في الأمس، أعاد خروج المظاهرات السلمية المطالبة برحيل النظام ووحدة الشعب والأرض، الروح للثورة والثوار، إثر مستويات من القهر والخيبة والتشظي على مدة عامين، كادت أن تعصف بفكرة الثورة وجدواها، بعد أن غدا القابض عليها، تماماً كالقابض على جمرة.
بداية القول: يؤكد السوريون، ورغم عنادهم وتصميمهم على مقولتهم الأولى، أنهم شعب عاطفي وطيب، فمن راقب وحلل الأقوال والتصريحات يوم الجمعة 4 آذار، يكتشف دونما عناء، أن ثمة أملا وكبيرا بسوريا، فكل ما قيل عن تأصيل الأحقاد ومشاريع القتل والإقصاء، زال، وإن نسبياً ولدى الغالبية، وعادت الدعوة إلى "الشعب السوري واحد".
ويستنتج المراقب، وفق معطيات الأرض، أن العنف والسلاح، إنما هي نتائج فرضت على الشعب والثوار، نتيجة تصميم النظام ليبرر قتله وتشويه الثورة وتسهيلات من يهمهم قتل الثورة، ليؤدبوا عبرها شعوبهم أو ليصفوا حسابات ويتقاسموا كعكة خراب سوريا.
ثمة مشاهدات، يمكن وصفها ضمن المهم جداً، أو المهم للغاية، نظراً لما يمكن البناء عليها، في توصيف الحالة السورية، والإعداد للمراحل المقبلة، بعد أن أعطت جمعة 4 آذار جرعة من الأمل، كان السوريون، كل السوريين، بحاجة ماسة إليها، حتى من فيهم على الضفة الأخرى.
-استغل المتظاهرون أول يوم جمعة بالهدنة، ليرسلوا رسائل عدة، عودة مظاهرات الجمعة بكل ما كانت تسببه من خوف للنظام، وأن الموت والنار هما من كانا يعيقان الثوار عن تكلمة مشوار الثورة، فما إن زالا حتى عاد ألق الثورة ورفع شعاراتها وأهدافها الأولى.
- لم تخرج المظاهرات من المساجد، كما كان يعيب بعض المتربصين على مظاهرات 2011، ليس لأن المساجد تهدمت، بل لأن من خرج، أو جلهم، من الوعي ما دفعهم لسحب تلك الذريعة، وليمنعوا ربما "حراس المساجد الجدد" من فرض علم أو شعار أو حتى لباس.
- لم تخرج المظاهرات بمناطق سيطرة الراديكالية الإسلاموية ولا الشوفونية "الديمقراطية"، ولا حتى بالمدن التي يسيطر عليها الأسد، بما فيها السويداء التي فلتت نوعاً ما من سطوة الأمن وقهر النظام.
- لم يرفع المتظاهرون سوى علم الثورة، ليؤكدوا للعدو قبل الصديق، أنهم منعتقون من أي وصاية، بل وزادوا برفع شعارات صوفية الثورة بأيامها الأوائل.
- بلسمت مظاهرات الجمعة، جراح المكلومين وعزّت آل الشهداء الأوائل..بل وأراحت من في القبور، بعد تفشي الخيبة والتشكيك بجدوى من ثار ومن ضحى.
كما قال المتظاهرون فيما قالوا، خلال جمعة عودة الثورة، انتبه يا أيها العالم الذي ساهمت بتكريس انحراف الثورة، نحن طلاب حق وحرية ولسنا مجرمين..وأنتم يا أيها السوريون بالداخل، لا تصدقوا فزاعات الأسد، ولمن هم بالخارج، لا تيأسوا، نحن هنا وعلى العهد ننتظر.
بيد أن كل ذلك، وغيره الكثر من المدلولات، لم ترق للبعض، بمن فيهم من وقف يوماً بصف الثورة، ليقتسم من مكاسبها وينال شرف المعارضة، فشاهدنا وقرأنا عن سبب عدم خروج النساء، بل وعن عدم رقص فتيات داريا ودوما مكشوفات الأفخاذ يؤدين رقصات تعبيرية كما فعلت بعض السوريات المهاجرات، عن إدانتها لمجزرة الكيماوي، ليصل معتنقو ذلك الفكر التشكيكي، إلى أن هذه الثورة لا يمكن أن تشبه السوريين إلا إن تخللت جلسات الثوار أحاديث إنكار الذات الإلهية وتضمنت أصناف المشروبات الروحية، وطغى الجنس اللطيف على المشهد بكليته، كما يفعل السوريون بالخارج.
ولم نر بالمقابل، حتى من الأصدقاء والحلفاء، ترحيباً بعودة الثورة لسلميتها فور توقف آلة الحرب، بل على العكس، شاهدنا ردود أفعال من أنصار الأسد تعبر عن حقد لم يعرف "واحد واحد واحد " لإزالته سبيلا، ومن بعض من يقاتل إلى جانب الثورة، أو هكذا يدعي، مظاهرات مضادة رفعت أعلام سوداء ونعتت الثوار بالكفرة والمرتدين، أو صمت وهروب عن المشهد، من فئة واسعة أحرجتها عودة سلمية المظاهرات وسرقت منها ما كانت تعتبره أدلة على الحرب الأهلية والنزعة الإسلامية، أو سرقة الثورة وفق ما يرشقه المثقفون كنتيجة حتمية غير قابلة للنقاش.
خلاصة القول: ربما يأتي نظام الأسد، في مقدمة المتأذين من المظاهرات السلمية، ليأتي لاحقاً كل من يسعى لحرف الثورة أو تشويهها أو حتى تحميلها مشاريع وأهداف لم تك للسوريين على بال، وقت خرجوا في مثل هذا الشهر عام 2011.
كما أن الهدنة التي أيضاً لا تروق لكثيرين، هي من وفرت الظرف الموضوعي على الأقل، لخروج الثوار في أكثر من مئة نقطة تظاهر، شكلت مدن سوريا، من درعا جنوباً حتى حلب شمالاً.
ما يطرح جملة من الأسئلة وربما الأماني، عما يجب القيام به اليوم، لضمان استمرار التظاهرات السلمية وعودة ثورة السوريين لسيرتها الأولى، وخاصة من ممثلي الثورة بالخارج، من مثقفين وثوار ومعارضين وائتلاف وحكومة وهيئة مفاوضات، آخذين بالاعتبار أن بعض المناطق المحررة بسوريا لا تجرؤ على الدعوة لمظاهرات سلمية، إن فرضنا جدلاً، أن لديها العلم ذا النجوم الحمراء، بعد سنوات من الانزياح وسطوة أعلام الفصائل ورايات الحقد السوداء.
ربما تكون عودة المظاهرات السلمية، هي الحل الأنجع، إن لم نقل الوحيد، لوحدة سوريا وتحصينها من التقسيم أو الفدرلة، وإبعاد الغرباء عن سرقة الحلم، فضلاً عن تعرية النظام ثانية قبل إسقاطه، لأن السوريين خبروا واختبروا جميع الحلول الأخرى، وأيقنوا، بواقع التخلي على المستويات جميعها، أن ثورتهم يتيمة الأبوين وليس في مصلحة سواهم انتصارها.
ليبقى السؤال بواقع نشوة السوريين الأحرار اليوم، كيف تستمر المظاهرات وتوسع لبقية سوريا، لتكون وسيلة لتحقيق الأهداف بواقع الإصرار الدولي على "الحل السياسي" ولا تكون أول جمعة في آذار "فورة دم" قتلناها عبر الرغبوية والفرحة، وبدم بارد.
*عدنان عبد الرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية