أقر وأعترف وأنا بما تبقى لدي من أهلية عقلية وحقوقية ووطنية، أن السياسة ليست مهنتي، أو على الأقل، تلك المنطلقة من براغماتية ميكافيلي والمبررة لكل الوسائل للوصول إلى الغاية، وبغض النظر عن النفعية العامة من تلك الغاية.
وأعترف بالآن عينه، أن ما جرى بسوريا ولها، خلط من الأوراق وعقّد من الوصول للخلاص وعدد من المستويات، ما يصعب، على أمثالي على الأقل، تمييز الخيط الأبيض من الأسود، اللهم عدا بوصلة أهلنا المعذبين بالداخل، التي نتمسك بها لعدم وضوح أي رؤية سواها.
وأزيد من اعترافي إن شئتم، أن ما يقال من تحليل ووعود، في معظمه لئلا أقع بفخ التعميم، إنما ينطلق من رغبوية وغائية وأمنيات، أو تنجيم لا ينطلق من حقائق ولا معلومات، لسرقة الضوء وتشتيت المتلقين حيناً، وكسباً للرزق في معظم الأحايين، بعد أن وصل أجر المحلل على أكثر المحطات الفضائية فقراً وتمويلاً، نحو مئة دولار وإيجار التاكسي.
ولكن، ورغم اعترافي وإقراري، أيمكن أن تغدو الخيانة العلانية والتآمر الموصوف والعمالة للمحتل وقتل الأبرياء، وجهات نظر ويجوز حولها الوجهان، بواقع "بدنا حرية وما حدا أحسن من حدا".
بداية القول: شاهدنا بالأمس مجموعة سوريين، أمّوا قاعدة حميميم العسكرية الروسية بمحافظة اللاذقية، ليقيموا عقدا سياسياً مع الروس وبرعايتهم، بهدف معلن خلاص سوريا من الحرب ونقلها لحكم مدني ديمقراطي تعددي.
وسبق معارضي حميميم زيارة للمعارض الدكتور كمال اللبواني لتل أبيب وقيل عن زيارة لتمثيل إخوان سوريا لطهران وأشيع عن زيارات معارضين لدمشق الأسد.
وتلاها بالعاصمة المصرية الجمعة الفائت، افتتاح المؤتمر التأسيسي لتيار "الغد السوري" برئاسة رئيس الائتلاف الوطني الأسبق المعارض أحمد عليان الجربا بحضور سامح شكري، وزير الخارجية المصرية، ومحمد دحلان القيادي الفلسطيني، والدكتور حميد دربندي ممثل رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، والنائب اللبناني عقاب صقر ممثل الرئيس سعد الحريري و تيار المستقبل اللبناني، ووسام حبشي ممثل القوات اللبنانية ورئيسها الدكتور سمير جعجع، ورئيس المجلس الوطني الكردي ابراهيم برو، وممثل المنظمة الآثورية بشير السعدي وحضور غفير من دبلوماسيين عرب وروس وغربيين.
وسبق تلك الأحداث، تأسيس أحزاب وتجمعّات، بالداخل والخارج، وصل بعضها التأسيس، على اعتبار طائفي، والأرجح أن تشهد الساحة، تنظيمات وتكتلات وأحزاباً أخرى، لطالما المناخ مؤات لكل من يرى في نفسه موهبة دفينة ومشروع قائد، حالت الأيام الخوالي، دون تحقيق الحلم.
مختصر القول: إن سألنا عن أسباب ذلك التشظي وتلك النزعات، وفق تحليل سياسي ونفسي، فهل سيكون جواب "وجهة نظرهم ومن حقهم وحريتهم ودعوهم يجربون" مبررة أو مقنعة للسائل؟!.
أم ثمة اختراقات باتت فاقعة وأمراض يبدو علاجها مستحيلاً، هي وراء تلك النزعات الانقسامية التي تزيد أهل الأم سوريا، مزيداً من الوجع والضياع.
وإن تابعنا بهواجسنا لنعرف ما هو أثر تلك الكيانات، على سوريا الحرية التي يغلفن الجميع مسعاه بشعارها، ومدى فائدة النظام الأسدي الذي يحافظ على وحدته وقراره حتى اليوم، أو نظرة الدول التي تسعى أو تساعد السوريين لإخراجهم من أتون حربهم، لبلد كله رؤوس كما الثوم على قولة جدتي أمون.
وأيضاً، كيف ينظر سوريو الداخل لأبناء قضيتهم، بعد أن كابدوا على مدى خمس سنوات، ومازالوا، كل أشكال العذاب والموت، بعد أن دفعوهم لمواجهة نيران الحقد الأسدي وسكاكين المتأسلمين الجدد، ليذهبوا للعواصم والفنادق، ويمدوا أيديهم حتى للأسد وإسرائيل، ليغنوا المشهد السياسي، بما ينقصه من فسيفساء الوطن ورؤى من وجدوا بالثورة ثروة وبالوطن مطية لبلسمة عقد متأصلة وأوهام وأنا متضخمة.
نهاية القول: التعميم قتّال ولا شك، لطالما المرحلة المقبلة بأمس الحاجة لتكتلات سياسية، تؤوي المثقفين والوطنيين الذين تاهوا على مائد اللئام، وتعد من اللوازم ما يكفي، لمواجهة مرحلة الصناديق التي ستأتي ولو بعد حين، كي لا يعاد إنتاج النظام ولا يعيد التاريخ نفسه.
بيد أن ما يطفو على السطح، هو أبعد ما يكون، عن تلك الأماني، بأدلة لا تحصى، لعل أبسطها، أن جلّ المتنطعين سبق وأن تم اختبارهم بمناصب ووظائف ومهام، ولم تظهر مواهبهم ليعارضوا ما كانوا يفعلون، إلا بعد خروجهم من دوائر التكليف.
من نظري، وأتمنى ألّا أكون صائباً، جل ما يجري إنما بإيحاء ودفع وتمويل خارجي، أهدافه كثيرة ووظائف من يتم استخدامهم محدودة، لعل الإعداد لزعامات الفيدرالية المقبلة...أهمها وأخطرها.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية