أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حكى يحكي فهو حكّاء*

أرشيف

في مثل هذا اليوم، وقبل خمس سنوات، كتب أطفال درعا على جدار إحدى المدارس "اجاك الدور يا دكتور"، فاعتقل ثماني عشرة تلميذاً، لم يبلغوا الحلم، كما يقول العرب، ونكّل ابن خالة القائد الملهم، عاطف نجيب بهم، ومن ثم أساء لوجهاء درعا ورمى (عكلهم) بالمهملات، فكان السبب المباشر لاندلاع الثورة السورية، التي تستمر حتى يومنا هذا، مع كثير من التبدلات، البنيوية والهيكلية، التي أخذت من الشكل والمضمون والأهداف، لحدود عدم وصفها بالثورة، حتى من قبل الثوار الأوائل، أو من تبقى منهم على قيد الثورة أو الحياة.

بداية القول: ربما، من لزوم ما لا يلزم، أن نتطرق إلى أسباب إخفاق ثورة السوريين في تحقيق أهدافها، إن بإسقاط النظام أو التحول إلى الديمقراطية وتحقيق العدالة و الحرية والديمقراطية، والتي يتحمل وزره -الفشل- السوريون، كما يتحمل الأشقاء العرب الذين رأوا بثورة السوريين نهاية لسلالاتهم، فحرفوها عبر مالهم وعقائدهم، كما تتحمل واشنطن التي أسقطت الشرعية عن الرئيس الوريث منذ أيام الثورة الأولى، لنصل اليوم، إلى عالم عاجز ومنظمات دولية ساقط عنها كل ما رفعت من شعارات وأهداف حقوقية وإنسانية، حتى لمد محاصرين بإكسير البقاء، من طعام ودواء.

لنقبل، بعد خمس سنوات من الدم والتهجير، من الغنيمة بالإياب، ونفرح لانتصار وقف إطلاق النار، بعد اختبار عجز العالم والأصدقاء، عبر أشهر أربعة، لم تبقِ روسيا خلالها من كل المحرمات، ما لم تفعله.
قصارى القول: عاش السوريون ولعقود طويلة، حالة من التواكل مشفوع بالكبت، في ظل دولة يصعب تصنيف هويتها، نظراً لاعتمادها الأبوية والليبرالية في آن، وجمعها المتناقضات عبر تبريرات أقلها "الظروف غير مناسبة أو القائد هو القانون"، ففي ذهبية رفع شعارات "لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية"، كانت الخصخصة تسري بمفاصل الاقتصاد وإن لآلهم وصحبهم، وفي واقع التعددية السياسية وساحة الوطن تتسع للجميع، كان السجن والاعتقال مصير من يخدش حياء الاشتراكية أو يوهن نفسية الأمة ولو عبر مقال أو تصريح أو جلسة ضمت مغردين خارج سرب التدجين، وهكذا لجهة مفاصل الحياة قاطبة، ما أنتج إنساناً سورياً مشوهاً، إلا من هاجر أو رحمه ربي.

وجاءت الثورة، بعد مخاضات وطول انتظار، ليستخدم جوعى الحرية على مدى عقود، حريتهم عبر "الحكي" أو الاتهام والتخوين في غالب الأحايين، ولم نرَ كسوريين، مشروعاً اقتصادياً أو جسداً سياسياً أو حتى تنظيماً اجتماعياً، يمكن التعويل عليه، فيما بعد الثورة التي ستنتهي يوماً لا محالة، وإن بخيبة أو انتصار منقوص.

خلاصة القول: أن يقال إن سبعة وتسعين فصيلا سورياً مسلحاً وافقوا على الهدنة، وأناب الهيئة العليا للتفاوض بالتعهد عنه، فهذا يعني أن في سوريا الثورة أكثر من مئة فصيل بمئة قائد بمئة هدف بمئة تطلع بمئة انتماء بمئة رؤية لشكل الدولة المعتيدة، وهو ما يزيد من الإحباط، لدرجة "قول للزمان ارجع يا زمان".

اليوم، ونظراً للحاجة الماسة لتأسيس ما بعد الدم وهرباً من تقسيم مازال احتماله الأرجح، بدأ بعض السوريين بالإعداد لما يمكن تسميته الخلاص أو "القوة ورباط الخيل" في مرحلة مقبلة لا محالة، سيستفتى خلالها السوريون عبر صناديق وليس عبر فوهات البنادق، لئلا يعاد إنتاج النظام أو استبداله بما يتوافق وتقسيم كعكة الخراب، فرأينا، بعد استشعار مخاطر مآلات الواقع، مساعي نظرية كثيرة للململة المختلفين من السوريين، على مائدة كيان، سياسي أو اجتماعي، ليدرأ ولو جزءا من خيبة نتائج الديمقراطية التي إن خاضها الأسد اليوم، وبعد قتله وتهجيره وتدميره، سيفوز لعدم التكافؤ كما يقال بجولات الملاكمة.

ورأينا بالآن نفسه، بعض التجسيد العملي، إن في أحزاب خرج بعضها عن أمراض الثورة ومورثات الدولة الأسدية، أم في مؤتمرات، كذاك الذي انطلق أمس في باريس لـ"حركة ضمير".

لم يبخل السوريون بكل غال كرمى حريتهم، لكن أسباباً كثيرة كما أسلفنا، حالت دون حلمهم، ليصلوا اليوم، وإن مرغمين، لمرحلة ليس في مصارفها من أرصدة لعملات الاتهامات والتخوين والأحلام النكوصية الإقصائية، بل المتداول الوحيد، للحفاظ ولو بالحد الأدنى من الحلم وبقاء سوريا على قيد الوحدة والاستمرار، هو الانخراط بتلك الكيانات التي ستفرز رؤوساً وأصحاب رؤى ومشاريع، وأخص من المثقفين والقواطر المجتمعية الذين تأخروا، أو جلّهم، عن ركب الثورة بمطلعها واقتصروا على النقد أو الانزواء خلالها، فالفرصة بموازاة بدء فرض الحل السياسي مازال فيها بقية، وإلا كم سنبكي على وطن كما النساء.

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(164)    هل أعجبتك المقالة (181)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي