كان يرتجف...يحاول أن يرفع يده بصعوبة كي يلوح للجماهير التي تودعه وهو ذاهب للعلاج في باريس، جاهد الرجل كثيراً لكي يرسل قبلة لكل هؤلاء الأحبة..الأحبة الذين طالما شعروا بالأمان لمجرد ظهوره، وهم الذين هتفوا باسمهن وعلقوا صوره بكوفيته التي تمثل ضميرهم ووطنهم لذا كان لا بد من تلويحة وإن كانت متعبة..واختفى بطل الشعب الفريد فجأة قالوا إنه مات مسموماً بعيداً عن الديار المقدسة..ومع ذلك العجوز الكهل المرتجف ظلت صورته صامدة...صورة وسط دمار بيروت، وصوت يصرخ بالعودة، وحكاية صمود.
في البئر حيث لا يمكن لأحد أن يتوقع هكذا نهاية لتلك الطاقة البشرية الخارقة، الديكتاتور العادل..البطل الذي يتحدى أقوى دول العالم، ويشعل حروباً تمتد عشرين عاماً دون أن يخفض مسدسه الشخصي...العروبي الوحيد الذي قصف تل أبيب المدينة البعيدة عن متناول كل العرب..هاهو بلحيته الطويلة الشعثاء يقف أعزل...في قاعة لمحكمة يعود إلى التحدي ثم لأساطير عن البطولة أمام حبل المشنقة...وبلد ينهار نخلة نخلة.
لم يصمد باب العزيزية طويلاُ..وكل الصيحات التي أطلقها القائد ليذكر الجماهير بسطوته وحكمته، القائد الذي يكتشف النظريات، ويكتب الروايات، ويحمل خيمته أينما ذهب، خيمة تسافر لتستقر وسط المدن والحواضر، ولكن (كاميرا) النهاية تبحث عن مشهد مختلف لمن قال لأمريكا (طز)...ثم صورة لميت في مشفى مهمل في مكان ما بلا ملامح...نفق القائد.
رغم كل الحميمية التي فضحتها غادة السمان..رسائل نارية ولغة مختلفة لصاحب العبارة الأشهر (لماذا لم تصرخوا..لماذا لم تدقوا على جدران الخزان)..الرجل العاشق السري البشري بصورته الجديدة...صانع خيمة أم سعد الفدائية يحب ويعشق كما كل البشر العاديين من وسط مكتبه العادي وسط بيروت حيث المفخخات والحصار والموت..يطل الكاتب من تحت أنقاض شقته المدمرة مبتسماً لمرأة من جمر...لكن ظله البعيد صامد وجميل.
الشهيد الجديد..القتيل..الذبيح يشبه أحداً ما أعرفه..هاهو اليوم مصلوباً على (بروفايلات) الأصدقاء...الرفاق..الزملاء..المريدين، وهاهم من لا يعرفونه ينعون رحيله كما لو أنهم يستعدون للرحيل، حتى المذعورين لهم حصة من الرثاء..الصورة الأخيرة كانت تقفز من وجه لآخر...صارت صورة كل الوجوه التي تخشى أن تتحول إلى مجرد (بروفايل) بائس، وبعض كلمات تستعار من ديوان شعر.
لا تكشفوا وجهه المطعون، اتركوا له حرية البقاء جميلاً في ذاكرتكم، وتمسك الأم بصورته أمام صدرها: هذا شهيدي الجميل...اختصرت شهوة الملوحين لموتاهم كانوا قتلة أم مناضلين..فنانين أم عاهرات...شهوة أكبر من صورة ملونة على جدار بيت أو في ساحة عامة..صورة القائد والملهم والعروبي والعاشق الفدائي..والشهيد بوجهه الجميل.
*سيف عبد الله - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية