بدأ التقسيم.. "روج آفا" كوريدور علوي وحصة السنّة كيان "مسخ"

أعلن الكورد "الفدرالية" في "روج آفا" بعد يومين من مناقشات مؤتمر انعقد في رميلان تحت عنوان "الفدرالية الديمقراطية لروجآفا ـ شمال سوريا"، هل بدأ التقسيم مرحلة التطبيق، وطالما أن الروس ضمنوا قيام دولة "وظيفية" للعلويين في الوقت الذي يريدون، وهم أول من روج لفدرالية الكورد، كيف سيرد السنّة وما هو الشكل المفترض للكيانين الكوردي والسنّي.
*مكونات "روج آفا"
تمتد "روج آفا" وفق خرائط نشرتها مواقع كوردية بشكل عرضي على طول الحدود السورية التركية بمسافة 822 كم، كما تذهب طولاً لعمق 200 كم في أقصى الشرق على الحدود مع العراق وتقارب 70 كم على الحدود الغربية مع لواء اسكندرون، لتضم نحو ثلث مساحة سوريا وأكثر مناطقها الغنية بالنفط والماء.
المنطقة التي استهدفها الكيان "الفدرالي" تحت أنظار النظام السوري، هي تلك الممتدة من أقصى شرق سوريا إلى أقصى غربها على الحدود التركية وتضم ثلاث مقاطعات وهي عين العرب "كوباني" و"عفرين" و"الجزيرة"، وتسمية هذا الكيان تعني "كوردستان الغربية".
يشكل الكورد في سوريا نحو 10 % من السكان أي 2.3 مليون، وهم بطبيعة الحال لا يشكلون أغلبية في معظم مناطق ما يسمى "روج آفا"، ففي الحسكة لا تتجاوز نسبتهم 10 %، وفي وفي رأس العين تبلغ نسبة القرى الكوردية 34.4 % ، وفي القامشلي 33.7 %، وفي المالكية 39 %، ويغلب على مجمل هذا المناطق السكان العرب السنة إضافة لأقليات من المسيحيين السريان.
يرى قسم وازن من الكورد أن إعلان الفدرالية بهذا الشكل ومن طرف واحد يمثل مصالح حزبية ضيقة، ويرى الكثيرون أن هناك صراعاً ستظهر نتائجه في المستقبل القريب بين قوى "الإدارة الذاتية" التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة صالح مسلم والتي تسعى للانفصال، وقوى تدين بالولاء لزعيم الحزب الديمقراطي في كوردستان العراق مسعود البرزاني.
هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن فدرالية "روج آفا" ذهبت إلى أبعد من الحدود المفترضة لطموح الكورد، وهو ما فسره الإعلامي والمحلل السياسي الكوردي فاروق حجي مصطفى بأن "مقاربة الكورد لجغرافيتهم فاقت القومية، وصارت تتجه نحو الأعمق أي الوطني"، مدللاً على ذلك بأنهم اتجهوا نحو "الشدادي" في الحسكة، كما تمددوا في "كوباني" نحو الجنوب، كما شمل تواجدهم سد تشرين ثم "منبج" والرقة.
ويرى مصطفى أن التقسيم "صار واقعاً وليس افتراضاً بفعل الفئوية أو الطائفية أو الإثنية"، مستدركاً أن هناك تعذّراً لقيام دول أو دويلات مستقلة على اعتبار أن الظروف الجغرافية لا تسمح بذلك، أضف إلى ذلك المصالح الاقتصادية المشتركة، فضلا عن "تداخل المكونات جغرافياً واجتماعياً" معتبراً أن الفدرالية هي مدخل للاتحاد وهي الخيار الأفضل لمستقبل سوريا.
*خطة روسية ورفض أميركي
إذا كانت القوى الدولية متفقة على معارضتها للتقسيم، فمن الذي شجع على إعلان "الفدرالية" الكوردية من طرف واحد، وهل يمثل هذا الكيان طموحات الكورد القومية في دولة مستقلة، وإذا كان بالفعل لا يمثل فدرالية قومية فما منفعة هذا الكيان.
يصف المحلل والباحث في الشأن السياسي مصطفى كيالي محاولة الانفصال بدولة كوردية بأنه فرض "حزام علوي يبدو كوردياً في الظاهر" معتبراً أنه لا يملك أي "عمق إستراتيجي وهو محاط ببعد سني عربي تركي من الجنوب والشمال"، ما يعني أنه "لن يستقر أبدا وكلفته البشرية عالية وليس له مقومات دولة" كما أنه "يحمل تناقضات كبيرة في داخله فالأكراد لديهم خلافاتهم".
وإذا كانت هناك معارضة دولية كما بدا من تصريحات الخارجية الأميركية، وكذلك التصريحات الإيرانية، أضف إلى الرفض التركي المسبق فما تفسير الإعلان عن قيام الفدرالية، وهل كانت معارضة واشنطن مسألة شكلية لمنع إثارة غضب الحليف التركي، الأمر الذي يجيب عليه الباحث كيالي بالقول إن الولايات المتحدة "لن توافق على تقطيع عرضي لسوريا لأن هذا الشكل من التقسيم يوافق الخطه (ب) من الأجندة الروسية"، والسبب في ذلك هو دور سوريا الجغرافي والتاريخي كـ"كوريدور" شمالاً ـ جنوبا، وشرقاً ـ غرباً، وهذا مرتبط ـ حسب كيالي ـ بأمن الطاقة ومشاريعها، عدا عن أن هذا لن يحاصر الداخل السوري فقط وإنما إسرائيل أيضا على المدى الإستراتيجي".
*أمن تركيا ولواء اسكندرون
تصور "كيالي" يفتح على قراءة طبيعة الخلاف الذي نشأ بين الروس والأتراك، فأنقرة فهمت حسب ما يراه المحللون بأن الروس يحاولون وصل مكونات الكيان الكوردي على كامل الحدود الشمالية لسوريا وهذا ما استدعى من الجيش التركي منع سيطرة ميليشيا "وحدات حماية الشعب" على المنطقة بين اعزاز وجرابلس، وفي هذا إشارة إلى طبيعة الصراع الخفي، وكذلك يفسر أسبقية التصريحات الروسية بدعم الفدرالية، وهو ما عبر عنه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف مطلع شباط ـ فبراير الماضي والتي أتبعها الروس في العاشر من ذات الشهر بافتتاح ممثلية لما يسمي "كوردستان الغربية" في موسكو.
يستشرف الباحث كيالي خطر الفدرالية أو الانفصال بدولة كوردية على أساس "كوريدور علوي" بالقول إن المرحلة المقبلة ستشهد فتح ملف لواء اسكندرون لأن هناك "ميليشيات علوية تم ترتيبها مسبقاً وهي جاهزة لهذه المهمة"، معتبراً أن ما يجري سيقود المنطقة إلى "جبلين هما العلويين وقنديل"، وعندها يمكن "دفع داعش جنوباً لاستدعاء تدخل إسرائيلي جنوب سوريا لا ستكمال تطويق السنة".
*السنة محاصرون
إذا تحقق تطويق العرب السنّة وعزلهم في منطقة صحرواية فما هو شكل الكيان السنّي وقابليته للحياة بعد اقتطاع العلويين لمناطق "سوريا المفيدة" وسيطرة الكورد على مصادر الطاقة والماء.
يستبعد الباحث مصطفى كيالي قيام دولة سنيّة على اعتبار أن أجندة التقسيم في سوريا مرتبطة بمخطط التقسيم في تركيا وإيران والسعودية، وبالتالي فإن الخيار البديل إذا تم فرض التقسيم سيكون استخدام العمق السنّي الممتد من جنوب اليمن إلى اسطنبول، ومن طرابلس لبنان إلى الموصل والأنبار في العراق، ويرى أن "الدول الطائفيه الناشئة ليس لها عمق جغرافي وانهيارها وهزيمتها مسألة وقت كما حدث في حروب الصليبيين الذين لم يستطيعوا حماية شواطئ المتوسط رغم سيطرتهم عليها، لذلك فإن الدولة السنية لا يريدها أحد".
يخالف المحلل الاستراتيجي غازي دحمان هذه الرؤية معتبراً أن أي دولة سنيّة ستكون بمثابة مساحة من الصحراء غير قابلة للحياة، وعندما يقول العرب السنة إنهم ظلموا بالتقسيم لعدم وجود موارد سيكون الرد "لديكم نصف سوريا".
ويشير دحمان في مقاربته إلى أن الكيان السني سيكون ضعيفاً إلا في حال ضمان إمداده من الخارج وخاصة تركيا.
*السنة أكبر الضحايا
تقدر تقارير ودراسات لدول ومؤسسات بحث ومنها وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) نسبة العرب السنة في سورية بنحو 67 % من عدد السكان دون احتساب السنة الكورد ونسبتهم نحو 10 %، أي أن في سوريا نحو 15 مليون عربي سني من أصل 23 مليون نسمة، ويشكلون غالبية سكان حلب ودمشق ودرعا وإدلب وحمص وحماه ودير الزور والرقة والحسكة، وهم يتداخلون أيضاً مع الأقليات الأخرى مثل العلويين في اللاذقية وطرطوس، وبعض المناطق الكوردية شمال سوريا، وتوجد نسبة قليلة في السويداء.
وبالنظر إلى التطورات الأخيرة التي تشير إلى أن عدد النازحين واللاجئين خارج الحدود حسب المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين يقدر بنحو 4.8 حتى نهاية الربع الأول من 2016، وعلى افتراض أن 80 % من هؤلاء من العرب السنة دون وجود إحصاء دقيق فهذا يعني تراجع عدد العرب السنة في سوريا بعد هروب 4 ملايين منهم إلى نحو 11 مليون وهؤلاء يشكلون الكتلة الديموغرافية الأساسية المتضررة من أي استهداف أو تقسيم على أساس طائفي.
*داعش وإسرائيل جنوباً
لا يستبعد كثيرون إقدام إسرائيل على خطوة بضم المنطقة الجنوبية ووصل السويداء بالجولان السوري المحتل، والحجة هي تأمين "وسادة" حماية بعد دفع "بيشمركة" كيان "روج آفا" لتنظيم "داعش" جنوباً مع وجود قواعد لهذا التنظيم على الحدود الشمالية الشرقية للسويداء، وهذا الافتراض يعني أن المكون السنّي سيكون مكلفاً بقتال "داعش" منفرداً وتركه ضحيّة لهذا التنظيم بعد استغلاله في مسألة التقسيم ودخول إسرائيل جنوباً.
المحلل السياسي حسين الهاروني المهتم بالشأن الإسرائيلي رأى أن إسرائيل استخدمت واجهات "مزيفة" خلال السنوات الخمس الأخيرة "لإحداث تغيير ديموغرافي في الجنوب يضمن قيام دويلة درزية واقية" لإسرائيل حيث عمدت إلى "الحفاظ على استقرار السويداء لضمان عدم هجرة أي درزي" ويتابع الهاروني القول إن "إسرائيل ضمنت استقرار قرى الدروز في جبل الشيخ" لذات الهدف، كما عمدت لحصار المناطق الجنوبية التي يتواجد فيها السنة ومنعت الدخول والخروج إليها إلا عبر مطار دمشق للتضييق على السكان ودفعهم للهروب و"إفراغ الجنوب" مشيراً إلى أنها لم تنجح بتطبيق خطتها رغم الضغط لسنوات.
*السنة .. العامل المخرّب
رغم أن الكيان السنّي المفترض هو مجرد كيان "مسخ" لا يمكن أن يشكل حاملاً لدولة بعد التقسيم، إلا أن توزّع السنّة واتصالهم مع مساحات متشابه ديموغرافياً، وبقاءهم الكتلة البشرية الأكبر فإنهم سيشكّلون العامل "المخرّب" لأي مشروع تقسيم على المدى المتوسط والبعيد، فالسنة مازالوا يشكلون أغلبية في جميع الدويلات أو الدّول المفترضة، ويعتبر خط "حلب ـ الموصل" كما يرى الباحث كيالي عاملاً لضرب مشروع التقسيم لأنه يضم كتلة بشرية هائلة من السنة مستشهداً بتجربة نور الدين زنكي والصليبيين، أضف إلى أن جميع الكيانات (الافتراضية) الناشئة تحمل عوامل تفجيرها من الداخل، كما تتعارض مع مصالح قوى دولية وإقليمية، فغالبية دول الإقليم تعاني مشكلة قوميات وبخاصة إيران وتركيا، إضافة إلى مشكلة المذهبيات كما هو حال لبنان والعراق وبعض مناطق دول الخليج العربي.
*موجة جديدة من التشددّ
تخلص التحليلات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الاضطراب، وأن إعلان فدرالية "روج آفا" جاء مدعوماً من النظام السوري الذي يعمد إلى خلط الأوراق كلما شعر بالحاجة والحرج، كما أن هذه الخطوة سيتم البناء عليها من قبل القوى الكوردية الداعية للانفصال الكامل ما سينتج عنه صراع مسلح وتهجير قسري لمجموعات بشرية من العرب السنة، وبالتالي فإن روسيا ليست بعيدة عن هذه الخطوة، فهي تحاول إرباك الأميركيين الساعين لتجميد الموقف في سوريا، فالروس سيتظاهرون بالخروج من تهمة دعمهم التقسيم مع أنهم قاموا بإجراءات عملية في هذا الاتجاه عبر تثبيت قواعد الأسد في المنطقة الغربية، ومن ثم دعم الفدرالية الكوردية كمقدمة تفتح على انفصال هذا الكيان واستخدامه كورقة دون الأخذ بعين الاعتبار محاذير الخطوة وتكلفتها البشرية لاحقاً.
أما السنّة فسيكون أمامهم خيار وحيد للخلاص بدفع من العمق العربي السنّي بأن يكونوا لاحقاً جزءاً من تحالف يضم مكونات هذا العمق، وأول مصالح الدول الغربية معهم ستكون محاربة القوى المتشددة، إلا أن أخطر المحاذير هو أن يدفع استمرار الضغط على هذا المكون إلى ظهور متعاطفين كثر مع تنظيمات راديكالية ما يعني موجة جديدة من الصراع العنيف.
علي عيد - زمان الوصل - زاوية "خارج الصندوق" لمكافحة "التقسيم والطائفية"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية