يعلم نظام بشار الأسد يقيناً، أن دوره الوظيفي شارف على النهاية، وربما حقق، بتنفيذه المؤامرة الكونية التي اكتشفها منذ أيام الثورة الأولى، ما لم تستطعه إسرائيل، على مدى سبعة عقود.
ولأنه يعلم أن مجرد وقوفه سيسقط، تماماً كما العجلة الهوائية، يحاول نفخ الروح بكل ما هو ميت، ليوحي لمن تبقى من مغيبين بالداخل، أو داعمين لإنهاء مهمته بالخارج، أنه مازال على قيد الحكم واقتصاده على قيد الإنتاج.
ولئلا ندخل بالاتهامية، سنسوق بعض أمثلة، فيها من النكات، أكثر مما تحوي من اقتصاد وأن "سوريا بخير".
قال مدير صناعة طرطوس، إن عدد المنشآت الحرفية التي تم ترخيصها وبدأت بالعمل بطرطوس خلال الربع الأول من العام الجاري بلغ 23 منشأة برأسمال 45 مليون ليرة فيما بلغ عدد المنشآت الصناعية 13 برأسمال 81 مليون ليرة، مبينا أن هذه المنشآت الحرفية والصناعية ستوفر 101 فرصة عمل.
فلو خطر لأي اقتصادي أو ذي لب، أن يقرأ هذا الخبر، فربما أول ما سيقوم به، هو تقسيم عدد الشركات الـ23 على رأسمالها الـ45 مليون دولار، ضمن واقع سعر الصرف الحالي، أي 525 ليرة لكل دولار، ليستنتج أن حصة الشركة أقل من 2 مليون ليرة، أي أقل من 4 آلاف دولار، وسيعلم أن رأس المال لا يكفي لفتح دكانة لبيع الخضار والفواكه، بواقع سعر البصل 300 ليرة والكوسا 600 ليرة.
أما إن أراد صاحب العقل أن يطلع على بورصة دمشق التي يؤثر نظام الأسد إلزامها بالتداول، فسيجد أن قيمة تعاملاتها ليوم تداول، تبلغ 20 مليون ليرة.
ولكن، ولأن المستهدفين من بقاء الدراجة على قيد السير، هم المراقبون الخارجيون، فعلى الأرجح سيحسبون من خلال عدد الأسهم وقيمة التداول، أن في سورية سوق أوراق مالية، دون أن يخطر لهم ربما، أن سعر صرف الدولار أكثر من 525 ليرة أو أن بورصة دمشق خالية من أي سهم لشركة خارجية أو شركة سورية منتجة، بل تقتصر على من صمد بسورية، لاعتبار سياسي على الأرجح، من فروع مصارف خارجية وشركات تأمين مفلسة.
وأن يمر هؤلاء المؤيدون لبقاء الأسد، حتى لو وضعوا له ثلاثة نواب من المعارضة، على خبر افتتاح مهرجان تسوق "صنع في سورية"، فلن يخامرهم الشك أن 80 % من المنشآت الصناعية دمرتها حرب الأسد على الثورة، وأن من نجا من الدمار والسرقة، توقف أو خفّض إنتاجه بعد رفع سعر الكهرباء 3 مرات والمازوت 5 مرات خلال الثورة، ووصل ضعف القدرة الشرائية بالسوريين، ليقتصروا على الخبز وبعض ما يسد جوعهم بواقع ارتفاع الأسعار أكثر من عشرة أضعاف وتثبيت أجورهم..اللهم إن كان لهم أجور.
قصارى القول: مسلسل الإعلان عن أن سورية بخير، لن يتوقف عند حد، وأصابه مرض أجزاء باب الحارة، فقد وقعت غرفة تجارة دمشق والمعهد العالي لإدارة الأعمال أخيراً، على اتفاق للربط بين مجتمع الأعمال في مدينة دمشق والمعهد بما يحقق أفضل استثمار للموارد البشرية والمادية.
ويتم بموجب الاتفاق تشكيل لجان مشتركة بين الفريقين لبحث ما يحتاجه طلاب المعهد لكي يتمكن من الدخول الى سوق العمل بسهولة وتعاون الفريقين على إقامة ورشات عمل مشتركة وإعداد دراسات قطاعية لإيجاد حلول علمية للمشاكل التي تواجه قطاع الأعمال إضافة إلى إمكانية استفادة الغرفة من أعضاء الهيئة التعليمية في المعهد في إطار الاستشارات العلمية وتنفيذ الأبحاث والدراسات التي تدخل في دائرة الاهتمام المشترك للفريقين وفق شروط يتم الاتفاق عليها فيما بينهما.
هذا الطرح الراقي والحضاري والتعاون بين المنظمات غير الحكومية والأكاديميات، لرفد سوق العمل بكفاءات وخبراء، يعزز من أن سورية الأسد، ليست بخير فحسب، بل تعد العدة لمنافسة اليابان بجودة الإنتاج وألمانيا بالتصدير.
بيد أنك، إن بحثت بالأمر قليلاً، فستجد نسبة البطالة بسورية تفوق 80 % وأن تجار دمشق، أنفسهم بلا عمل بعد أن حصرت حكومة الأسد الاستيراد والتصدير ببضعة تجار مقربين من النظام، بل وكثير من التجار لا يدفعون الرسوم السنوية للغرفة التي تهدد بفصلهم.
أما معهد إدارة الأعمال بدمشق، فهنا الطامة أكبر، إذ تم تأسيس هذا المعهد، بعيداً عن جامعة دمشق، لإرسال مسؤولي الغد ليتأهلوا ويحصلوا على شهادة إدارة، تبرر تعيينهم بمواقع حساسة، بما فيها وزراء.
إذاً، يؤثر نظام الأسد خداع العالم بأن ثمة عجلة اقتصاد تدور في سورية، وأن الإدارات والمؤسسات تعمل وتعد خططاً لمواجهة المستقبل، إلا أن حقيقة الأمر، وفضلاً عن تعدي خسائر الاقتصاد 254 مليار دولار واستمرار حكومة الأسد بالاستدانة ورهن الثروات والمقدرات، جل من بقي على رأس عمله بمؤسسات الأسد يتم الاستعانة به للحرب، ضمن تشكيلات عسكرية علانية تسمى "كتائب البعث".
نهاية القول: لأن البوصة هي "تيرمومتر" أي اقتصاد وسعر الصرف ينطلق من مرتكزات اقتصادية وعوامل نفسية تدلل على قوة الاقتصاد وثقة المكتنزين والمدخرين، يؤثر نظام الأسد الوريث، من خلال تدخل مجلس النقد والتسليف الأسبوعي بصخ كتل نقدية لحفظ ما تبقى من ماء وجه الليرة، وعبر إلزام بعض المؤسسات المالية بطرح أسهمها أسبوعياً، أن يدير الاقتصاد بعقلية السياسي وفكر الشعارات، ليطمئن من يهمه الأمر، أن اقتصاد الأسد كما سياسته، قنابل منزوعة الصواعق.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية