في مشهد من رائعة علي سالم "مدرسة المشاغبين" يسأل والد الطالب بهجت الأباصيري مدير المدرسة، عن الذنب الذي اقترفه ابنه ويستحق عليه الفصل من المدرسة، فيرد الناظر "ابنك سرق سيارة رئيس مكتب مكافحة سرقة السيارات".
ليقدم المشهد، بعيداً عن كوميديا المفارقة، دلالتين في آن، الأولى مهارة واحترافية بهجت الأباصيري بالسرقة، والثانية الترهل والفساد واللامبالاة التي وصلت بأعلى مسؤول عن مكافحة سرقة السيارات، لتُسرق سيارته.
وهذا المشهد تكرر أمس بدمشق، ليس على خشبة مسرح، بل على مسرح حكومة الأسد، التي قلما يتم التطرق فيها لحالات الفساد، بعد أن تم اقتسام مفاصل البلد بين "المقاومين" الذين شرعنوا سرقة كل شيء، بما في ذلك لقمة السوريين، مقابل وقوفهم إلى جانب الأسد، في حربه الكونية، على الشعب السوري.
فقد سرق مسؤولو التأمين على المعاشات بسورية، معاشات متقاعدين في أربع محافظات، ولم تكتف العصابة التي يترأسها مدير تأمينات دمشق، بسرقة رواتب المتقاعدين لشهر أو شهرين أو حتى سنة، بل استمرؤوا العمل والعوائد لنحو ثلاث سنوات، قبل أن ينشب خلاف فيما بينهم، خلال اقتسام المسروقات، تماماً كما يقول السوريون بأمثالهم "لم يروهم وهم يسرقون لكنهم رأوهم وهم يتقاسمون"، ليتنبه المعنيون ويلقون القبض على 33 موظفاً في التأمينات، يقودهم غسان ديوب مدير تأمينات دمشق. بعد أن تجاوزت الأموال المسروقة "رواتب متقاعدين" مليارين ونصف مليار ليرة سورية، واشتركت فيها، وإن بشكل غير مباشر، وزارات عدة في حكومة الأسد، فوزارة العدل ساهمت بمنح اللصوص وكالات وتفويضات لاستلام الأجور نيابة عن المتقاعدين، ووزارة العمل التي لم تكشف السرقات على مدى 36 شهراً، ووزارة المالية وسواهم ممن ساهم باستلام رواتب بالنيابة، حتى عن فارين خارج القطر ومتوفين منذ أعوام.
بداية القول: أخذتنا التطورات الدموية اليومية، وما يؤول إليه مصيرنا المجهول، بعد أن فتح الأسد الابن سوريتنا، أرضا لحرب عالمية، ليصفّي الجميع حساباته مع الجميع، على حساب الدم ومصير السوريين.
أخذتنا هذه الأحداث الموجعة، عن استنزاف سوريا اقتصادياً، بعد أن وجد لصوص العصابة، أو بصيغة أدق عصابة اللصوص، حتى خلال الحرب، فرصة لتنامي الرساميل وزيادة السرقات وفق المنطق السائد منذ عقود، والذي يتراوح حول فهم البلد مزرعة خاصة ومن فيها عبيد أو مغفلون، أو أعداء لا بد من إفقارهم لإحكام السيطرة عليهم.
قصارى القول، بدد نظام بشار الأسد احتياطي سوريا النقدي الأجنبي البالغ مطلع الثورة نحو 18 مليار دولار، وأرهق مستقبل الأجيال بديون لتمويل الحرب وشراء الذمم.
بل وصل الأمر لإصدار قرار، مطلع العام الجاري، بالسماح للقطاع الخاص والشركات الأجنبية بالاستثمار بالقطاع الحكومي وإعادة تأهيله، أي خصخصة ولكن بلغة دبلوماسية، لنعرف كمراقبين أن هدف القرار تسليم الروس قطاعي الكهرباء والنفط، مقابل ديونهم وحربهم لجانب الأسد، وهو ما تم كشفه خلال زيارة رئيس هيئة تخطيط الدولة إلى موسكو أخيراً، وكذا للإيرانيين ولاشك.
نهاية القول: وفق المتعارف بدمشق، ومنذ حكم الأسد الأب، أن ثمة قرابين ترمى بوجه عواصف الفساد، كلما أزكمت الرائحة أنوف السوريين، أو شاء المسؤولون امتصاص قليل من احتقان الشارع، كما يحصل اليوم جراء ارتفاع الأسعار 12 ضعفاً عما كانت عليه عام 2011 وثبات الرواتب والأجور....اللهم إن لم تُسرق.
بيد أن يد القانون المطاط بسورية، تطاول البعض وتُشل أو تبتر، إن امتدت لآخرين، ففي واقع تورط أقرباء الأسد بصفقات الغذاء وتورط مسؤولين كبار بعقود استيراد نفط، كان لا بد من تصدير أخبار مكافحة الفساد، كتلك التي من قبيل إعفاء مدير الجمارك بدمشق ومدير المنطقة الحرة باللاذقية، أو الحجز على أموال سراق رواتب المتقاعدين، لتقلب صفحة العصابة الحاكمة، أو يشاغل السوريون عنها، ويتم التسبيح بحمد راعي الفساد وقاهر الحرب الكونية، لتستمر مسرحية المشاغبين الكبار، بسرقة سوريا، ومصير من تبقى من السوريين.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية