اختار الكاتب والإعلامي السوري "عبد الرحمن عمار" أن يغرد خارج السرب ويحلق في فضاء الحرية بعيداً عن التهجين الثقافي والإعلامي الذي مارسه النظام بحق الكثير من المثقفين الإعلاميين السوريين طوال العقود الماضية.
ودفع ثمن هذا الموقف ترهيباً واعتقالاً وإبعاداً عن مدينته "القصير"، وكان من أوائل الذين تم اعتقالهم من أهالي القصير بعد اجتياح جيش النظام للمدينة بتاريخ 2011/8/11
وروى عمار لـ"زمان الوصل" جوانب من تجربة اعتقاله التي بدأت باقتحام مجموعة من العساكر لبيته عند الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم واقتادوه إلى الشارع حيث كان أحد الضباط يجلس على الرصيف ومعه قوائم بأسماء المطلوبين.
أمسك العسكري بيده وعند اقترابه من الضابط أراد العسكري أن يبرهن عن ولائه للنظام فضربه على رقبته ضربة خفيفة، وهذه الضربة –كما يشير عمار- لم تؤلم جسده ولكنها آلمت روحه كثيراً، ولا تزال تؤلمه حتى الآن، لأن الضارب لم يتجاوز الـ20 من عمره والمضروب تجاوز 70 عاماً.
ويسترسل "عمار" سارداً ظروف اعتقاله مع أكثر من 150 مدنياً تم اعتقالهم ذلك اليوم "ساقونا إلى فرع الأمن العسكري بحمص، وهناك بقيت 6 أيام بغرض التحقيق وانتزاع المعلومات. وكان المكان ضيقاً جداً والازدحام شديد، مما يضطر المعتقلين للنوم وقوفاً أو فوق بعضنا البعض، في زنزانة لا تتجاوز مساحتها أكثر من مترين".
أثناء التحقيق كان المحقق يسأل الكاتب المعتقل "عمار" أسئلة تدل على معرفته بالكثير من تفاصيل حياته قبل الاعتقال، وهذا يعني أن المخبرين كانوا يجيدون عملهم بشكل متقن.
ويردف:"المحقق كان لطيفاً معي، لم يأمر بتعذيبي، ربما لكبر سني ولأنني من طبقة المثقفين، -هكذا قدرت- أما الشباب فكانوا يذهبون إلى التحقيق ويعودون، فنرى وجوههم وأياديهم وأجسادهم ملطخة بآثار التعذيب".
انتهت الرحلة الشاقة التي أمضاها "عبد الرحمن عمار" من فرع الأمن العسكري إلى ما يسمى "البولونة" الرهيب، برفسة استقبله بها عسكري من البادية ببوطه العسكري وإثر هذه "الرفسة" اللئيمة بقي عدة أيام يتألم قبل أن ينتقل إلى فندق من نوع "خمس نجوم" ويعني به -كما يقول- السجن المركزي في حمص.
في السجن المركزي أحس الكاتب "عبد الرحمن عمار" أنه يعيش تجربة فريدة من حياته يقول :"اشتهرت هناك باسم "الحجي" لأني كنت الأكبر سناً بين أكثر من ألف معتقل سياسي، أما نائبي في "الختيرة" فكان صديقي نجاتي طيارة".
داخل المعتقل الذي كان بمثابة منزول يقصده العديد من المعتقلين المتعطشين للمعرفة والحوار أمضى ابن "القصير" 4 أشهر وكانت "القواويش" خلالها -كما يروي- تزداد ازدحاماً يوماً بعد يوم، حتى باتت الممرات تغص بالمتمددين، وهم يحلمون بدقائق من الراحة.
عمل "عمار" في إذاعة دمشق مهندساً للصوت بدائرة المراقبة (الكونترول)، أي التنفيذ المباشر للبث الإذاعي في بدايات عمله الإذاعي وبقي عدة سنوات، وأثناء ذلك قام مع زميله الإعلامي الحر "توفيق حلاق" بإعداد برنامج "حياة بلدة" كان ذلك في عام 1972، وهو برنامج ميداني يعطي فكرة شاملة لهذه البلدة أو تلك القرية من النواحي الاجتماعية والزراعية والتعليمية وغير ذلك.
وبعد أن نال الشهادة الجامعية في قسم اللغة العربية، انتقل إلى قسم البرامج في إذاعة "صوت الشعب"، وأشرف على إعداد بعض البرامج، ومنها برنامج "أوراق ثقافية"، ثم أصبح معداً ومشرفاً على البث المباشر الذي يستمر ثلاث ساعات يومياً، إضافة إلى عمله كمراقب للبرامج والمسلسلات الإذاعية، كما أصبح حينذاك رئيساً لدائرة البرامج الثقافية والتمثيلية حتى عام 2003 حيث أُحيل على التقاعد.
ويستعيد "عمار" صورة الإعلام السوري كما عايشه من الداخل إذا "كان هذا الإعلام الذي يُوجّه من القصر الجمهوري خشبياً بكل معنى الكلمة، يعتمد التهويل والتخويف والتمركز حول نرجسية رأس النظام، وتصويره بهالة أسطورية، ويستدرك محدثنا ليقول بنبرة مؤثرة:" كنا مرغمين على الإسهام في تصنيع هذه الكذبة الإعلامية الكبيرة التي تقول أن الأسد هو زعيم الوطن، وقائد التشرينين ومحرر الجولان ومنقذ لبنان، وكل ما يقدمه لعامة الشعب هو مكرمة المكارم".
عاش "عبد الرحمن عمار" في دمشق 40 عاماً، لكنه لم يستطع الانفكاك عن مدينته "القصير" التي ابتعد عنها بالجسد ولكن علاقته بها ظلت بمثابة علاقة الروح بالجسد، ولا يزال منتمياً إليها روحياً وفكرياً وجسدياً بأرضها وناسها وعاصيها، آملاً أن يعود إليها بعد انتصار الثورة ليساهم في تعميرها ويُدفن في ثراها الطيب".
نشر عبد الرحمن عمار أول ديوان شعري له عام 1980 وأصبح عضواً في اتحاد الكتاب العرب منذ عام 1983، ولديه الآن 7 دواوين شعرية و3 كتب مطبوعة، و6 مخطوطات بين شعر ونثر تنتظر الطباعة.
وكتب عدداً من التمثيليات والمسلسلات الإذاعية، ونال في عام 2001 الجائزة الذهبية لأفضل كاتب على مستوى الوطن العربي في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن مسلسله "عبد الرحمن الغافقي" وكانت الثورة بمثابة المحرض الإبداعي بالنسبة له، إذ أوقف شعره لها وللقصير خصوصاً التي أرّخ لمراحل الشعر فيها منذ انطلاقتها إلى أن أصبح في بلاد الشتات.
كما أنجز كتاباً أرّخ فيه لأحداث ثورة "القصير" بشكل شبه يومي، مسجلاً فيه ما جرى أثناء الثورة من معارك وبطولات نادرة بأسلوب سردي موضوعي ذاتي، وكتعويض عن الحنين إلى الماضي، سجل "عمار" وهو في الشتات جوانب من تراث "القصير" وعاداتها وتقاليدها في مرحلة الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين في كتاب بعنوان "من تراث بلدي".
أما كتابه الصغير "ملحمة الموت والحياةــ أبطالها أهل القصير"فهو سيرة ذاتية وتسجيل دقيق وأمين لما حدث لأهل "القصير" التي كانت ولا تزال أيقونة من أيقونات الثورة السورية.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية