انهيار وشيك للمنظومة الدولية .. سوريا "سرّة" العالم القاتلة*

دوما - أرشيف

شيئاً فشيئاً ينحدر العالم نحو انهيار للمنظومة الدولية التي تكونت بعد نشوء "عصبة الأمم" بعد مؤتمر باريس للسلام الذي أنهى الحرب العالمية الأولى عام 1919، وهناك مؤشرات شبه أكيدة على أن العالم قد لا يحتفل عام 2019 بمئوية عصبة الأمم بل على العكس قد يشهد تفككاً في مؤسساته وعلى رأسها مجلس الأمن المختلّ أصلا وصولاً إلى باقي المؤسسات القانونية والإنسانية التي ثبت أنها باتت تشبه مؤسسات خيرية منزوعة الأظافر والأنياب بسبب سيطرة عضوين داخل هذا المجلس على "الفيتو" المعطل لكل القرارات كما حصل في القضية السورية عبر أربعة "فيتويات" روسية قاتلة أوصلت العالم إلى ما هو فيه اليوم.

من مؤشرات انهيار المنظومة الدولية المحتمل:
ـ تحكم الولايات المتحدة وروسيا بالقرار الدولي بما يتعارض وحقوق كثير من الدول.
ـ ترسانة السلاح التقليدي وغير التقليدي التي امتلأت بها مخازن كثير من الدول دون استخدامها، ودون أن تعود بفوائد اقتصادية على الصانعين، ما يعني أن تصريفها لا يتحقق إلا بإشعال الحروب ودفع الأطراف المستوردة إلى إفراغ صناديقها في صفقات السلاح.

ـ تباين مستويات التنمية بين دول بخلفيات امبراطورية مثل روسيا التي تعاني انخفاضاً في مستوى التنمية وصل عام 2015 إلى – 3 % مع انهيار في سعر "الروبل"، فيما تحقق الصين نموّا وصل 7 % في نفس العام، أضف إلى وجود اقتصادات ناشئة لدول تبحث عن مكانة سياسية توازي دورها الاقتصادي مثل البرازيل وتركيا.

ـ الخلل الحاصل في ميزان القوى وشعور القوتين التقليديتين فرنسا وبريطانيا بالعجز، فالفرنسيون يشعرون اليوم بأنهم يرتدون قميصاً سياسياً فضفاضاً بالقياس إلى قدراتهم الاقتصادية وتراجع حجم قوتهم العسكرية.

ـ وجود أكثر من بؤرة في العالم تشهد صراعات بأبعاد دولية تلعب فيها المصالح والصراعات على النفوذ دوراً مهمّاً، وأخطر تلك البؤر هو الشرق الأوسط الذي تُرك لسنوات تحت وطأة حروب محلية أهم دوافعها الثورات الشعبية أو رغبة بعض الأطراف الإقليمية توسيع نفوذها على خلفيات دينية كما هو حال إيران التي تسببت بفالق مذهبي تحتاج معالجته فترة طويلة، وهو يسبب اليوم حروبا متنقلة يسقط فيها عشرات آلاف القتلى.

ما سبق يدفع للسؤال لماذا سوريا.. وهل تعتبر سوريا مجرد مرحلة من مراحل الصراع.. وإلى أين سيصل هذا الصدام الذي تظهر بوادره في حلب وريفها الشمالي.

ليس من السهولة الإجابة على هذه التساؤلات اعتباطياً لكن شيئاً من المعطيات ظهر في الدراسات السياسية الحديثة منذ مطلع القرن العشرين، ومثاله نظرية عالم الجغرافيا السياسية البريطاني هالفورد ماكندر الذي اعتبر أن من يسيطر على قلب العالم يمكنه السيطرة على العالم، وبتحليل مكاني للنظرية التي ظهرت عام 1903 يمكن القول إن سوريا تقع في قلب العالم أو هي من "شغاف" هذا القلب، إذ يعتبر ماكندر أن قلب العالم هو نقطة التقاء قارتي أوروبا وآسيا الشمالية والتي تسمى "أوراسيا"، ولعل سوريا الكبرى (سوريا الحالية ولبنان والأردن وفلسطين) تشكل مع تركيا وسيناء المصرية منطقة الصدم في "أوراسيا" وكذلك تقاطع القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا.

كثير من الباحثين في "الجيوبولوتيك" قللوا من أهمية نظرية ماكندر بسبب التحولات ومنها اختراع الأسلحة غير التقليدية والطائرات الحربية والصواريخ البالستية التي غيرت من مفاهيم القوة، إلا أن منطقة "الصدم" تبدو حقيقة لأن الصراع أخذ أشكالاً متعددة أولها صراع الطاقة والأنابيب، وباعتبار منطقة الخليج العربي أهم خزان للطاقة (النفط ـ الغاز) فإن شيئاً تعزز في مفهوم أهمية المنطقة إذا ما نظرنا إلى حروب الغاز التي تخوضها روسيا ضد عدد من المنافسين والمستهلكين، حيث تسعى دائما لإفشال وصول الغاز الرخيص من منطقة آسيا والخليج العربي إلى أوروبا عبر تركيا.

بخلاف ماكندر فإن العالم الهولندي الأميركي نيكولاس سبيكمان نقض نظرية قلب العالم بنظرية الأطراف قاصدا بذلك أهمية السيطرة على "الجزيرة العالمية" (كتلة اليابسة) ابتداء بالسيطرة على البحار والموانئ المحيطة، لكنه اعتبر مياه المتوسط والخليج العربي مناطق استراتيجية لأنها تشكل ممرات بين دول ما أسماها "رم لاند" التي تشمل أوروبا عدا روسيا، كما تشمل الجزيرة العربية، العراق، الصين، وشرق سيبيريا، ونظرية سبيكمان إذ تختلف مع نظرية ماكندر حول اعتبار البحر وليس اليابسة أساس السيطرة على العالم إلا أنها تلتقي معها في أن الشرق الأوسط وبالذات شرق المتوسط ومياه الخليج تعتبر المنطقة الأهم لتأمين التواصل بين أطراف "رم لاند" التي افترض أنها ستواجه القوة البرية الروسية.

انتقالاً إلى نظرية "السيادة الجوية" التي قامت على أساس تقسيم مناطق النفوذ إلى جزأين الأول تطاله الطائرات الأميركية والثاني السوفييتة فإن الباحث والطيار الروسي ألكسندر سفرسكي اعتبر أن منطقة الشرق الأوسط هي موضع تصادم نفوذ هاتين القوتين.

يبدو أن العالم يعود اليوم إلى قواعد الصراع القديم، فمجمل نظريات السيطرة في اليابسة والبحر والجو تلتقي عند أهمية موقع شرق المتوسط، أي أن سوريا تقع اليوم في البعد المحرقي لصراع نفوذ بغياب المنافس التقليدي ممثلا بالولايات المتحدة الأميركية التي آثرت خلال فترة إدارة الرئيس أوباما تبني سياسات الابتعاد والانسحاب من مشكلات المنطقة التي هي أحد مسبباتها أصلاً ابتداء من فلسطين مروراً بالعراق وصولاً إلى تحالفاتها التقليدية مع قوى في المنطقة منها السعودية التي اكتشفت أنها مكشوفة الظهر من الحليف الأميركي الذي اختار التقارب مع إيران وترك سوريا للنفوذ الروسي.

احتمالات الحرب
يعتبر الانكفاء الأميركي أكبر مسببات إشعال المنطقة وإدخالها في دوامة صراع، فقد أثار هذا الانكفاء شهية الروس لملء الفراغ، بل وتحقيق مكاسب لم يكن الاتحاد السوفييتي يحلم بها وهو في أفضل حالاته، إذ يمكن القول إن الرئيس فلاديمير بوتين اقتنص فرصة ثمينة بالوصول إلى المياه الدافئة وتجريب أحدث أنواع الأسلحة على الأرض السورية، وقطع مسبق لأي خط لإمداد الأوروبيين بالطاقة عبر سوريا والعراق وتركيا.

ومن خلال ترسانة الأسلحة التي تم الزج بها يمكن التنبؤ بأن موسكو قررت إكمال اللعبة، حيث أرسلت إلى الأراضي السورية طائرات سو 35 التي يعتبرها الروس من أكفأ المقاتلات في العالم، وكذلك طائرة الاستطلاع الأحدث في العالم "تو ـ 214 إر"، ومنظومتي بانتسير و"إس 400" للدفاع الجوي، إضافة لقطع بحرية هي الأهم في إسطولها، ودبابة " تي 90 ـ فلاديمير" والتي تتفوق على "أبرامز" الأميركية و"ليوبارد" الألمانية، وهذه الترسانة من السلاح ليست فقط لمجرد التجريب ويمكن القول إن روسيا لا يمكن أن تزج بها دون نيتها القتال بأعلى المستويات.

ما تشهده الحدود السورية التركية دليل على أن الروس ماضون في إحراق الأرض تحت جميع الفصائل الثورية وحتى حواضنها الاجتماعية دون تردد، وهذا يعني أن الروس يريدون فرض حلفائهم كخصم للأتراك على طول الحدود السورية التركية، وهذا التحدي ليس سهلاً قبوله بالنسبة للأتراك، فأنقرة اليوم أمام خيارين إما الدخول في حرب مباشرة مع القوى المدعومة من روسيا على الأرض، وإما قبول الأمر الواقع وهي مسألة بمنتهى المرارة بالنسبة لهم، وفي قراءة لتاريخ الدولة التركية نجد أنها تواجهت مع الروس في اثنتي عشرة حرباً منذ عام 1568 وحتى الحرب العالمية الأولى التي انتهت بنهاية الامبراطورية العثمانية.

يعتبر قتال الأتراك في ملعبهم نقطة لصالحهم، لكن بواعث قلق الأتراك هي أن واشنطن أدارت ظهرها كحليف، كما أن حلف "ناتو" قد ينكفئ عن إعلانه رفض تعرض تركيا العضو الأساسي للحلف لأي عدوان، خصوصاً وأن هناك خللاً في منظومة مجلس الأمن اتضح عبر موقف يعبر عن القلق من قصف تركيا لشمال سوريا دون الدخول في تفاصيل وأسباب هذا القصف.

حتى ولو حاول الأتراك امتصاص غضبهم لفترة فإن المعطيات الجديدة على الحدود متمثلة بدعم الروس لقوة كوردية انفصالية ستشكل حافزاً لإشعال فتيل الحرب في أية لحظة، إذ يبدو الأتراك عازمون على تدخل بري يجري التحضير له مع مجموعة دول على رأسها السعودية، إلا أن الاستراتيجية الأميركية غير واضحة تجاه مثل هذا التدخل، حيث رفض الأميريكون اعتبار ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" منظمة إرهابية، ما يعني أن هناك غطاء أميركياً روسياً لهذا الفصيل يتعارض والقواعد الأساسية للسياسة التركية، وهذا يرفع من احتمالات المواجهة التي ستنضم لها أطراف أخرى بمجرد حصولها، وهو ما عبر عنه الإيرانيون مسبقاً أضف إلى تحريك ميليشيا مختلطة في العراق نحو الحدود السعودية كرسالة استباقية مع تدريبات "رعد الشمال" التي تتواقت مع تصريحات بقرب تدخل بري سعودي ـ تركي مدعوم بتحالف من بعض الدول لم تتضح صورته بعد.

مع مرور الوقت وطالما أن الروس مستمرون في سياسة الأرض المحروقة وقصف المدن الخارجة عن سيطرة النظام تتضاءل فرص الحل السلمي حتى ولو استأنفت المعارضة والنظام اجتماعاتها غير المباشرة في جنيف أواخر الشهر الحالي، فطبول الحرب أصواتها أقوى من نداءات السلام، وأي اتفاق سياسي لن يفيد الروس في هذه المرحلة لأنه يفترض تعطيل منظومة السلاح الحديث الذي تم الزج به في سوريا.

مع ما سبق لا تلوح في الأفق بوادر صفقات تغير مزاج التصعيد سوى محاولة تركية لاستعادة العلاقة مع إسرائيل، وهي محاولة مازالت في بدايتها ولا يمكن التعويل عليها بالنظر إلى مستوى المطالب التي يمكن أن تتقدم بها إسرائيل لإعادة الوضع إلى سابق عهده، فهي تعلم أن مثل هذا التقارب سيكلفها موقفاً سياسياً حتى ولو حصلت من أنقرة على تنازلات بشأن الموقف من "حماس".

كما أن مصر اختارت التوقيت الأسوأ للكشف عن معارضتها لتدخل بري تركي ـ سعودي في سوريا مع إعلان توافقها مع الخطوات والتدخل الروسي، ما يعني أن الروس قاموا ببناء حلف مع إيران ومصر وإسرائيل في مواجهة السعودية وتركيا وهو ما يفسر غياب الأميركيين عن المشهد، حيث لا يمكن الإفصاح عن موقف مؤيد للتدخل البري طالما أن إسرائيل مرتاحة لهذه الأجواء دون تدخل بري.

إذن يمكن القول إن سوريا تشكل اليوم "سرّة العالم" سواء كان الأمر متعلقاً باستراتيجيات بعيدة المدى لدول عظمى، أو لصراعات إقليمية دولية سببها الطاقة والاقتصاد أو طموحات بعض القوى ومنها إيران ودأبها لتكون شرطي المنطقة مستعينة بوضع دبلوماسي مريح بعد سنوات من مفاوضات عاصفة في الملف النووي، وكذلك تمكنها من إنبات مخالب في عدد من الدول العربية.

وفي المستوى المحلي للصراع يمكن القول إن استخدام فصائل كوردية في الهجوم على مناطق ليس فيها سكان من القومية الكوردية يعتبر خطأ قاتلاً سيدفع ثمنه الأكراد، إذ لن تقبل تركيا ولا حتى حليفتهم إيران بأن يمرّ هذا المشروع بعد أن تضع الحرب أوزارها، ما يعني أنهم يلعبون دورا تقليديا طالما لعبه الكورد لثلاثة آلاف عام في صراع الفرس مع الترك إذ كانوا مجرد أداة استخدمها الطرفان في مناوشاتهما، وليس بعيداً أن تكون لهذه الخطوة تأثيرات سلبية على نموذج الفدرالية الكوردية في العراق مستقبلاً فإيران لا تريد نموذجاً يزعجها طوال الوقت ويحرض الأقلية الكوردية لديها على بناء كيان منفصل.

وبالنسبة لما تبقى من الأطراف فإن الأمر مرهون لشكل المعركة وعلى الغالب فإن الروس يريدون إنهاء الوضع في الشمال للانتقال إلى الجبهة الجنوبية المؤجلة بطلب إسرائيلي، على أنهم ـ الروس ـ مستمرون بتوجيه ضربات كرسائل تمهيدية، وبالنسبة لتنظيم "الدولة الإسلامية" فإن الأميركيين ليسوا مستعجلين على تصفيته كما يبدو في تصريحاتهم، وهذا ما يلتقي مع تصريحات الإسرائيليين وتصرفات الروس ومن قبلهم نظام الأسد والميليشيا الممولة من إيران.

أما احتمالات انهيار المنظومة الدولية فهي من حتميات المرحلة المقبلة سواء انزلق العالم إلى حرب عالمية ثالثة أم انتهت الجولة بحرب على نطاق محدود لأن هذه المعركة لا يمكن أن تنتهي ببقاء الروس على حجمهم الحالي، فانتصارهم يعني إلغاء كل القواعد والمعادلات الدولية القائمة وخسارتهم تقود أيضاً إلى ذات النتيجة، لكن على الأرجح أن الروس سيدفعون ثمناً باهضاً لرعونتهم في منطقة لم يصمد فيها قبلهم الأميركيون وهم مسلحون بتحالف دولي واسع ورغم إنزالهم 480 ألف جندي على الأرض.

*علي عيد - من كتاب "زمان الوصل"
(187)    هل أعجبتك المقالة (191)

مجاهد

2016-02-17

تابع يا اردوغان ولا يشغلك قلق مجلس الأمن لأن مجلس الأمن الحالي لم يعد يلبي إرادة شعوب الأرض فقد اصبح ملتقى للدول الصليبية فكل ما يتوافق عليه الدول الإسلاميه يوافقه فيتو صليبي وكل مشروع إجرامي في تقتيل وتشريد المسلمين وهدم مدنهم يخرس هذا المجلس الصليبي الصهيوني وبدأ هذا جليا في محنة الفلسطينيين والرهاونج والبوسنة والهرسك وقتل الافارقة المسلمين وغيرها وغيرها كثير لذا يتوجب على الدول الإسلامية والشعوب المضطهدة من مجلس الأمن الصليبي تشكيل مجلس جديد والانسحاب من المجلس الصليبي الحالي.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي