يعني عدم بلع الطعوم التي أكلها سواه، ممن غرربهم الأسد وكشفت الثورة، لاحقا، سطحية وعيهم السياسي، رغم الادعاء بامتهان السياسة والتغني بسني السجن لعقود.
بداية القول: قد لا يكون من الحكمة، ولا حتى من فائدة ترجى لسوريتنا الجريحة، أن ندخل بمتاهات المنشقين وهل الانشقاق يجبّ ما قبله، أو حتى أن نعرّج على الأمثلة التي لا حصر لها، عمن ركب على ظهر الثورة، ليحقق ولو جزءاً يسيراً مما تركه خلف ظهرهم المنشقون، وقتما لبوا نداء ضمائرهم ووقفوا إلى جانب الشعب، رغم الخسائر والمخاطر التي وصلت بجلهم، لحياتهم وحياة أهليهم، ولعل في انشقاق رياض حجاب نفسه، دليلاً على ما تعرض له الرجل وأسرته من مخاطر، ولعل كثيرين يذكرون التصريح التلفزيوني الذكي لمعاون وزير النفط عبدو حسام الدين -أول منشق حكومي- وكيف غير وجهة طيران وأمن الأسد عن المحور الجنوبي، حتى نجا حجاب ومن معه من القتل، شبه المحتم وقتذاك.
لكن من الواجب، والملح أيضاً، تفنيد ذهنية الوصاية التي مازالت سارية، بعد مرور خمسة أعوام على صرخة أطفال درعا، والتي لا يمكن أن تبني أوطاناً أو تنقل سوريا للحافة المأمولة من الحرية والديمقراطية، تلك الذهنية الفتي فهمت الحرية على نحو مقلوب، والتي يؤثر معتنقوها، على توزيع شهادات حسن السلوك والثورية والوطنية، وفق برامج اتهامية بعيدة عن أي منهج أو علمية أو دليل.
وليزيد الاختلاط ويمرر "آل الثورة" اتهاماتهم، لا ينفكون عن رشقك بعبارات فضفاضة، قرأوها على فيسبوك أو سمعوها من ضيف ببرنامج ثوري على إحدى التلفزات التي عاثت بدم السوريين سفكاً وربحاً وتآمراً.
من هاتيك العبارات على سبيل الذكر، القانون الثوي والشارع، ولكن دون توضيح أو ذكر لمواد القانون الثوري أو لواضعيه وكفاءاتهم وخبراتهم الثورية، وكذا لجهة الشارع الذي يؤخذ في غالب الأحايين، كشماعة لتمرير الرغبات، إن لم نقل الأمراض والمصالح، دونما توصيف لهذا الشارع أو هل من الثورية قيادته أو الانقياد إليه.
وثمة ما هو ملفت خلال طرح الإخوة الثوريين، فما إن يحاججك أحدهم حتى يرشقك بكلمة "بعثي" وكأن في ذلك جريمة مكتملة الأوصاف، عليك الإقرار بها والانصياع لما يتفضل به الثوري مشكوراً من حكم، ربما يصل لتجريدك من سوريتك.
وكأن في سوريا، زمن الأسدين، كان سياسيو الأحزاب المعارضة يلاحقون السوريين للانخراط بصفوف أحزابهم، ليعارضوا "الحزب القائد" المستأثر عنوة بالحكم والسلطة.
أو كأن من يرمي تهمة "البعثي" كان مناضلاً بأحزاب وتنظيمات وأحرج قيادتي البعث، القومية والقطرية، بطروحاته وأعداد مرشحيه بالبرلمان ورفضه تشكيل حكومات بظل اغتصاب السلطة.
هذا إن لم نقع بمطب مانحي الشهادات، وتطرقنا لمن حسبناهم معارضين تاريخيين، من قوميين ويساريين، إن من بقي منهم حتى اليوم إلى جانب العصابة القاتلة، أو من عرّته الثورة، إن لجهة لهاثه للمال أو الضوء...أو حتى لجهة حنكته ووعيه السياسي.
قصارى القول: قد لا يكون رياض حجاب الأنسب، علمياً ومهنياً وتخصصاً لهذا المنصب، فحبذا أن نفند بهذا المنحى ونطرح البدائل، بعيداً عن التعميم والاتهامية، فأن نقول إن في الثورة شباباً وأصحاب كفاءة، فهذا كلام عام أولاً، إن لم نأت على أؤلئك الشباب الذي فضحت جلهم دكاكين السفارات ورشى الهيئات والمخابرات، ثانياً.
وأما الذي لا بد من قوله من قبيل لزوم ما يلزم، علّ نسبة الاتهام تخف عني، من قراء العناوين وأصحاب الأفكار المتكلسة والمعلبة، مفاده باختصار أن ليست العلة في أي دين أو حزب إخوتي، بل فيمن يعتنق هذه الايديولوجية أو تلك الروحانية، فعلى ما أعتقد، لم يأت فكر ايديولوجي ولا شريعة سماوية، على قتل الناس وسرقة أرزاقهم وكبت حرياتهم، بل على العكس على نحو معرفتي على الأقل، تأتي جميعها بنظريات وتعاليم أقرب للمثالية، ويتغير الأداء العملي في الغالب، بعد التمّكن وطول فترة الحكم، وكذا لجهة حزب البعث.
نهاية القول: ربما الأجدى اليوم، بعد قرار مجلس الأمن أمس، بحث الممكن في واقع التبدل الدولي من الثورة السورية، وأخذ أهلنا بالداخل وما يعانون، البوصلة الوحيدة لطروحاتنا، والبحث في برنامج وآلية التفاوض الذي فرضته الدول الكبرى فرضاً، وقدمن المفيد تناول مطالب الشعب ومرتكزات الثورة التي خرجت من الجوامع، لكنها لم تطالب بحكم الولاية ولا الخلافة، ولعل الأهم أن يجد ممثلو الثورة الذين سيفاوضون النظام القاتل، أن ثمة ظهراً يستندون إليه وعزوة وتأييداً لهم.
طبعاً إلى ما قبل بقاء النظام الديكتاتوري وبيع سوريا للأقوياء بناء على منطق الأمر الواقع وتبديد الحقوق والمحاسبة.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية