أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

المنشقون منشقون.. ورياض حجاب مثالاً*

رياض حجاب - أرشيف

بالغ، ولم يزل يبالغ، أوصياء الثورة السورية، وسرّاقها، في جَلدهم المنشقين عن نظام بشار الأسد، إذ لا يتم الرضى على من ترك منصباً ومالاً ولبى نداء ضميره بوقوفه إلى جانب الشعب والحق والحرية -وليس من منّة البتة في ذلك- إلا بعد مقتله أو اعتقاله، اللهم إن لم تذهب مخيلة البعض الإبداعية، إلى أن اعتقال النظام للبعض، أو قتله للآخر، تمويه، ليس إلا، ليدس بالبقية بين صفوف المعارضة التي رصّ بنيانها، المهاجرون تارة والأنصار بقية الأحايين.

بداية القول: لو سألنا بمباشرة، عن سبب ذهنية التخوين والتشكيك المنتشرة في صفوف المعارضة، لنلحق بسؤال آخر عن سبب ودور تلك الذهنية فيما آل إليه حال الثورة والمعارضة...للنهي بعدم انتقال مرض التشويه والتشكيك إلى صفوف نظام الأسد، رغم ما فيه من فضائح ومواضع تشكيك، جعلت من رأسه حاميا للأقليات وخيار البلاد الأوحد، ومن "نمره" فيلسوفاً ومنظراً سياسياً وميدانياً ربما قبل محاولات الإجابة، يجدر بنا التنويه، إلى أن سوريا ليست ملكية شخصية لعصابة الأسد، ومن كان يعمل، أو معظمهم لئلا نعمم، إنما كانوا يعملون بدولتهم، كما لا خيارات أخرى، عدا الهجرة، كانت متاحة للأحرار قبل الثورة.

كما ليس للمشكك أن يدعي، أو للغالبية كي يستوي القول، ولا نعمم أيضاً، أنه شكل حزباً قبل الثورة فنافس حزب البعث وأقصاه عن البرلمان وتشكيل الحكومة، وليس من مناضل أذل الأجهزة الأمنية وألزم نظام العصابة على تعديل قرار أو منع استصدار قانون، أو أخلى سبيل معتقل بقوة المنطق، أو السلاح.

هذا، إن لن يأتي الرد بالذهنية ذاتها، لنقول، أن جلّ من يدعي البطولة اليوم، ويرشق المنشقين بحجارة التخوين والعمالة، إنما كان يتوسطهم ليقابل رئيس بلدية أو محافظ، أو ليعقد صفقة، أو ليتقرب من عنصر أمن، عبر رشى ومآدب طعام وتذلل.

وقبل أن ننتقل لمحاولات الإجابة، نعيد التأكيد على "البعض" و"الجل" كي لا نقع بفخ التميم القتّال، ويخرج علينا مناضل جديد، لم تسمع بنضاله أمه قبل "فوضى الثورة" ليكيل لنا التهم إثر شعوره باقترابنا من حماه ومبادئه.

بالعودة للأسئلة، أعتقد أن أهم أسباب تفشي ذهنية التشكيك بصفوف المعارضة، إنما يأتي من الفهم الخاطئ للحرية، فالسوري الذي منع من الكلام والتعبير والنقد، لعقود، وجد بعد الثورة، أن تناول أي قامة، أمر مباح، بل وضرورة ليعبر عن كينونته ويسوّق للمراقبين ومن يهمهم الأمر، أنه بطل وعالم بصغائر وتفاصيل الناس والأمور.

وربما، من الأسباب أيضاً، أن تسلّق بعض الأسخاص غير الكفوءة إلى صفوف المعارضة، لسبب أو لآخر، نكأ جراح السوري الذي دفع من دمه ثمناً للخلاص من فرسان الأمس الذين احتلوا واجهة النضال والبت بمصائر العباد والبلاد، بيد أن ذلك، وعلى أهميته وضرورة السعي للفظ أؤلئك الوصوليين، لا يعطي مبرراً للثوريين الجدد، ليجلدوا الجميع بسياط أحقادهم.

كما ربما لعدم وجود معايير ومحددات، للثوري والسياسي والإعلامي والمفاوض وحتى القائد الميداني، سبباً مهماً زاد من الغيظ غير المبرر للرشق بالحجارة.

أما الإجابة عن السؤال الثاني، وهو الأشد خطراً، نظراً لعقابيله، فأثر التشكيك بالجميع، لدرجة توجس أصحاب الخبرات من دخول صفوف الثورة الأولى، حرصاً على كرامتهم، إنما غيّب المؤهلين عن مواقع القرار، وفتح المجال واسعاً لحملة "سوط الجلد والبندقية" أو لسجناء الأمس الذي أكدت الأحداث افتقار معظمهم للوعي السياسي، بل وجوعهم المتأصل للضوء والمال، ليتربعوا على صناعة القرار، ويبيعوا دم الشهداء ويضيعوا ذهب الزمن الذي لا يعوّض، ولعل المقارنة بين ما كانت عليه المعارضة، من دعم سياسي وتمويل مالي، منذ عام ونصف العام، وكيف التهى جل دمى الائتلاف بالنفعية والتآمر والتشرذم، وبين ما تعانيه المعارضة اليوم، من تخل وعلى الصعد كافة، إنما يدلل على خطورة إبعاد الأكفاء والاعتماد على المرضى والظواهر الصوتية. لنصل للسؤال الأخير، لماذا لا نرى التشكيك والتشرذم والتخوين في صفوف عصابة الأسد، رغم أنها غارقة "لشوشة راسها" بالتآمر على مصير سوريا الذي بلغ التوقيع على صك الانتداب الروسي، وقتل السوريين وأحلامهم، بل وهي السبب والمسبب الأول، في كل ما آل إليه الحال اليوم.

أعتقد الإجابة تأتي من مكانين، الأول أن ثمة رأسا وبنية مؤسسية -بصرف النظر عن تقييمنا العاطفي أو الأخلاقي أو حتى الوظيفي لتلك المؤسسة- مازالتا ساريتين لدى النظام، في حين لم تعرف المعارضة أن تتفق على شخص ولا بنية ولا خطة حتى الآن، بل وكلما لاح أي أمل، ناتج عن فكرة أو خطة أو خبير، يتسارع "الأحرار" لتحميله كل الأوزار والخطايا السابقة، بل والغم بماضيه وحاضره ونواياه.

قصارى القول: تمر سوريا والثورة اليوم، بأخطر مراحلها على الإطلاق، فأن لا يمتلك السوريون، حتى خيار الرفض للذهاب لمحادثات، على الأرجح ستفضي لشرعنة القاتل والقتل، ففي ذلك دليل قاطع على اتفاق العالم على وأد هذه الثورة، ليأخذ اسبان فرانكو من عصابة الأسد، دروساً في فشل الثورات.

وربما ليس من حاجة لاجترار الأسباب، التي غدت أكثر من واضحة، فإيران القادمة بالمليارات من جهة، وحقد القيصر الروسي من أخرى، بعد تملكه وبقوة الاتفاق سوريتنا بما ومن فيها، فضلاً عن خدمة "المتأسلمين" لأعداء الثورة، والذين برروا للعالم ليتخلى عن الحق، بل ويؤاجر بضرب الأموات.

وهنا، لا يمكن التهرب من دور السوريين في عدم قدرتهم على تسويق ثورتهم أولاً وقيادة دفتها ثانياً وغرق معظمهم بين حلم الوافدين والتعويل على الفاشلين، لنأتي، وهو مربط الفرس، على سؤال:
لماذا تم إقصاء المنشقين العسكريين عن قيادة الأرض، والمدنيين عن، حتى المشاركة بالسياسة والقانون، بمؤسسات المعارضة، رغم توفر الكفاءات وبكثرة، إن لم نقل تركها لتدفع ثمن انشقاقها، بين برد المخيمات وطرق أبواب اللئام الذين تصدروا المشهد، أو ترك الحلم وسوريا، والهجرة للبحث عن خلاص فردي؟
دونما العودة للتطرق إلى الأسباب الموجعة، التي ووجه بها المنشقون، ولا يزالون، أعتقد، أن مراحل جديدة وخطيرة ستعصف بالثورة ومصير سوريا والسوريين، ولعل في وجود معايير تسمح بالاستفادة من أصحاب الخبرات، الذين لا تستميلهم الأضواء ولا المال، فرض عين اليوم، وربما بالتغيرات التي طرأت، مذ أعطي البعض مجالاً، دليلا كافيا على استدراك أخطاء الماضي، وتحصين لما يمكن أن يقع به المعارضون في أفخاخ، بعد بدء "مهزلة التفاوض".

نهاية القول: دونما أدنى شك، أن عبادة الأشخاص وشخصنة الثورة ولاحقاً سوريا، بات أمراً محرماً، إذ لا يمكن للسوريين أن يسمحوا باختصار تاريخهم بإنجازات القائد، أي قائد، ولا حاضرهم بخوارق فريق، أي فريق، ولا ربط مستقبلهم بفردية ونفعية، أياً كان مدعيها.

فما نراه من وضع "الهيئة العليا للتفاوض" بموقع المخلص، ومن فيها بخانات المنزهين والقادرين والمعصومين، هو مبالغة وينم عن ردة فعل إن لم نقل عقدة أو ربما منفعة.

بيد أنه، وبالآن عينه، التشكيك غير المبني على حجة، والاتهام غير المنطلق من دليل، تجاه الهيئة أو بعض من فيها، إنما يؤكد على حقد أو ارتباط، أو ربما مسك نظريات وشعارات، من مؤخرتها وشدها، دون أخذ ما يجري على الأرض من تبدلات، لنكون أمام فريقين متطرفين، محب مغال، أو حاقد موتور، وأعتقد ما بينهما هو المنطق والأقرب إلى الحقيقة الكامنة في ذيل النحلة، فهي تلدغ، فقط لكونها حقيقة.

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(181)    هل أعجبتك المقالة (184)

مجاهد

2016-02-21

يا استاذ عدنان وجهة نظرك صحيحة جزئيا قد تنطبق على حالتك لأنك كنت تعالج مواضيع اقتصادية لا تؤدي إلى أذية اية مواطن لذلك يكون انشقاقك مقبولا ومرحبا به ولكن في حالة انسان انتهازي جلس خمس وعشرون عاما مشاركا في أذية السوريين هل تعطيه شهادة حسن سلوك غيابية هل نعلم كم من السوريين يمكن ان يقاضوه على جرائم ارتكبها هل نعلم كم من الدولارات سرقها هل نعلم كم ساهم في تخريب وتهديم في المجتمع على اقل تقدير تم الترحيب بانشقاقه ولكن من البلاهة والغباء ان اقبل ان يكون متصدرا للثورة قبل محاكمته واثبات براءته.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي