لم تعد الثورة السورية تحتمل مزيدا من الجمود، فضلا عن التراجع، وصرنا كسوريين ملزمين أخلاقيا بأن نلقي ما بيدنا من أحجار كبيرة وصغيرة في بركتها لنحرك مياهها، عسى أن تندفع تلك المياه بكل قوتها لتهدم قلاع محتلين، وتسقط أسوار مبتزين، وتغرق مشروعات متربصين.
ليس هناك من مقتلة للإنسان -بوصفه كائنا عاقلا وحرا- أقسى من توقفه عن التفكير والحلم، وليس هناك من نهاية للثورة –أي ثورة- أبشع من نهايتها على يد أبنائها بركودهم ويأسهم، وتقاذفهم لأحمال المسؤولية، وكأنما يتقاذفون عارا!
أوشكت خمس سنوات على الانقضاء، وها نحن نستعد لدخول السادسة، منتقلين من طور إلى طور، دون أن تتطور أساليبنا ومقارباتنا بنفس القوة والجدية التي تقلبت فيها أطوار ثورتنا، من يوم أن كانت انتفاضة عفوية كل همها كيف نتجمع ونهتف، إلى يوم بلغت أفقا مضطربا عسكريا، محاصرا سياسيا، مرهقا إنسانيا.
تقلبنا في أطوار شتى، فدخلت مع الهتافات البنادق، ثم لحقتها الدبابات والمدافع، وكلما طورنا أساليبنا كان النظام يحشد أكثر ويستحدث مزيدا من أساليب التجنيد والتمويل والاستعانة بالحلفاء، فيما توقف الزمان لدى أغلبنا -كجمهور ثورة وثوار- عند انتصارات عامي 2012 و2013، حين كانت الثورة في أوج زخمها وكان النظام في قاع انهياره.
لم يستح النظام، ولايمكن أن يستحي بناء على تاريخه وتفكيره الذي يراها معركة وجود.. لم يستح من طلب النجدة والعون من كل الذين ربطته بهم مصالح طائفية أو سياسية أو مالية أو مافيوية، وظل مصرا على تجريب أوراق الاستعانة ورقة تلو ورقة، حتى رسا على الروس.
في المقابل، دخلت ثورتنا مرحلة محاربة المشروعات الأجنبية على اختلافها، وتعرضت بلادنا لشتى أنواع الغزو والاحتلال على تنوعها، وصرنا –رغما عنّا في الغالب- أداة لتصفية الحسابات، ومسرحا لخوض النزاعات، ومع ذلك لم تتغير أساليبنا كثيرا.
وسأكتفي بسؤال يمكن أن يكشف مرادي مما سقته آنفا: هل يعقل لبلد صار مرتعا للمحتلين وملعبا للمتدخلين، أن يكتفي بمسمى ثورة ومعارضة، ويغزل بمغزلهما؟؟.. أفلا يجدر بنا أن نعلن كسوريين أفرادا وجماعات عن "حرب تحرير شعبية"، تشرك كل سوريي الداخل والخارج –بمن فيهم من تحت سلطة النظام- في هذه الحرب الضخمة المتشعبة، كل حسب موقعه وطاقته.
الحرب القائمة اليوم على أرض سوريا تعجز دول عن توجيهها وحسمها، ونحن نتخيل توهماً أن تغيرها فصائل وجماعات، لو تخلت اليوم عن تفرقها واتحدت فلن يكون بإمكانها أكثر من تعديل الموازين وتغيير نتيجة معركة أو عدة معارك، وليس إنهاء الحرب كما تريد، وقيادة السوريين إلى هدفهم الذي كانوا وما زالوا يطمحون له منذ أول صيحة: "حرية".
فما الذي يضير في إعادة الثورة بكليتها، وبشقيها المدني والعسكري إلى حضنها الشعبي الواسع، عبر إعلان "حرب تحرير شعبية"، يساهم فيها القائد العسكري الفذ على جبهته كما يشارك فيها تلميذ المدرسة الصغير على مقعده.. حرب تحرير شعبية، بالفعل والحركة والمبادرات، لا بالشعارات ولا الهيئات، كما قد يتصور البعض، أو كما قد يوحي المصطلح الذي لوثه فساد متاجرين في قضايا تشابه القضية السورية، في تعقيدها وتخاذل الأبعدين والأقربين بحقها.
حرب تحرير شعبية، نشارك فيها كلنا فعلياً، لا وجدانيا كما يحدث الآن لأغلبنا، خصوصا المهجرين خارج سوريا، مشاركة تنقلنا من موقف المراقب واللائم للفصائل العسكرية والسياسة إن أخفقت في مكان ما، إلى موقف المشارك الفعال، الذي يعرف حق المعرفة أن هذه ثورته، وأن مصيره مرتبط بمصيرها، وأن تكبده المشقة في سبيلها، هو "فرض عين" وليس أمرا مندوبا أو مستحبا، تابعا لرغبة.
ومن منطلق إعلان "حرب التحرير الشعبية" الذي يبدو أني أفضت فيه، ورغم ذلك لم آت على عشر معشار فوائده.. من هذا المنطلق، أقترح أن نبدأ بتحويل حربنا إلى "استثمار" بكل ما تعنيه الكلمة، من معاني ضخ التمويل وانتظار الأرباح، المادية منها والمعنوية.
لن أدعي إعادة اختراع العجلة، وليس لدينا نحن السوريين ترف الوقت لاختراعها حاليا، وسأطرح بكل بساطة مسألة اسمها "سندات الحرية"، وهو بالمناسبة اسم وأسلوب مطروق استخدمته الولايات المتحدة مطالع القرن الماضي وبداية الألفية الجارية، لاستدرار الأموال من الأمريكيين بشكل قروض مستحقة الإعادة.
ومن خلال هذه السندات التي يمكن أن تطرح بسعر رمزي وبشروط تتوافق مع ثقافتنا واحتياجاتنا ليشارك في شرائها عموم السوريين، نستطيع إرساء الأرضية لتمويل حربنا التي تحولت إلى حرب ضد أنظمة وليس ضد نظام واحد فقط، ويمكن لكل سوري أن يطمئن إلى هذا الاستثمار الرابح، معنويا في أضعف الإيمان، بوصفه شرفا وواجبا.
وحتى لايقول أحد أني أخلط الأخلاقي بالاقتصادي، فقد عدت إلى تاريخ صكوك أو سندات الحرية، فوجدت أنها استخدمت 5 مرات، وأن الحملات التسويقية لها في بدايات القرن الفائت، لعبت على أوتار الوطنية والأخلاق والإنسانية، رغم أنها طرحت لدعم دول أوروبا (الحلفاء)، أي إنها لم تكن مطروحة لجمع المال من أجل قضية أمريكية بحتة.
ولعل من أهم ما ورد في تلك الحملات عبارة تقول ما معناه: إن لم تكن على قوائم المجندين فساهم في التمويل، ونحن السوريين بأمس الحاجة لفهم هذه العبارة واستشعارها، وإن كنا لا نحتاج حملات تسويقية، تعلمنا ما هو الواجب تجاه تمويل حربنا الشعبية، و بالأخص ضخ المال في شرايين كتائبنا التي تكاد "تنشف" نتيجة أن بعض الممولين استطال المسير واستبعد الهدف، أو جراء ضغوط إقليمة ودولية.
إن "سندات الحرية" طريقة لتمويل سوريا الحرة بنقود السوريين، بعيدا إلى حد ما عن ضغوط الممولين "الأجانب"، وهي طريقة عملية لجمع الأموال بدلا عن أسلوب الحملات و"الفزعات" الذي يخبو سريعا، فضلا عن أنها دين مستحق للسوريين الذين اشتروها في رقبة أي حكومة "حرة"، وعليه فلا منة لأحد في هذا التمويل، الذي هو قرض إن شاء استرده في موعد استحقاقه، وإن شاء تخلى عنه لبلاده بكل طيب نفس.
وأرجو أن لايقول أحد إني باقتراح طرح صكوك الحرية، أفتح الأبواب مشرعة للفساد، فالفساد المالي والإداري هو فيروس كل مشروع كبر أو صغر، حُقرت أهدافه أم جلّت. وآليات الضبط والشفافية معروفة ومتوفرة، وهي "الترياق" الأنجع لداء الفساد، الذي لو توقفنا عنده فلا نطلق مشروعا ولن نطبق مبادرة.
لقد فات وقت طويل وطويل جدا من الجدال، دفعنا ضريبته دماً، لو ألقي في بحر أو ربما بحار لغيّر لونها.. والوقت الآن للعمل، مع علمي التام بأن ما طرحته من فكرة إعلان "حرب تحرير شعبية"، وطرح "سندات حرية"، إنما يحتاجان لجبال من الجهد من أجل بلورتهما وإطلاقهما، كما يحتاجان مزيدا من التوضيح والتفصيل، أتركه لأهل الاختصاص ( قانوني، اقتصادي، عسكري، مالي إداري، سياسي...).
إنما هي أحجار كانت بحوزتي فألقيتها.. اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.
إيثار عبدالحق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية