أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الخطأ الاستراتيجي القاتل*

أرشيف

خمس سنوات عجاف مرّت بها سورية، وبقي الشعب –أو من تبقى من الشعب- في نهايتها وحيدا.

واختلفت تسميات السنوات الخمسة بين الفرق المتصارعة؛ سمّاها النظام سنوات التمرد والإرهاب، وسمّاها الثوّار سنوات الثورة، وسمّتها بعض الحركات –رغم أن ولادتها جاءت متأخرة عملياً -تسميات جهادية، وسمّتها المعارضة السياسية أسماء عديدة اشتهر أكثرها ذيوعا بتسمية المعارضة والثورة... أياً تكن التسمية، فقد آن لهذه القوى المتصارعة أن تعترف أنها ابتعدت –بنسب متفاوتة-عن الشعب الذي عاش خمس سنوات عجاف، صمد الشعب خلالها في وجه النازلات، واستعان في صموده بالله عزّ وجلّ، وردد في كثير من الأحيان شعار: يا الله ما لنا غيرك يا الله.

سيعترض البعض ويقول: لا يجوز التسوية بين النظام وخصومه، ولا يجوز التفريق بين الثوّار والشعب، فقد خرج الشعب كله ثائرا على نظام شمولي مارس الاستبداد في أسوأ صوره، وعندما طالب الشعب بالحرية تمّ التصدي له بطريقة جرميّة ممنهجة لم تشهد لها سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية كثيرا من المثيلات.

حقاً لقد قام النظام الأسدي بالتصدّي لمطالب الشعب السوري بأسلوب وحشي، والحديث في وصف أفعال النظام القمعي بات من قبيل تعريف المعرّف، لقد كان هذا النظام المستبدّ الذي تسبب بإشعال الثورة من الناحية الواقعية بعيدا جدا عن الشعب الذي خرج عليه، لقد كان ينظر إلى السوريين من الأعلى، ويراهم جميعا مجرد أدوات لخدمة مصالحه، ولا يرفع مكانة البعض لديه أنه ميّزهم بوظيفة أو موقع، فجميعهم في النهاية وإن اختلفت استخداماتهم كانوا مجرد أدوات.

حتى الفئات (المحظوظة) كانت أدوات خادمة، استُخدمت خلال سنوات حكم النظام الأسدي لتنفيذ سياساته بما فيها القتل والتنكيل، ومن تمرّد منها -على قلّتهم- كانوا عرضة لبطش النظام وتنكيله.

لقد عاش نظام الأسد دائما ومنذ نشأته ولا سيّما في مرحلة التوريث حالة استعلاء كامل وانفصال حقيقي عن الشعب.

ثم جاءت لحظة الثورة؛ لم تكن ثورة محضّرة، وكذلك معظم الثورات، إنها اللحظة التي يصبح فيها عنق الزجاجة عاجزا عن مقاومة الضغط فينفجر، فالثورات وإن تغنّى بها البعض ليست خيارا ولا تنتصر بالأشعار، ولكنها تتمخض ثم تلد ثوّارا، وثوّار سورية –وأرجو ألّا يفهم أحد أني أشبههم بأي وجه بالنظام -بدأوا ثورتهم ملتحمين بأهليهم، فاحتضنهم حيّهم، واحتضنتهم قريتهم، وتغنّى الناس بثوّارهم الذين خرجوا ابتداءً بصدور عارية ليواجهوا بطش النظام وبنادقه، ثم اضطروا لاحقا لحمل بنادقهم في وجه دباباته. ولكنهم مع تطور الأحداث وتحريرهم لبعض المناطق، ومع انتقالهم بحكم طبيعة المواجهات إلى حواضن شعبية أوسع، راحوا يستشعرون السلطة ويتعالون على الناس الذين احتضنوهم وتقاسموا معهم لقمتهم وشرابهم في ظروف الحصار التي فرضها النظام، وربطوا آمالهم بهم، وراح الثوّار ينظرون لأنفسهم كأصحاب فضل، فيما ينظرون إلى الناس على أنهم مقصرين بحق ثورتهم، وتقبّل الثوّار التقسيمات المريضة المشبوهة (مدني، فلاح، بدوي، منطقتنا، منطقتهم، خنادق، فنادق، معلمي وقائدي، معلمك وقائدك....)، هذه التقسيمات التي ساهمت بعض القوى السياسية الموالية منها والمعارضة على حدّ سواء في صناعتها لغاية في نفس يعقوب، وانفصل الثوّار شيئا فشيئا عن حاضنتهم الشعبية.

و"المجاهدون" بدورهم –والذين جاءت انطلاقتهم متأخرة ومشوبة بالغموض- شابهوا الثوار في الالتحام بالناس عند الانطلاق، والانفصال عنهم بعد التمكّن، ونظروا -في الكثير من ممارساتهم- إلى الناس باستعلاء، وخاطبوا الناس بفوقية لا تتوافق مع: (وادفع بالتي هي أحسن)، واستخدموا التشدد سلاحا للإخضاع، فاعتبروا أنفسهم فاتحين، ونفوا الإسلام عن المسلمين، فقد بلغ ببعضهم أن يجمع أهل البلدة التي دخلها، في أرض مفتوحة، يحيط بهم رجالاته بسلاحهم، ويخطب فيهم خطبة المسلم الفاتح بالكفار، ويقذفهم ويقدح في دينهم، وكأن الله أطلعه على سرائرهم، فتأكّد له ردّتهم عن إسلامهم، ثم يهددهم: إذا تبرّجت البنت سآتي بأهلها فأربطهم إلى سيارتين وأفسخهم جزئين.

نسي ذلك الرجل أن امرأة زنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأتِ بأهلها فيربطهم إلى جملين ويفسخهم جزئين، وأن رجلا جاءه يعترف بالزنى، فلم يسأله الرسول: من كانت شريكتك؟ بل وصفه بالتائب وأكبر توبته.

لقد فقد المجاهدون بذلك أمّة كانت توّاقة لمن يرفع كلمة الحق في وجه الظالمين، وابتعدوا بدورهم عن الشعب.

أمّا المعارضة السياسية، الفعلية منها والشكلية، فقد وجدت في الثورة باباً للاعتلاء والارتزاق، فصنعت لنفسها المراتب والمناصب، وطلبت المساعدات والعطاءات واختصّت بالمنح والمعونات، وهي بعد ذلك لم تمتنع عن البيع والشراء، فباع بعضهم واشترى العقارات، وآخرون باعوا واشتروا الثورة والقضية وأحلام الناس وآلامهم.

ولم تكن مشكلة لدى البائعين أن يكون المشتري إسرائيل أو روسيا أو إيران أو الشرق أو الغرب.

لقد فقدت المعارضة مصداقيتها لدى الأجنبي الذي راح يصنع ضمن صفوف المعارضة لنفسه عملاء ينفّذ من خلالهم مآربه. والخسارة الكبرى للمعارضة كانت خسارتها للشعب.

وفي قناعتي أن هذه القوى جميعا، على ما فيها من تناقض وتباين وتباعد، وعلى اختلاف غاياتها ومقاصدها ومستوياتها في مراتب الشرف، ورغم أنه لا مجال للمقارنة بينها من حيث مقارفة بعضها للجريمة في أرذل صورها، وارتقاء بعضها في مراتب التضحية إلى أعلى مداركها، إلا أنها جميعا ارتكبت أخطاء استراتيجية متشابهة في تعاطيها مع الشعب، وفي تجاهلها لقدرة هذا الشعب على تحديد خياراته، سواء على مستوى القضية الكلّية أو على مستوى الجهات والأشخاص الذين سيتولون العمل على هذه القضية. 

وحتى ذلك الحين، وليعذرني المخلصون، والذين لم يقترفوا ما ذكرت في حديثي، وآمل أنهم كثير.

أقول حتى ذلك الحين فإن استخدام النظارات المعتمة، وزاوية النظر الفوقية، والانفصال عن الناس، الذي مارسته القوى الموجودة على الساحة، بمستويات متفاوتة، هو الذي دفع الناس، حالما توفّر بعض الهدوء، إلى الخروج مجددا إلى الشارع هاتفين: "يا الله مالنا غيرك يا الله".

*القاضي مصطفى القاسم - مشاركة لـ"زمان الوصل"
(191)    هل أعجبتك المقالة (195)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي